· الحكومة لا ترغب في التعاون مع المجلس.. وسحب القوانين فضح تآمرها
· شق صفوف النواب وتوريط الوزراء.. لعبة استمرأها "البعض"!
كتب المحرر السياسي:
جاءت الانتخابات الأخيرة لمجلس الأمة فريدة في ظروفها ونتائجها من جوانب عدة، لعل أهمها أنها جرت وسط ظروف "نظيفة" أحس المواطن الكويتي ولأول مرة أن السلطة قامت بمحاولات جدية لتطبيق القانون خلال الحملة الانتخابية حيث فتحت السلطة وبشكل مفاجىء أذهل العديد من المراقبين ملف "الانتخابات الفرعية" على مصراعيه وتمت إحالات للنيابة العامة هي الأولى من نوعها في تاريخ الكويت، بل إن حتى ظاهرة شراء الأصوات التي كانت تصاحب كل انتخابات نيابية جاءت هذه المرة مختلفة نوعا ما، حيث كان "المموّل" هنا إما من "حرامية المال العام" للتأثير على مرشحين بعينهم أو أن "الشراء" جاء من المرشحين أنفسهم من أصحاب رؤوس الأموال، كما أن الوعد الذي أطلقه جاسم العون وزير الشؤون السابق عشية حل المجلس بشأن وقف تصاريح العمل حتى تنقضي فترة حل المجلس أكسب الحكومة مصداقية كبيرة، إضافة إلى احترام السلطة لتعهدات أطلقتها بُعيد حل المجلس بشأن عدم "التوظيف" خلال فترة الحل على الرغم من أنه (التوظيف) كان من أقوى الأسلحة التي كانت تستخدمها السلطة لإيصال مرشحين من أتباعها ولإسقاط مرشحين مناكفين لها·
وهناك من يؤكد أن السلطة طولبت من "مرجع أعلى" بأن ترفع شعار "الحيادية" طيلة فترة الانتخابات وتلتزم به عملا لا قولا·
من هنا كان من الطبيعي - والأجواء كهذه - إن يتحمس الناس لإيصال عناصر جيدة كانت محاربة في الأجواء المريضة والمسمومة التي كانت تُجرى بها الانتخابات السابقة، في المقابل تحمس الناس أيضا لإسقاط عناصر ساهمت في تخريب العمل النيابي على مدى سنوات طوال من خلال تغليب مصالحها الخاصة وكانت هذه العناصر تلقى دعماً غير محدود من بعض أطراف السلطة·
وفعلا جاءت نتائج الانتخابات وفق ما خطط له الناس وما رغبوا به، فحصدت الكويت برمتها مجلساً يعكس - في عمومه - رغبة الناس في الاصلاح وفي القضاء على الفساد بجميع أشكاله ورموزه·
وعلى الرغم من أن المتوقع من السلطة كان أن تبادر في تشكيل حكومة انقاذ وطني تبعا لقراءتها لنتائج الانتخابات، ومع أن الطريقة التي تمت بها مشاورات تشكيل الوزارة كانت طريقة متخلفة لم تراع احترام رغبة المدعوين للمشاركة في ابداء الرأي ومعرفة أية تفاصيل عن الحكومة التي سيشاركون بها، نقول مع ذلك ضمت الوزارة بعض العناصر الجيدة·
ولم تكن هناك حدة - من جانب الناس والقوى السياسية - في تقييم التشكيلة الوزارية الجديدة باستثناء الحديث عن الطريقة التي تمت بها مشاورات التشكيل، لأنه كان من المتوقع أن الزمن وحده كفيل بتجاوز هذه الإشكالية لأن التغيير لا يمكن أن يأتي سريعا، ولكن الجهود المكثفة التي قامت بها الحكومة الجديدة من أجل إبعاد أحمد السعدون عن رئاسة مجلس الأمة وضعت علامات استفهام كثيرة حول تناقض المواقف بين الحملة الانتخابية "النظيفة" والتي مرت دون تدخل ملحوظ، وبين التدخل السافر في إبعاد السعدون عن الرئاسة، الأمر الذي جعل الحكومة تتدارك الوضع من خلال تكتيك مختلف في التعامل مع انتخابات بقية مناصب مكتب المجلس واللجان البرلمانية حيث ساهمت في وصول عناصر جيدة لسدة تلك المناصب أو اللجان حتى لا تستعدي الكثير من الأعضاء الفاعلين· وهذه أيضا محطات تم تجاوزها من جانب العديد من النواب من أجل التعاون الذي ينشده أهل الكويت بين الحكومة والمجلس·
سلاح المراسيم
أول مشكلة واجهت المجلس مراسيم القوانين التي أصدرتها الحكومة أثناء فترة غيابه وعددها 60 مرسوما، فبالرغم من وضوح عدم دستورية كثير من هذه المراسيم لعدم انطباق حالة "الضرورة" التي لا تحتمل التأجيل عليها، إلا أنه كان هناك اتجاه قوي في مجلس الأمة في التعاون مع الحكومة لإيجاد مخرج دستوري مناسب يتجاوز الأزمة دون خسائر تذكر، فمع وجود معظم هذه المراسيم كمشروعات قوانين مدرجة على جدول أعمال المجلس ( مرحّلة من الفصل التشريعي السابق) كان من الممكن أن تحل هذه الإشكالية خاصة مع تحمس بعض الأعضاء لتبني تلك القوانين وإبدالها بمراسيم الحكومة· فما الذي حدث؟
