أسلمت مريم الروح وهي ساجدة تصلي من أجل ابنها الأسير·· ماتت بعد أن نخر الصبر عظامها طوال تسع سنوات حاولت المكابرة خلالها على أمل النظر في عيني ابنها الطفل الرجل·· الأسير البطل·· الذي كان أكبر ذنوبه في حسابات أسرية أنه كويتي الجنسية·
مريم تلك الأم الرؤوم·· حملت هم احتلال بلادها وابتعادها عن ابنها سبعة أشهر ودخلت الكويت اثر تحريرها لتلتقي بهمها الأكبر وهو نبأ أسر الابن المدلل الذي رفض نداءاتها له وأبى أن يغادر أرض بلاده "أمي لست ابنك المترف الذي عرفته·· انني جندي مسؤول عن كل ذرة تراب وكل عرض وشرف على هذه الأرض·· لن أخرج حتى يخرج الغزاة هكذا قال في إحدى رسائله إليها·
ومازال الابن أسيراً حتى اللحظة·· وستظل روح مريم أسيرة لشوقها المضني ولعلها لن تهدأ في مستقرها الأخير حتى يطلق سراح ابنها ليبيت في أحضان أسرته الكويتية الكبيرة فتحنو عليه عوضاً عن ذلك الخلل الذي سيلقاه في تركيبة أسرته الصغيرة التي أخذت في التضاؤل لطول أحزانها عليه·
تصف أخته حالة أهالي الأسرى المعلقة فتقول "يتخيل العالم بأنه يفقد أرضيته هكذا نحن أهالي الأسرى والمفقودين·· نفتقد صلة رحم وقرابة وصداقة"·
ومريم التي توفيت قبيل شهور قليلة هي إحدى المآسي التي تحملها ملفات ذوي الأسرى والمرتهنين والتي احتوت بالإضافة لحالات الأمراض السرطانية وارتفاع ضغط الدم والجلطات والسكري على أكثر من 60 حالة وفاة بين أم وأب لأسرى قطعت أخبارهم تماماً منذ اليوم الأول لاعتقالهم أثناء الغزو العراقي على دولة الكويت في أغسطس من عام 1990 وباجراء حسابي بسيط يتبين أن ما نسبته 6.6 في المئة من الوفيات وقعت أمهات أو أباء الأسرى على مدى التسع سنوات الماضية·
ستون أماً وأباً أنهكهم الانتظار·· انتظار الخبر وانتظار النظر·· ماتوا بعد أن شهد من حولهم ما أصابهم من إعياء مس عقولهم وأجسادهم·· منهم من يرفض فتح غرف أبنائهم على أمل أن يعود الابن أو الابنة فيجدوا حاجياتهم في مكانها المعتاد ومنهم من يبحث عن زوار للبصرة أو الأردن أو بغداد ليتلمس أخبار الأبناء الأسرى·
ولعل من أفظع تلك المآسي حكاية والد أحد الأسرى الذي فجع بنبأ أسر ابنه فأصبح شارد الذهن أسير الفكر وظل طوال التسع سنوات مترقباً فإن سمع جرس المنزل يقرع صاح قائلاً "هذا فلان افتحوا الباب" وإن فقد الأمل تارة أخرى أخذ يتردد على المشرحة يتفقد ثلاجات الموتى فقد يكون ابنه في إحداها فتقر عينه ولو برؤية جسده·
وعندما عقد أبناؤه العزم على الانتقال إلى منزل جديد أصر على أن يبقى جناحاً بأكمله لابنه الأسير وانتقى له جناحاً مواجهاً لمصدر الشمس على اعتبار أن ابنه لم ير الشمس من خلال زنزانته طوال تسع سنوات فيهنأ بها في غرفته الجديدة·
لكن الصبر انهكه والمرض أعياه فأصيب ذلك الأب بسبب أحزانه وهمومه الثقيلة بصنوف غريبة من الأمراض كان آخرها ذلك الذي قضى عليه وهو سرطان البنكرياس وعلى رغم ذلك ظل الأب مشغولاً بابنه وما أحزنه في نبأ مرضه أنه قد يموت قبل أن يرى ابنه حراً طليقاً·· وهذا ما كان·
حالات الوفاة بين أمهات وآباء الأسرى كثيرة وهي مثبتة في سجلات اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى والمفقودين إلا أن الحالات المرضية المعروضة أمامها كثيرة كذلك فهي تشمل إضافة لآباء الأسرى الاخوة والأخوات الأبناء من الأطفال أيضاً·
وتقول مديرة مكتب الخدمة الاجتماعية والنفسية في اللجنة غنيمة الخميس في تصريح لوكالة الأنباء الكويتية "كونا" إن المكتب يشرف على معالجة حالات خاصة مثل الاكتئاب والتعثر الدراسي وغيرها من أمراض تحتاج إلى التوجيه والجلسات العلاجية·
وتضيف أن الأمراض الجسدية المختلفة والتي أبرزها الشلل والقرحة والجلطات لها علاقة بالحالات النفسية لذوي الأسرى "وذلك واقع نتلمسه بالفعل"·
وهذه الحالة اليائسة والمعلقة التي يعيشها ذوو الأسرى مخالفة لسائر النظم والقوانين الدولية والتي يصر النظام العراقي على تجاهلها بل التشكيك بشرعيتها لأسباب غير واضحة·
وكما يرفض النظام العراقي التعاون مع الجهات الدولية المعنية بشؤون أسرى الحروب والمرتهنين مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن تقديم ملفات واضحة بأسماء وأماكن الأسرى الكويتيين وغيرهم في سجونه إذ رفض أخيراً المشاركة في الاجتماعات الرسمية الأخرية للجنة الدولية الثلاثية الخاصة بقضية الأسرى الكويتيين وغيرهم·
ويحتجز العراق أكثر من 600 أسير ومرتهن كويتي وغير كويتي وهو رقم إذا ما قيس بتعداد سكان دولة الكويت يعتبر مرتفعاً جداً إذ يعادل هذا الرقم نحو مليون ومئة وخمسين ألف نسمة في الصين و250 ألف في الولايات المتحدة الأمريكية المتحدة و60 ألفا في مصر·
ومن بين هؤلاء وفق تقرير اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى والمرتهنين 14 سعودياً و6 إيرانيين و5 مصريين و4 سوريين و3 لبنانيين وواحد بحريني الجنسية وآخر هندي الجنسية وأسير عماني الجنسية·
وكان مجلس الأمن قد أصدر في الثاني من مارس من عام 1991 قراره رقم 686 والذي ينص على أن يقوم العراق وعلى الفور بإطلاق سراح جميع الكويتيين ورعايا الدول الثلاثة الذين احتجزهم العراق وأن يعيد أية جثث للموتى من الكويتيين ورعاية الدول الثلاثة· الفقرة 2/ج·
ويضيف ذات القرار أن على العراق اتخاذ الترتيبات اللازمة من أجل تيسير الوصول الفوري إلى جميع أسرى الحرب وإطلاق سراحهم تحت رعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر وإعادة أية جثث للموتى من أفراد قوات الكويت والدول الأعضاء المتعاونة مع الكويت الفقرة 3/ج·
وهذه المماطلة الرسمية من قبل ذلك النظام وعلى مدى 9 سنوات خلفت وراءها هماً وطنياً تعاني منه دولة الكويت لاسيما أن شريحة الأسرى والمرتهنين شريحة كبيرة جداً قياساً بنسبة السكان في البلاد·