رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 15-21 ربيع الآخر 1420هـ - 28 يوليو - 3 أغسطس 1999
العدد 1387

بقايا يوجوسلافيا (1- 2)
من البوسنة إلى كوسوفو ومن الأساطير إلى الصواريخ

·         ديفيد أوين في حوار مطول:

"وقد شاركت في البحث عن ضوء في نهاية النفق، ولم أوفق ولم يُوفق غيري· وفي النهاية أو بقربها كنا جميعاً لا نسعى وراء تسوية عادلة· ولكننا كنا نبحث عن تسوية فقط، أما كونها عادلة فقد أدركنا جميعاً أن العدل مستحيل لأنه لا يوجد قانون، وإذا وجد القانون فنصوص مواده مكتوبة بالدم"

·   تيتو في آخر حديث معه قبل رحيله:  بعض الناس يقولون إنني أول يوجوسلافي  في التاريخ·· وبعض الناس يقولون إنني  قد أكون آخر يوجوسلافي في التاريخ

·  أظن أن يوجوسلافيا ستحتفظ باستقلالها وستحتفظ بوحدتها

·    تناقضات التاريخ تتجلى - بطريقة درامية - في تصرفات "محمد سوكلو" وزير السلطان العثماني، الذي يستخدم نفوذه في دولة الخلافة الإسلامية حتى يصل شقيقه ويصبح الأسقف الأكبر للكنيسة الأرثوذكسية في صربيا· ويكون المشهد غريباً·· أخ مخطوف مملوك مسلم يصبح رأس السلطة في دولة الخلافة العثمانية·· وشقيقه الثاني الذي لم يؤسر ولم يتأسلم، تساعده سلطة وثروة إسلامية لكي يصبح رأس السلطة الدينية في الكنيسة الأرثوذكسية الصربية!!

 

1 - اللورد الإنجليزي الذي واجه الأزمة ولم تطاوعه مفاتيحها

 

في الساعة الثالثة بعد الظهر تماماً كنت أصعد الدرجات الخمس المؤدية إلى باب البيت رقم 20 في منطقة "بوابة الملكة آن" لموعد رتبته مفتوحاً وطويلاً مع اللورد "دافيد أوين" الذي كان لسنوات طويلة وزيراً للخارجية البريطاني، ثم ترك الوزارة ليشارك في إنشاء حزب ثالث في بريطانيا يخرج من تحت عباءة حزب "العمال" لكي يساير عصوراً جديداً تحت اسم "الاشتراكيين الديمقراطيين"، لكن تجربة هذا الحزب لم تحقق ما كان مطلوباً منها من إنشاء "تجمع عريض للوسط" يملأ المسافة بين حزب العمال وحزب المحافظين وأفكارهما المتباعدة والتي تنتمي برغم مسافات بينها، إلى مناخ تغيرت طبائعه، وهو مناخ الاستقطاب الاجتماعي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية·

كان هناك ثلاثة فرسان من حزب "العمال" يحلمون بهذا الوسط المأمول، وهم: "روى جنكينز" و"باربرة كاسل" و"دافيد أوين"· وعندما لم يتحقق لهم ما أملوا فيه فإن الفرسان الثلاثة تبعثروا: "روى جنكينز" ذهب مفوضاً إلى السوق الأوروبية، و"باربرة كاسل" آثرت العزلة، ولكن الفارس الثالث "دافيد أوين" لم يستطع أن يبتعد عن السياسة، بل ظل يحوم حولها سراً وحيداً محلقاً طول الوقت، لا يعرف لنفسه شجرة يبني عليها عشاً يتسع له، أو حافة جبل يحط فوقها· وفي وقت من الأوقات فكرت "مارجريت تاتشر" أن تطلبه وزيراً معها رغم أصوله العمالية - أو رغم "سوابقه" العمالية - كما يحلو لـ "مارجريت تاتشر" أن تقول· لكن الفكرة راحت سهماً طاش في الفضاء، وظل "دافيد أوين" يحوم في الأجواء لا يقر له قرار· والحقيقة أن كثيرين كانوا يرون مواهبة وقدراته لكنهم لا يعرفون كيف يتعاملون معها، أو - بمعنى أدق - كيف يستخدمونها، لأن "دافيد أوين" نجح في أن يجعل من نفسه شخصية من نوع خاص في السياسة البريطانية تجمع بين الشباب (النسبي) والحيوية (غير المحدودة) والقدرة على استيعاب المشاكل مصحوبة بصلابة تقدر على الحسم (إلى درجة التسلط أحياناً)·

ثم جاء اليوم الذي وافق فيه رئيس الوزراء البريطاني السابق "جون ماجور" على اقتراح من قطب المحافظين الشهير (ووزير الخارجية الأسبق) اللورد "بيتر كارنجتون" بأن تسعى الحكومة البريطانية إلى ترشيح اللورد "دافيد أوين" ممثلاً للمجموعة الأوروبية في المحاولات الجارية لحل الأزمات الناشبة في البلقان، والناشئة من انفراط يوجوسلافيا السابقة، والواصلة إلى حدود الحرب على نطاق يتسع يوماً بعد يوم، من حروب أهلية داخل عدد من جمهوريات يوجوسلافيا، إلى حروب وطنية وعنصرية، بين بعض هذه الجمهوريات وبعضها الآخر، إلى حروب إقليمية مع دول مجاورة لما كان في يوم من الأيام دولة واحدة اسمها يوجوسلافيا·

وقبلت المجموعة الأوروبية ترشيح اللورد "دافيد أوين" فانضم إلى زميله السابق "سيروس فانس" - الذي كان وزيراً للخارجية الأمريكية في إدارة "جيمي كارتر"، ثم اختير ممثلاً للأمم المتحدة في يوجوسلافيا - وراح الاثنان، وهما من أقدر الدبلوماسيين في العالم الغربي، يجربان في البلقان·

ولم يكن "أوين" و"فانس" وحدهما في التجربة، وإنما كان معهما آخرون يحاولون بصفات متنوعة، وبينهم "روبرت دول" عضو مجلس الشيوخ الأمريكي والمرشح لرئاسة الولايات المتحدة، و"ثورفالد ستولتنبرج" وزير خارجية السويد السابق، و"كوفي عنان" السكرتير العام الحالي للأمم المتحدة، وغيرهم كثيرون·