اجتمعت اللجنة المالية في 21 يوليو الماضي وطرحت الفكرة السابقة (استبدال المراسيم بمشروعات قوانين) حتى يزول هاجس المجلس في التعسف في استخدام المادة 71 من الدستور، إلا أن الحكومة رأت غير ذلك حيث اجتمعت في نفس اليوم "21 يوليو" وقررت سحب مشروعات القوانين وهذا ما صرح به وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء محمد ضيف الله شرار لأعضاء اللجنة المالية عبر الهاتف وبالتالي فإن الحكومة وضعت المجلس أمام خيار واحد: هو إقرار المراسيم·
ماذا يعني هذا التصرف؟ إنه يعني أن الحكومة بإصرارها على تمرير القوانين من خلال أداة "المراسيم" لا تريد التعاون، وإلاّ فما الذي يضيرها إذا كانت النتيجة التي تريد أن تصل إليها "تمرير القوانين" ستمر عبر أداة أخرى عادية هي "مشروعات القوانين" وهو الأمر الذي يؤكد وجهة النظر التي عبّر عنها البعض بأن الحكومة تريد أن تغتصب حق مجلس الأمة في التشريع والرقابة معا لأن "المراسيم" لا تتيح للمجلس مناقشة بنود القوانين وتفاصيلها مما يسلب المجلس حقه في التشريع والرقابة· خاصة إذا علمنا أن الموافقة على المراسيم تتطلب أغلبية عادية، بينما يتطلب رفضها أغلبية مطلقة مما يجعل من الصعب - إن لم يكن من المستحيل - رفضها·
هذا السلوك المريب من جانب الحكومة عمّق الشك السابق وحوّله إلى يقين·· فالمجلس يبحث عن مخارج والحكومة تسد أمامه جميع الطرق المتاحة·· فإجراء من هذا النوع أحدث ربكة شديدة في صفوف أعضاء المجلس وخاصة بين من كانوا مرتابين دوما في تصرفات الحكومة وبين من أحسنوا الظن في تصرفاتها، الأمر الذي انعكس على مواقف الأعضاء تجاه "مراسيم الموازنات" حيث اتسع تباين المواقف وتبودلت الألفاظ الحدية بين الطرفين، وأكثر من هذا تطوع بعض الوزراء الذين يصنفهم الناس بأنهم شعبيون إلى حد ما في المشاركة في هذا الجو المقيت، وكأن هذا هدف آخر للحكومة في "خلخلة" الوضع في المجلس، ولعل أبرز دليل على أن الأمر متعمد ومخطط له بشكل جيد ومدروس، تلك الابتسامة التي لم تفارق وجه أحد المسؤولين "الكبار" لحظة واحدة طوال تلك الجلسة، مما يوحي أن الحركة "التجميلية" التي حدثت أثناء فترة التحضير للانتخابات كانت مؤقتة لتبدأ المواجهة من جديد في الدورة المقبلة للمجلس و"ترجع حليمة إلى عادتها القديمة"·
ولا يفوتنا أن نقول هنا إنه من المتوقع - لاستكمال مخطط المواجهة - أن تكون نتائج انتخابات اللجان في الدورة المقبلة للمجلس مختلفة اختلافاً جذرياً عما هي عليه الآن، حيث سيقوم بعض أطراف السلطة بتكثيف الجهود لمنع بعض أعضاء المجلس من تسلم رئاسة اللجان المهمة·
وما نعتقده أن الصورة حين تتضح لجميع النواب المخلصين فإنه سيكون لهم موقف آخر لأنه ليس من المعقول أن يخذلوا رغبة الناس في إحداث الإصلاح المطلوب، وعلى النواب أن يعوا ما يدور حولهم من خطط ومماحكات وأن تعود اللُحمة بينهم لأن المخلصين من الأعضاء هم الأغلبية في المجلس وهم قادرون على تصحيح الاعوجاج الذي يتلذذ "البعض" في المحافظة عليه لأنه يُخفي عداءهم الحقيقي للديمقراطية وللدستور والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار·
وليعلم الجميع أن "العقلية" التي تكره الديمقراطية والدستور وتعرقل مشاركة الشعب في اتخاذ القرار إنما هي عقلية تلفظ أنفاسها الأخيرة لأن الشعب الكويتي أثبت غير ذات مرة تمسكه بالدستور وإصراره على الديمقراطية كأسلوب وحيد للحكم، وما خلق أزمات من هذا النوع إلا تعبير عن "نفسية" أنانية لا تنم عن أدنى حب للكويت·· ولشعب الكويت·· ولمستقبل الكويت·
وما نعتقده أيضا أن من جعل جو الانتخابات الأخيرة نظيفاً لن يسمح بانحدار الأوضاع وسيعمل على تصحيحها·