في القيظ المعرّق للرابع من يوليو التقى رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في واشنطن في محاولة للخروج من أزمة كشمير· وعندئذ أجرى الجانبان محادثات أعدت على عجل بشأن جدولي أعمال متباينين بقوة·
كان شريف يسعى إلى تدويل قضية هذه المقاطعة محاولا بذلك تأكيد زعامته لدى الأصوليين الإسلاميين وقيادة الجيش العنيدة في بلاده، وكان كلينتون الذي أرهقته أزمة كوسوفو وجدول أعماله (وأعمال زوجته المرشحة لمنصب عضو مجلس الشيوخ) في الداخل يريد تفادي انتقال النزاع الضيق في كشمير إلى حرب إقليمية واسعة بين بلدين نووين غير مستقرين تجبر الولايات المتحدة على التدخل مباشرة مرة أخرى وراء البحار·
الزمن هو وحدة الكفيل بمعرفة ما إذا كانت زيارة شريف لواشنطن هي مجرد مناورة بارعة لزعيم سياسي أم جهد أخير يائس لزعيم فاشل، فالسيناريوهات التي تنتظره في الأسابيع القليلة المقبلة لا توحي له بالارتياح· فأمامه الخيارات التالية:
- الانسحاب من كشمير الهندية ومواجهة غضب الجيش والأصوليين الإسلاميين، ففي حين سمح كلينتون لشريف بهامش مناورة ضيق في البيان بشأن سحب القوات الباكستانية، فليس هناك رئيس وزراء باكستاني يستطيع النجاة سياسيا في عيون الناس إذا انهزم في عملية عسكرية نجحت في اجتذاب الأضواء وحررت المشاعر المكبوتة لشعب كشمير·
فالأمر السياسي بالانسحاب ربما يلتفت إليه مؤقتا الجيش الذي لا يبالي كثيرا بالاهتمام بالشؤون المدنية أو بتوقف القروض من صندوق النقد الدولي، لكن الأضواء السياسية الناتجة من غضب الإسلاميين العاجز ربما تشكل الكابوس الذي يقض مضجع شريف·
فمن المتوقع أن ترتفع صيحات المتطرفين الإسلاميين ضده إذا استطاع شريف اقناع الجيش بسحب المقاتلين من جبال كارغيل - دراس· فقبل كل شيء، يعتبر شريف الشخص الذي يواصل عملا بدأه الدكتاتور الباكستاني الراحل الجنرال ضياء الحق في تقوية الأصولية الإسلامية، وربما يعتبر عندئذ خائنا للقضية التي يبذل المقاتلون الإسلاميون دماءهم في سبيلها·
لكن الجيش لن يحافظ على هدوئه أيضا· فالجيش الذي غلب عليه المحترفون غير الدينيين في فترة الحرب الباردة، يطغى عليه الآن آلاف من الضباط الإسلاميين خريجي المدارس الدينية والأصولية· وهؤلاء الرجال المتبعون بتعاليم القرآن الكريم يشكلون العمود الفقري للجيش المؤلف من 500 ألف جندي·
أما الضغط الذي يمارسه هؤلاء على القيادة غير الدينية المتقلصة في الجيش فيوحي بأن القدرة على الفصل بين العواطف الدينية والمسؤوليات الاحترافية تتقلص· أما الدعوات إلى محاربة الفساد في صفوف الطبقة السياسية المدنية فلا تساعد شريف في شيء إذا طلب منه الجيش توضيحات لما وافق عليه في واشنطن·
وثمة سيناريو آخر، وهو اقناع الجيش بالانسحاب والمجاهدين بتأجيل القتال إلى يوم آخر· فالسيناريو الذي لا ينطوي على كارثة سياسية لشريف هو أن يقنع الجيش بأن ينسحب بطريقة مرئية تقنع المجتمع الدولي بأنه أوفى التزاماته في اتفاق واشنطن· ويمكنه أن يبرر هذا الانسحاب بأن الجيش اضطر إلى التمركز على خط الهدنة بعدما بدأت الغارات الجوية الهندية وإلى تأمين التغطية المدفعية للمجاهدين في مجابهة الحملة الجوية الهندية·
وهذا التراجع التكتيكي الباكستاني ينطوي على ميزة إيجابية هي تفادي الإصابة بهزيمة بأيدي القوات الهندية نظرا إلى ما أعلنته نيودلهي أخيرا عن استعادة عدد من التلال الاستراتيجية في كارغيل في الآونة الأخيرة· وعندئذ يمكن أن يعود الجنود الباكستانيون عودة الأبطال إلى بلادهم من بعد أن استطاعوا الصمود في وجه الآلة التقليدية الهندية الأقوى·
أما المجاهدون الذين لا يستطيع شريف السيطرة عليهم بقوة فيمكنهم البقاء في كهوفهم الثلجية حتى سبتمبر عندما يتوجب عليهم المغادرة قبل الشتاء·
ليس هناك غير ستة أسابيع أمام اللاعبين في هذه الأزمة حتى يحققوا ما يريدون من أهداف ميكيافيلية· فإذا كان شريف أراد تدويل الأزمة، فقد نجح في ذلك جزئيا لكنه كان يجازف في فقدان المساندة المالية والسياسية من العالم، والانتصار العسكري على هذه القمم الثلجية يبقى غير مهم إذا وقع الاقتصاد الباكستاني في إفلاس وأرخى بثقله على المواطنين العاديين·
وإذا كان الجيش الباكستاني أراد أن يثبت قوته في مجابهة جيش هندي أكبر منه بعشر مرات ، فقد اتيح له أن يثبت قدرته على البقاء على قيد الحياة في ظروف لا يستطيع تحملها غير عدد قليل من الجنود الأمريكيين· لكن مغامرة الجيش التي نفذت في الدقيقة الأخيرة بطريقة "خذها أو دعها" أمام شريف أثبتت تفكك الضبط والربط في الجهاز الحاكم في باكستان· وإذا كان الرئيس الأمريكي أراد أن يظهر كصانع سلام، فربما لم يستطع تحقيق غير انتصار أجوف·
وهنا تكمن العقبة الميكيافيلية· فبعد هذا الصراع، يبدو أن أحدا لم يلتفت إلى مشاعر الكشميريين أنفسهم· وبعد سنوات من تعرض هؤلاء للاغتصاب والنهب والقمع بأيدي قوات هندية متعصبة، حان الوقت لأن يُخضع المجتمع الدولي ديمقراطية الهند للامتحان· وربما يبدو أن مقامرة كشمير بقيت مهمة لم ينجزها شريف، لكن حاجة الكشميريين إلى التخلص من القمع صارت محفورة في أذهان الناس في جميع أنحاء العالم·
(انترناشونال هيرالد تريبيون)