وعندما فشلت كل الجهود في احتواء موقف شديد الخطورة (يوجوسلافيا) في موقع شديد الخطورة (البلقان) - فإن طاقم السياسيين القدامى كله ابتعد عن الساحة وتركها للمحاربين على كل الأشكال والأجناس: من "ميلوسوفيتش" إلى "كاراديتش"، ومن "مادلين أولبرايت" إلى "روبين كوك"، ومن جنرالات حلف الأطلنطي إلى قادة المقاومة في جيش "كوسوفو" السري·

وراحت الدماء تتدفق سيلاً يختلط بالرماد الناشىء عن الحرائق، ويصنع وحلاً يبدو من بعيد بقعة هائلة من العذاب تلطخ خريطة جنوب شرق أوروبا·

وأمام هذا المشهد المروع تراجع "دافيد أوين"، كما تراجع آخرون غيره، وقد آثر هو أن يعود إلى مكتبه في هذا الموقع الأجمل في قلب العاصمة البريطانية: حدائق "سان جيمس" تمتد أمامه، والممشى الشاعري الذي يقود إلى ضفة "التيمز" الشرقية يعبر من قربه، ومباني "وستمنستر" تظهر من نوافذه الخلفية، ودقات ساعة "بيج بن" تصل إليه من بعيد مسموعة كصدى يذكر باستمرار الزمان قبل وبعد كل الأزمات، وقبل وبعد كل الناس، وقبل وبعد كل الطموحات المتحققة أو الضائعة·

دقات جرس الباب وفتحته "ماجي سمارت" سكرتيرة اللورد "أوين"، ودخلت إلى الردهة، وكان خارجاً يلاقيني، ودخلنا إلى غرفته، وكان هناك بقرب المكتب وأمام المدفأة مجلس صغير يتقابل فيه مقعدان مريحان بينهما مائدة عليها إناء قهوة وفنجانان وطبق صغير فيه أربع قطع من البسكويت·

وقال "دافيد أوين" وكلانا يتخذ مقعده:

"دبى (زوجته الأمريكية) لم تكن تعرف "أنكما" في لندن وقد اقترحت أن نلتقي بعيداً عن هموم يوجوسلافيا على غداء أو عشاء قبل أن "تغادرا"·

ثم استدرك:

"إلى أين أنت ذاهب من هنا؟"

وقلت:

"جولة سريعة في أوربا، ثم عودة إلى القاهرة"·

ودون أن يرتب أينا مدخلاً إلى موضوع لقائنا - كنا بالفعل هناك عند مدخل طبيعي، فقد سألني "دافيد أوين":

"كنت أريد أن أعرف، هل القاهرة مهتمة بما يجري في يوجوسلافيا؟"

ثم استدرك ربما كي يتجنب الإحراج موجها ومباشراً(!):

"دعني أعدل سؤالي: هل العالم العربي مهتم بما يجري في يوجوسلافيا؟"

ثم استطرد:

"في يوم من الأيام كانت للعرب علاقة خاصة مع يوجوسلافيا - وكذلك مع الهند· أليس كذلك؟"

ومضى "دافيد أوين" يقول: "لم أستطع قياس مدى اهتمامكم طول الفترة التي اقتربت فيها من الأزمة في البلقان - لكنه كان يخطر ببالي كثيراً أن علاقاتكم مع يوجوسلافيا علاقة قوية··· وأعرف أن أيام سياسة عدم الانحياز التي قادها "تيتو" و"ناصر" و"نهرو" في الخمسينات والستينات تغيرت عليها الأزمنة، لكني كنت أظن أن قرب البلقان من مسرح الشرق الأوسط يدعوكم إلى "اقتراب نشيط وفاعل" من الأزمة في يوجوسلافيا، وقد استغربت أنني لم أجد شاهداً يؤكد ما ظننت، ومع ذلك فلا أستطيع أن أجزم بشيء، وإنما أفضل أن أسمعك·· ما هي درجة الاهتمام في العالم العربي بما يجرى فوق رؤوسهم مباشرة في البلقان؟"·

وقلت، وكان ذلك أول دوري في حوار اتصل ثلاث ساعات كاملة:

"الحقيقة أنني مثلك لا أعرف"·

بالنسبة للحكومات العربية لايبدو لي أن أزمة - أو أزمات البلقان - لها مكان في اهتماماتها، وإذا كان لها مكان على جدول الأعمال فأظن أنه في نهاية القائمة أو قرب نهايتها·

وأما بالنسبة للشعوب العربية فظني أن هناك قدراً من المتابعة ولكنه يصدر عن درجات من العاطفة الملتبسة دينياً وإنسانياً، وربما - ومن بعيد - تاريخياً أيضاً"!

ثم قلت: "على أنني إذا أردت أن أكون منصفاً فإن القضية - قضية يوجوسلافيا أو ما تبقى منها، وما جار في البلقان حولها - يبدو أمام الجميع - الحكومات العربية والشعوب العربية - شيئاً أقرب إلى الألغاز المستعصية على الفهم· كان الفهم يحتاج إلى جهد كبير وإلى صبر أكبر· وبين مطالب الفهم والجهد والصبر آثر الكل أن يريحوا عقولهم وأعصابهم: يتابعون على نحو ما سيلاً من الأخبار ومعظمه من مصادر غربية، أمريكية بالتحديد، ثم يتعاطفون مع شرائط لا نهاية لها، معظمها على التليفزيون - وكلها - من العدسة إلى الشاشة -ـ غربية، أمريكية بالتحديد·

ولم أشأ أن أترك المداخل تعطلنا بأبعد من مداها الطبيعي، فقلت: "على أي حال نحن جميعاً لم نكن هناك - ولكن أنت كنت، وأنت رأيت، وأنت تعاملت، وأنت قضيت سنوات عند فوهة البركان ورأيت ألسنة ناره أو أحسست لهيبها"!

راح "دافيد أوين" يصب فنجانين من القهوة، وضع أحدهما على ناحيتي، وبدا لي أن ملء الفناجين ليس شاغله، وإنما القصد لحظة يعطيها لنفسه يختار فيها نقطة بداية لكلامه·

وعاد "دافيد أوين" إلى مقعده، وقارب ما بين ساعديه وألصق كفيه أحدهما بالآخر، وأسند ذقنه عليهما، ثم بدأ يقول بصوت خفيض:

"لم أكن أتصور أن الأزمة معقدة بهذا الشكل عندما رضيت بالاقتراب منها· كنت أعرف أنها معقدة ولكنها - مثل كل عقدة - تستطيع عند نهاية النفق المظلم أن تجد شعاع ضوء في انتظارها·

وقد شاركت في البحث عن ضوء في نهاية النفق· ولم أوفق ولم يوفق غيري· وفي النهاية أو بقربها كنا جميعاً لا نسعى وراء تسوية عادلة· ولكننا كنا نبحث عن تسوية فقط، أما كونها عادلة فقد أدركنا جميعاً أن العدل مستحيل لأنه لا يوجد قانون، وإذا وجد القانون فنصوص مواده مكتوبة بالدم"·

وتوقف "دافيد أوين" يسألني:

هل تتابعني؟ إنني لا أريد أن "أغرقك" في التعبيرات والأوصاف الغائمة، ولكن الكلمات البسيطة لا تستطيع أن تنطق بالواقع المركب لطبائع الأزمة···

كنت أتصور أنني أعرف يوجوسلافيا بتجربة لا أنساها في الصبا - وكذلك من مصادر عديدة بيتها تجربة وزارة الخارجية"·

كانت تجربة الصبا التي قصدها اللورد "أوين" هي فترة الارتحال (لاستكشاف العالم والناس) - وهي مطلب شبه ضروري من كل دارس في الجامعات البريطانية الكبرى - وكان "دافيد أوين" قد اختار أن يذهب إلى يوجوسلافيا مسافراً بالدراجة· وكان رفيقه في هذه الرحلة بالدراجة صديقه القديم "بيتر جاي"، وكان "بيتر" هو الذي قدم "دافيد أوين" إلى حميه رئيس الوزراء - الأسبق - "جيم كالاهان"· وقد أعجب "كالاهان" بـ "دافيد أوين" واختاره وزيراً للخارجية· وفي ذلك الوقت كان "بيتر جاى" - المتزوج من سمارجريت" - ابنه رئيس الوزراء "كالاهان" - قد عين سفيراً في الولايات المتحدة الأمريكية· ومن المفارقات بعد ذلك أن "دافيد أوين" كوزير للخارجية هو الذي أوصى بنقل "بيتر جاى" وزوجته - انبة "كالاهان" - من السفارة في واشنطن لأنها وهي زوجة السفير وقعت في غرام "كارل برنشتين" المحرر في الـ "واشنطن بوست"، وهجرت بيت (أو سفارة) الزوجية واختفت شهوراً مع "برنشتين"· وفي نفس الوقت - ولذات السبب طبقاً لروايته - فإن السفير (بيتر جاى) وقع في غرام مربية الأولاد (ثلاثة: بنتان وولد واحد) وأنجب منها (والكل صحبة في قصر السفارة بواشنطن) طفلة غير شرعية!

"مارجريت" - ابنة رئيس الوزراء السابق "جيم كالاهان" - هي الآن البارونة "جاى أوف بادنجتون"، وهي تشغل منصب وزيرة الشؤون الاجتماعية في وزارة "توني بلير"· وأما زوجها "بيتر جاى" - فقد اختفى من الصورة العامة، ويظهر أنه أدمن الشراب وضاع منه عمره، وابتعد عن رفاقه، بمن فيهم رفيق رحلة الصبا إلى يوجوسلافيا بالدراجة: "دافيد أوين"!

وكان صوت "دافيد أوين" مازال يصل إلى سمعي خفيضاً يتحدث عن تجربته اللاحقة - سياسياً وليس راكب دراجة - في يوجوسلافيا، وانتقل الآن ليقول:

"تذكر أن بريطانيا شاركت في الحرب العالمية الأولى بسبب صراعات البلقان· دخلنا تلك الحرب بعد اغتيال ولي عهد النمسا في سراييفو (عاصمة البونسة) في خضم صراع بين مملكة الصرب والإمبراطورية النمساوية الهنجارية بعد اغتيال ولي عهدها، وروسيا دخلت وراء مملكة الصرب، وقررت ألمانيا دخول الحرب وراء النمسا، في حين أننا نحن (بريطانيا ومعها فرنسا) دخلنا لمساندة صربيا وروسيا·

ملفات الخارجية البريطانية في اعتقادي تحتفظ بأكمل "أرشيف" معلومات عن البلقان، لكني اكتشفت أن كل ما قرأت وما عرفت عن يوجوسلافيا لم يكن كافياً··· لم يكن كافياً على الإطلاق"!

بدأت نبرة اللورد "دافيد أوين" تتصاعد على طبقات صوته عندما بدأ يدخل بحديثه إلى قلب الموضوع· كانت تعبيراته مازالت تعبيرات الدبلوماسي الذي صقلته التجارب، لكن نبرته زاد عليها يقين رجل عاش أزمة تركت آثارها عليه حتى وإن لم يكن هو قد ترك أثراً على الأزمة·

قال "دافيد أوين":

"أراك استغربت قولي إننا - "سيروس فانس" وأنا - توصلنا إلى تسوية (وفقط!)·

لقد كانت الملامح الرئيسية في الصورة التي وجدناها عند تكليفنا (من المجموعة الأوروبية ومن الأمم المتحدة) - بمهمة يوجوسلافيا - عميقة ومتنافرة:

"يوجوسلافيا كما تعرف - ولا أريد أن أعطلك بتفاصيل كثيرة - تركيبة إنسانية معقدة، وكانت دولة محاصرة في إطار شبه حديدي تصور بعضهم - وبينهم صديقكم "تيتو" - إنه يقدر - مع تجربة العيش المشترك - على منح الكل فرصة للذوبان في فكرة وطن واحد يحرص عليه الجميع بمقدار ما يحرص هو (الوطن الواحد) على الجميع·

كان احتمال انفراط يوجوسلافيا شبحاً يحوم في أجواء أوربا الشرقية، وكان هناك كثيرون يحاولون إبعاده خوفاً من أن انفراط يوجوسلافيا قد يؤدي إلى انفراط غيرها من دول لها نفس التركيبة التي تجمع عناصر عرقية وطائفية وثقافية متباعدة وإن لفتها خطوط حدود سياسية ودولية واحدة!

ومثلاً فقد قال لي "جورباتوشوف" إنه أثناء رئاسته للاتحاد السوفيتي كان مذعوراً مما يحتمل أن يقع ليوجوسلافيا، ولم تكن يوجوسلافيا، في حد ذاتها هاجسه، ولكن تأثير ما يمكن أن يحث فيها على الاتحاد السوفيتي كان هو الذي يؤرقه·

ثم كان أن انفرط الاتحاد السوفيتي أولاً - وأصبح انفراط يوجوسلافيا مسألة وقت يقاس بالأيام وليس بالسنين - وذلك ما حدث"·

"لعلك تلاحظ أن الانفراط اليوجوسلافي فتح الأبواب لمعارك بالنار متوالية: الصرب ضد السلوفينيين والكروات، وكان ذلك قتالاً من أجل الاستقلال القومي· ثم معركة في البوسنة والهرسك بين الحكومة المركزية في بلجراد وبين الحكومة المحلية في سراييفو، وكانت تلك معركة تأكيد سيادة، ثم انفجرت بعد ذلك معركة إضافية بين صرب البوسنة ومسلمي البوسنة، وهذه كانت حرباً دينية لأن مسلمي البوسنة (البوشناق) سلاف مثل الصرب تماماً - وأخيراً كنا جميعاً نضع أيدينا على قلوبنا خشية وصول القتال إلى  كوسوفو لأن العوامل الفاعلة فيها دينية وعرقية ووطنية - ثم إن كوسوفو جغرافياً أهم الداخل إلى قلب يوجوسلافيا"·

"في كل هذا المسلسل المتواصل من الحروب تبدت أمامنا ظاهرة طغت على كل ما عداها، ففي معظم الأزمات التي عرفتها البشرية يلعب التاريخ دوراً كبيراً دعاوى الأطراف بينها - والعادة أن التاريخ هو خلفية أي أزمة - لكن الذي وجدناه في يوجوسلافيا هو أن التاريخ واجهة الأزمة، وهذه حالة معقدة· وفي حالة يوجوسلافيا لم يكن التاريخ هو ما جرى في الماضي، ولكن التاريخ في حالة يوجوسلافيا كان نفسه، بذاته وصفاته - هو الحاضر الذي يواجهنا·

وفي هذه الحالة فإن أي عملية تفاوض من أجل التسوية لا تستطيع أن تجد لنفسها نقطة بداية"·

"تعرف أنه في المفاوضات فإن كل طرف مهتم، بمن في ذلك أي وسيط - يسعى إلى بلورة "رؤية تفاضوية"، فإذا لم تكن لأزمة من الأزمات بداية ونهاية، أي تاريخ مضى يليه واقع راهن، فإن أي رؤية تفاوضية تصبح بالضرورة مشوشة·

وهنا تكون محاولة أي مفاوض أن يبني رؤية للتفاوض على مسؤوليته متصوراً أنها الأكثر ملاءمة، لكن "التصور" لا يكفي هنا إذا كنا مطالبين أن نتفاوض قبل أي شيء مع التاريخ نفسه·

أن نتفاوض مع التاريخ معناه أننا نتفاوض مع الأموات، مع القبور، مع معارك وحروب وأزمات نشأت وتشابكت وسبقت وجودنا، ثم نكشتف أن التاريخ ذاته مستدعى ومستنفر لمعركة الحاضر· لعل الفرصة أتيحت لك لتسمع خطابات التحريض من ساسة أمثال "كاراديتش" و"ميلوسوفيتشش وحتى "بيجوفيتش" - هذا غير الجنرالات الذين تحولوا مرة واحدة إلى فرسان أساطير، ومنشدي ملاحم، وحملة طقوس ورموز من كل نوع"!

"في هذا كله كانت هناك حقيقة ليس في مقدور أحد إنكارها إلا بخطأ في الحساب قاتل، وتلك أن الجيش الصربي - الجيش اليوجوسلافي السابق - هو أقوى سلاح على أرض البلاد، وذلك جيش ضاع منه حدود الدولة التي كان يعرفها ويخدمها، وقد استقيظ ذات صباح فإذا الأمن القومي في الداخل وليس على الحدود، والخطر قادم من عناصر لا يعرف - الجيش - إذا كان واجبه حمايتها أو واجبه ضربها، وترتب على ذلك أنه لضمان ولاء الجيش وتماسك كتلة ما في وسطه - فإن تعبئته سياسياً لابد أن تبلغ حد الذروة، وهذه حالة نفسية مخيفة لجيش يملك أكبر طاقة نيران على الأرض"!

"أضف إلى هذا كله تداخلات الجوار حول يوجوسلافيا، ثم مطالب اقوى الدولية الكبرى وبعضها مباشر وبعضها غير مباشر"·

وتوقف "دافيد أوين" لحظة عن الكلام واكتشف أن فنجان قهوته برد قبل أن يلامس شفتيه، وقام بنفسه إلى حمام مجاور يتخلص من قهوته الباردة ويعود بفنجاته يملؤه مرة أخرى بقهوة ساخنة·

ثم يستكمل "دافيد أوين":

"أنت تعرف مثلاً أن كل استعمال للقوة تمهيد للتفاوض، ثم إن المدى الذي تصل إيه القوة هو البداية التي يبدأ منها التفاوض·

وفي الحالة اليوجوسلافية لم  تكن هناك علاقة واضحة بين "القوة" و"التفاوض" لأن القوة كانت في حالة سيولة تحولت معها الخطوط إلى بقع على الخريطة··· أحياناً إلى نقط وليس بقعا·

وأنت تعرف مثلاً أن كل تفاوض يستلزم وجود أطراف لها شرعية إجرائه لكي يكون ملزماً، لكن المعضلة أن تكون مفاوضاً مع التاريخ نفسه والسلاح حاضر، ومع الأساطير القديمة لكنها الآن تستعمل مفردات سياسية معاصرة·

··· في مثل هذه الأحوال فإنه لم يكن في وسع أي وسيط دولي أن يعثر في كثير من الأحيان على طرف إنساني مسؤول له شرعية التفاوض ويتحمل مسؤوليته على المائدة وبعدها!

وأنت تعرف مثلاً التفاوض يبدأ من حقائق الواقع وليس بالضرورة من مبادئ القانون، فإذا كان الواقع ماا رأينا ونرى جميعاً في يوجوسلافيا - فمن أين نبدأ؟

لم يكن في مقدور أحد في مثل تلك الظروف أن يتوصل إلى توصيف أو حتى تصور لحقائق الواقع·

لم تكن هناك حقائق قادرة على فرض نفسها، ولم يكن هناك واقع يفرض الاعتراف به على الآخرين"!

وفجأة وبتداع في الأفكار يمكن استنتاح سياقه قال "دافيد أوين":

"هل تعرف أنني عندما زدت معرفة بيوجوسلافيا زاد إعجابي بـ "تيتو"؟

إنني لم أقابله، ولكنك عرفته عن قرب، ولابد أنه كان شخصية ضخمة؟

واستطرد "أوين":

"نسيت أن أقول لك إنني قرأت حديثة الطويل معه في الـ "صنداي تيمس"·

كان ذلك - كما أظن - آخر حديث أجراه "تيتو" في حياته"·

وقلت لـ "دافيد أوين":

"صحيح· فهذا الحديث الذي أجريته مع ذلك الزعيم الأسطوري الذي جعل من يوجوسلافيا قوة مرموقة في عصره - نشر قبل وفاته بعدة شهور وأثار في وقته أصداء واسعة، وهو الآن - بنظرة سريعة على سطوره - يبدو كأنه نبوءة عرافة "أدلفى" التي تروى الأساطير اليونانية قصصاً شبه خرافية عن قدرتها على وصف المستقبل وكأنها تراه"!

2 - الماريشال الشيوعي الذي حاول منع الانفجار وعَطَل - على أمل!

كان ذلك الحديث مع "تيتو" - والذي جاء أشبه بنبوءة عرافة "أدلفى" منه بحديث صحفي - قد نشر في الـ "صنداي تيمس" (عدد 2 مارس 1980)، وقد رأى رئيس تحريرها في ذلك الوقت "هاري إيفانز" أن يخصص له الصفحة الأولى من الملحق الأسبوعي بكاملها·

وفي حقيقة الأمر فإن الفكرة أصلاً كانت من "هاري إيفانز" الذي تصور أن يكون هذا الحديث "كلمة تيتو الأخيرة" - وكنا نعرف جميعاً - كما يعرف العالم - أن الزعيم اليوجوسلافي الأسطوري مريض، ثم إنه مكتئب بعد انفصاله عن زوجته - حبيبته ورفيقة كفاحه - "جيوفانكا"!

وكان تقدير "هاري إيفانز" أنه لو طلبت الـ "صنداي تيمس" موعداً لأي من محرريها - فإنه من المشكوك فيه أن يستجيب "تيتو" - وكان رهان "إيفانز" أنه إذا كان الموعد لي فإن "تيتو" يحتمل أن يوافق على أساس معرفة قديمة بدأت أيام صداقته التاريخية مع "جمال عبدالناصر" وتواصلت من بعده· وكسب "إيفانز" رهانه، فقد قبل "تيتو" وإن كان عتابه قبل بداية أي كلام "إبداء استغرابه أن الـ "صنداي تيمس" هي التي طلبت الموعد وكان الأولى أن أكون طالبه"· وحاولت أن أشرح الاعتبارات المهنية التي تلتزمها الصحف العالمية في إجراء أحاديثها مع الصفوة من رؤساء الدول· وكان الرجل كريماً - على الأقل لأنه غير السياق وانتقل عائداً إلى ذكرياته عندما قابلته أو مرة في مطلع الخمسينات وحضرت معه احتفالاته واحتفالات مقاتليه القدامى بيوم معركة "سوتيسكا" عندما كسرت قواته حصار جيوش "هتلر" حولها في جبال كرواتيا، وأفلت هو ("تيتو") وأفلت رجاله من فخ ناري مؤكد، ثم عادوا للقتال من جديد·

لكن كلام الذكريات استنفد نفسه بسرعة وربما أن الرئيس "تيتو" أحس أن المستقبل هاجس الـ "الصنداي تيمس" في طلب المقابلة وهاجسي أيضاً - وهكذا عاد الحديث إلى مجراه المقصود متوجهاً إلى المستقبل· وفي الحقيقة، وكما يظهر لي الآن وصورة الحديث أمامي، فإن المستقبل عاد ليصبح هو التاريخ - مصداقاً لتقدير اللورد "دافيد أوين" بعد قرابة عشرين عاماً عن وفاة "تيتو"·

لسبب ما لا أذكره الآن كان "هاري إيفانز" رئيس تحرير  الـ "صنداي تيمس" هو الذي اختار عنوان الحديث مع "تيتو"، وأظن أن ذلك كان حقه ما دام قد اختاره موضوعاً يملأ الصفحة الأولى لجريدته بكاملها·

وكان العنوان الذي اختاره "هاري إيفانز" إلى جانب صورة كبيرة بعرض ثلاثة أعمدة وارتفاع ثلاثين سنتيمتراً لوجه "تيتو" - يقول: "أفكار المساء لبلبل محاصر"· وبدا لي العنوان غريباً، ولكنه كان استيحاء لعبارة وردت في الحديث استخدم فيها "تيتو" مثلاً شعبياً ذائعاً في يوجوسلافيا يقول: "إن غناء بلبل واحد ليس كافياً لاستدعاء الربيع"!

وكان العنوان شاعرياً، ولكن الحديث لم يكن كذلك·

ولعل لمسة الشاعرية الوحيدة في الحديث كانت اتصاله بالمكان الذي جرى فيه اللقاء، وهو جزيرة "فانجا"·

وكان "تيتو" دائماً - وخصوصاً في سنواته الأخيرة - يفضل أن يعيش بعيداً عن العاصمة بلجراد (أو "بيوجراد" أي: المدينة البيضاء) - مستقراً في جزيرة "بريوني"، وهي واحدة من أحلى الجزر عند الطرف الشمالي لساحل البحر الأدرياتيكي، والمنطقة كلها جميلة، وهي قلب الشاطئ الشهير المعروف باسم شاطئ "دالماسيا" وكان المصيف المفضل لكل قياضرة الإمبراطورية النمساوية الهنجارية، وكان مرتع الجمال والعز والأبهة حين تحب العروش وتعشق وحين ترقص التيجان وتغني·

ولكن "تيتو" وجد أن "بريوني" تزدحم يوماً بعد يوم سواء بوجوده فيها كعاصمة غير رسمية ليوجوسلافيا، أو بقربها من ميناء "وبلا" على الساحل اليوجوسلافي - وهكذا راح ينسحب بهدوء من "بريوني" إلى جزيرة صغيرة شبه ملاصة لها هي جزيرة "فانجا"، وقد حولها تيتو" إلى جنة من ورد وزهر، وبنى فيها بيتاً صغيراً· وكان أجمل ما في البيت كهف تقبع فيه معصرة عنب يشرف "تيتو" بنفسه على تحويل عصائرها إلى نبيذ يعتقه بالسنين، ويؤشر بخطه علامات على الزجاجات التي يملؤها من البراميل القديمة - وكانت علاماته على الزجاجات تمييزاً لمحصول سنوات بعينها يكون العنب فيها مهيأ بالمناخ لنبيذ متفوق في مذاقه وفي شعاعه·

وكان الجميل أن كهف معصرة النبيذ يصل إلى شرفة على الصخر مفتوحة على البحر ومحمية في بعض مواقعها من رياحه· وكان المنظر من الشرفة رائعاً بألوان الماء خصوصا وقت الغروب وحين تنسكب أضواء "بربوني" على الموج وتظهر أضواء "بولا" مرتعشة مع النسيم من بعيد!

وكان ذلك ما يخص الشاعرية من ذلك المساء، وأما باقي الحديث مع "تيتو" فقد كانت الظلال فيه طاغية على كل الأضواء، سواء من "بريوني" القريبة أم من "بولا" البعيدة!

ذلك المساء في شرفة بيته الداخلية على الصخر إلى البحر في جزيرة "فانجا" أحس الماريشال "تيتو" - على نحو ما - أنني أريد أن أسأل عن المستقبل بعده، وأظن أن المستقبل بعده كان يخيفه كإنسان وكسياسي، فقد كان "تيتو" يكره الموت، ولم يشارك قط في جنازة، ولذلك لم يحضر وداع أقرب الأصدقاء إليه في العالم: "جواهر لآل نهرو" في الهند - و"جمال عبدالناصر" في مصر·

وكان عذره ببساطة وصراحة أنه يتشاءم· وإضافة إلى الخوف الإنساني من المستقبل فإن الخوف السياسي على بلده من بعده كان يؤرقه، وقد حاول أن يتفاءل فيه - لكن التشاؤم غلب حتى وإن لم يقصد·

وفي حديثه ذلك المساء في جزيرة "فانجا" دخل الرئيس "تيتو" إلى صميم الموضوع فور أن سألته عن المستقبل في يوجوسلافيا (ولم أقل بعده، ولكنه فهمها ولم يعلق، ولم أتجاوز حتى لا أستثير تشاؤمه)·

قال "تيتو" وباللغة الإنجليزية التي بذل جهداً كبيراً في تعلمها وفي محاولة استعمالها في السنوات الأخيرة من عمره - قال متأنياً في عبارته كأنه يريد أن يحفر أساساً للكلمات حتى كون البناء المنطقي لما سوف يقول راسيا وراسخاً:

"أريد أولاً أن تعرف الحقائق السبعةالمهمة عن يوجوسلافيا، وهي أرقام متسلسلة ومتواصلة مع العدد رقماً بعد رقم·

الحقيقة رقم واحد - أن يوجوسلافيات دولة واحدة (الجمهورية الاتحادية اليوجوسلافية)·

الحقيقة رقم اثنين - أن يوجوسلافيا تستعمل أبجديتين: الأبجدية اللاتينية، والأبجدية الـ "سيريلية" Cyrillic (وهي أبجدية يونانية الأصل تنسب إلى الراهب "سيريل" الذي نشرها بين كل الشعوب السلافية)·

الحقيقة رقم ثلاثة - أن يوجوسلافيا تتحدث بثلاث لغات هي الصربية، والكرواتية، والسلوفينية·

والحقيقة رقم أربعة - أن يوجوسلافيا تعتنق أربعة أديان هي المسيحية الأرثوذكسية، والمسيحية الكاثوليكية، والإسلام واليهودية·

والحقيقة رقم خمسة - أن يوجوسلافيا موطن لخمس قوميات هي: القومية السلوفينية، والقومية الكرواتية، والقومية الصربية، والقومية المقدونية، وقومية مونت نجرو·

والحقيقة رقم ستة - أن يوجوسلافيا تضم ست جمهوريات في اتحادها هي: جمهورية الصرب، وجمهورية البوسنة والهرسك، وجمهورية كرواتيا، وجمهورية سلوفينيا، وجمهورية مقدونيا، وجمهورية مونت نجرو (الجبل الأسود)·

والحقيقة رقم سبعة أن يوجوسلافيا لها سبعة جيران دوليين هم: "إيطاليا، والنمسا، والمجر، ورومانيا، وبلغاريا، وألبانيا، واليونان"!

ويستطرد "تيتو":

"هذه الأرقام وهذه الحقائق الموازية لهذه الأرقام بالتسلسل - هي وصف يوجوسلافيا، وهي في نفس الوقت توصيف مشاكلها بما تمثله الأرقام منقولة من عالم الحساب إلى عالم السياسة"!

وابتسم "تيتو" وهو يقول:

"بعض الناس يقولون إنني أول يوجوسلافي في التاريخ"·

ثم تشحب ابتسامة "تيتو" حين يضيف:

"وبعض الناس يقولون إنني قد أكون آخر يوجوسلافي في التاريخ"·

ما قصده "تيتو" في هاتين العبارتين، وما لم نتوقف أمامه في حينه، هو أن يوجوسلافيا كيان صنع صنعاً بعد الحرب العالمية الأولى من خلاط إنسانية من العنصر السلافي هاجروا مبكراً في التاريخ (مابين القرن السادس والقرن الثامن إلى أقصى الجهوب، وفي الواقع فإن كلمة يوجوسلافيا تعني سلاف الجنوب، وقد توطنت هذه الأخلاط السلافية وسط الجبال شبه محاصرة عن قرب نهاية أوروبا وقرب بداية آسيا، ومن ثم أصبح الموطن الوجوسلافي منطقة احتكاكات تاريخية كبرى بين هجرات وأديان وثقافات وإمبراطوريات وقوى عظمى تحارب من أجل السيادة في البلقان أو في أوروبا أو في العالم·

وبالتحديد فقد كانت المنطقة التي قامت فيها مملكة يوجوسلافيا بعد مؤتمر "فرساي" وبقرار منه - بؤرة الاحتكاك والصدام بين الهجرات السالفية القادمة من سهول أوكرانيا، والهجرات المغولية القادمة من سهول الصين·

وكانت بؤرة الاحتكاك والصدام بين مسيحية روما (الكاثوليكية) ومسيحية بيزنطة (الأرثوذكسية)·

وكانت بؤرة الاحتكاك والصدام بين الإسلام وبين المسيحية -ـ في روما وبيزنطة كلتيهما·

وكانت بؤرة الاحتكاك والصدام بين الثقافات التي صنعتها الأجناس والأعراق والأديان والهويات·

وكانت بؤرة الاحتكاك والصدام بين الإمبراطوريات الروسية القيصرية (ملك آل "رومانوف" الأرثوذكس)، والإمبراطورية النمساوية المجرية (ملك آل "هابسبورج" الكاثوليكي)، والإمبراطورية العثمانية (خلافة آل "عثمان" الإسلامية)·

وكانت المنطقة - أخيراً بأحكام الصراعات بين هذه الإمبراطوريات المحيطة بها إلى درجة الحصار حتى الخنق - بؤرة جاذبة لاهتمام إمبراطوريات أخرى في غرب أوروبا تبدت لها مصالح في شرق القارة ووراءها (خصوصاً بالنسبة لإرث الخلافة العثمانية) - وهي الإمبراطورية البريطانية والامبراطورية الفرنسية·

(هكذا كانت يوجوسلافيا بلداً مصنوعاً على عجل بعد الحرب العالمية الأولى، ثم أعيدت صناعة مع تحسينات مضافة بعد الحرب العالمية الثانية، وكان السبب الرئيسي الذي يدعو إلى الأمل في دقة صناعة يوجوسلافيا هذه المرة الثانية - هو الدور البطولي الذي قام به "جوزيف بروز تيتو" نفسه في مقاومة السيطرة النازية على شرق أوروبا، ومن ثم في هزيمة "هتلر"·

وكان الأمل أن روح المقاومة بعث جديد قادر تحت قيادة بطل هذه المقاومة أن يؤكد وحدة سلاف الجنوب في موطنهم المزدحم، ثم تستطيع هذه الوحدة أن تستوعب الحقائق القديمة بكل حمولاتها المتناقضة، وأن تصون دولتها الجديدة من الانفراط)·

كان ذلك ما قصد إليه "تيتو" - في الغالب - وهو ينقل عن البعض خشيتهم من أن يكون هو نفسه أول يوجوسلافي في التاريخ، ثم أن يكون هو نفسه آخر يوجوسلافي في التاريخ، لأن البلد كما هو معروف بهذا الاسم - يوجوسلافيا - قد لا يعيش طويلاً بعده!

وطبقاً لنصوص الحديث مع "تيتو" للـ "صنداي تيمس" ذلك المساء في جزيرة "فانجا"، ووفقاً لسياقه، فإن الرئيس "تيتو" (وهو يومها في الثمانين من عمره) استطرد يقول:

"إنني فكرت كثيراً في مستقبل يوجوسلافيا (لم يقل "بعدي"، وإنما تحدث عن المستقبل في المطلق) - ولولا اهتمامي بالمستقبل ما كنت بقيت على رأس الدولة حتى الآن، وإنما كنت اعتزلت وجئت للحياة هنا طول الوقت (لم يقل "حتى آخر عمر"!)·

وواصل "تيتو" حديثه:

"فكرت في وقت من الأوقات أن أتخلى عن المسؤولية لرجل واحد، لكن الاختيار بدا لي صعباً، فقد كان علي أن أجد رجلاً يملك الحكمة ليقود البلد ويملك الجاذبية كي يقبله البلد·

أحياناً وجدت رجلاً لديه الحكمة دون الجاذبية، وأحياناً وجدت الجاذبية ولكن دون حكمة·

وأخيراً توصلت - وعلى أساس مبدأ القيادة الجماعية - إلى فكرة إنشاء مجلس للرئاسة يمثل كل الجمهوريات، ويتناوب أعضاؤه على الموقع الأول دورياً بانتظام·

(وبأثر رجعي فإن تلك الفكرة أضافت إلى المشكلة بأكثر مما ساعدت على حلها، فوجود مجلس للرئاسة يضم ممثلاً لكل واحد من الجمهوريات - كرس الإحساس بالاختلاف، ثم بالتمايز، ثم بالتفرد، ثم بالانفصال)·

وطبقاً لنصوص الحديث في الـ "صنداي تيمس" فإنني قلت لـ "تيتو": "إن دوره الشخصي أعطى يوجوسلافيا مكانة غير عادية"·

وهنا رد "تيتو": "عندنا مثل يوجوسلافي شهير يقول "إن غناء بلبل واحد ليس كافياً لاستدعاء الربيع"!

ثم أضاف "تيتو":

"هناك أسباب موضوعية أيضاً لدور يوجوسلافيا وإمكانية استمراره:

1 - إن صورتنا أمام العالم طبية، وسجلنا موضع احترام، فنحن قاومنا النازي في حرب شرسة فقدنا فيها %11 من سكان يوجوسلافيا، ولم نقاوم فقط وإنما عطلنا من الجيش الألماني عشرين فرقة كان يمكن أن تشارك في صد نزول جيوش الحلفاء على شواطئ أوروبا لتحريرها·

2 - إن يوجوسلافيا اتخذت موقفاً مستقلاً أمام "ستالين"· والحقيقة أن خلافنا مع "ستالين" بدأ من أيام الحرب العالمية الثانية، فهو لم يفهم أننا نريد أن نظل شيوعيين وأن نكون مستقلين في نفس الوقت، لأن اعتقادنا في الماركسية شيء، وقبولنا سيطرة الاتحاد السوفيتي شيء آخر·

3 - إننا رغم الحصار الذي فرضه علينا "ستالين"، وبرغم المقاطعة التي التفت حولنا من الجوار المحيط بنا - استطعنا بجد أن نبني قاعدة إنتاجية متقدمة·

4 - إننا مع مصر ومع الهند أنشأنا جبهة للدول غير المنحازة وفرت حماية لا يستهان بها لقوى التحرر في العالم"·

وطبقاً لنص الحديث في الـ "صنداي تيمس" فإن "تيتو" انتقل إلى الكلام عن الغرب، وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية·

كنت سألته عما إذا كانت هناك "أغاني بلابل" كثيرة تنتظر مستقبل يوجوسلافيا؟

وضحك وقال:

"عندما كلمتك عن غناء بلبل واحد لم أكن أريد أن أقلل من دوري، فأنا أعرفه، وليس عندي شك في أن جهد كان نافعاً ليوجوسلافيا· وأنا أقدر أن بعض الناس في المستقبل سوف يقولون إننا لم نفتح الأبواب للديمقراطية بشكل واسع، ولكن دعني أؤكد لك أن الحفاظ على وحدة يوجوسلافيا هو الاعتبار الأول الذي أخذته في حسابي"·

يوجوسلافيا منقسمة بين الشرق والغرب، بالمعنى الحضاري والتاريخي والسياسي· في يوم من الأيام كما تذكر اتفق الحلفاء في مؤتمر "يالطا" على تقسيم النفوذ في أوروبا بعد هزيمة ألمانيا: طبقاً للتقسيم كان بلد مثل المجر %60 من النفوذ للغرب و%40 للشرق، والعكس كان في اليونان %60 للشرق و%40 للغرب· وعندما جاء الدور علينا اتفقوا على نسبة أكثر عدلاً (قالها "تيتو" وضحك) %50 للشرق و%50 للغرب، ومن المدهش أن "تشرشل" عندما قابلته في "تريستا" بعد انتهاء الحرب حاول إقناعي بهذه المعادلة الغريبة"·

واستطرد "تيتو" طبقاً لنص حديثه في الـ "صنداي تيمس":

"أريد أن أقلل مما أقوله، وأريد أن أزيد فيما أسمعه، فلست أتمنى أن أجد نفسي بعد تجربة طويلة سجيناً لأفكاري القديمة·

أتصور - عاد يؤكدها مرة أخرى - أتصور أن يوجوسلافيا لن تكون في خطر شديد لأن الولايات المتحدة لن تسمح للاتحاد السوفيتي أن يتجاوز حدوده معنا، ثم إن الاتحاد السوفيتي لن يسمح للولايات المتحدة أن تتجاوز حدودها معنا، وهناك أولاً وقبل كل شيء استعدادنا للدفاع عن أنفسنا·

الاتحاد السوفيتي في وقت من الأوقات كان يراهن على الجيش اليوجوسلافي تصور أن تسليحنا وهو سوفيتي بالدرجة الأولى يعطي لموسكو مدخلاً إلى الجيش، وقد ثبت لهم أن ذلك تقدير خاطئ·

الولايات المتحدة كانت - وربما مازالت - تتصور أنها تستطيع أن تراهن على شبابنا، وبالتأكيد فإن شبابنا معجب بالتجربة الأمريكية وبطريقة الحياة في أمريكا - لكن هناك هوية سلافية·

أظن أن يوجوسلافيا سوف تحتفظ باستقلالها، وسوف تحتفظ بوحدتها"·

(طبقاً لمذكراتي عن وقائع الحديث مع "تيتو" وهي بعض ما لم أنشره وقتها في حديث الـ "صنداي تيمس"، فإن "تيتو" أبدى تخوفه من مشكلة التفاوت المادي بين الجمهوريات· كان رأيه أن "سلوفينيا" مشكلة لأنها الأغنى ("سلوفينيا" هي الأقرب إلى حوض الحاضرة والنفوذ الألماني)·

وكان تخوفه الثاني على "كرواتيا" (هي الأخرى معرضة لتأثيرات نمساوية ألمانية)·

"وغنى بعض الجمهوريات داخل أي اتحاد فيدرالي يغري الأغنياء بأن ينفضوا عن أنفسهم هو الفقراء (مثل "مونت نجرو") - ومن ثم يبحث الأغنياء عن مستقبل آخر لأنفسهم مع غيرهم من الأغنياء")·

ومن المفارقات أن ذلك ما حدث فعلاً·

(فقد بدأت الأزمة سنة 1991 لم يشعر أحد إلا و"سلوفينيا" تنسل خارجة من الاتحاد اليوجوسلافي·

وفي أثرها تسللت "كرواتيا"·

والملفت أن ألمانيا (وكان "تيتو" في حديثه معي كان صدى صوت مبكراً لعرافة أدلفى) بادرت وخرجت على اتفاق المجموعة الأوروبية وإحماعها - إلى الاعتراف منفردة وفوراً باستقلال "سلوفينيا" وبعدها باستقلال "كرواتيا")·

لم يكن في مقدور "تيتو" ونحن نتحدث للـ "صنداي تيمس" سنة 1980 - أن يتصور ما يحدث للاتحاد السوفيتي وتهاوت وحدته وربما ضاع استقلاله·

ونفس الشيء حدث ليوجوسلافيا وبطريقة أكثر دموية ومأسوية، فقد عاد إلى ذلك الانفلاق الحضاري والديني والعنصري والطائفي وهج الهار المكبوتة التي كانت نائمة أو كامنة تحت الرماد·

بل إن مجرى هذا الانفلاق البركاني عادت إليه الحمم نيراناً ذائبة تهدر في مجراه التاريخي القديم التي يمثله نهر "درينا"، وهو النهر الذي لعب دور الخط الفارق بين الشرق والغرب في حياة السلاف الجنوبيين:

كان نهر "درينا" هو الحد الذي وصلت إليه القبائل السلافية شرقاً، وتوقفت عنده القبائل والجحافل الرومانية والجرمانية غرباً·

وكان نهر "درينا" هو الحد الذي وصلت إليه المسيحية الأرثوذكسية المنشقة عن كنيسة روما، وتوقفت عنده الألوية الرسولية التي تحمل بيارق بابا روما·

وكان نهر "دينا" هو الحد الذي وصل إليه الزحف العثماني يبشر بالخلافة الإسلامية وتوقفت عنده الجيوش النمساوية المجرية وريثة الإمبراطورية المقدسة التي آلت لأسرة "هابسبورج"·

(لم يكن نهر "درينا" مجرد "فلق بيولوجي بين الجبال سالت إليه مياه التلوث الذائبة عند القمم، وإنما كان الـ "الفلق" أوسع وأعمق وأخطر عشرات المرات من مجرد نهر)·

3 - الفن الذي وصَوّر إلى جوهر الصراع وصر خباياه

كان الجزء الأول من هذا المقال حديثاً طويلاً وحواراً مع اللورد "دافيد أوين"، السياسي البريطاني اللامع الذي عهدت إليه أوروبا بمحاولة البحث عن سبيل لعلاج الأزمة في يوجوسلافيا (السابق) - وقد وصل "أوين" - ومعه زميله "يروس فانس" (وزير الخارجية الأمريكية الأسبق) - في نهاية المطاف إلى نتيحة مؤداها أن التوصل إلى "تسوية عادلة" لأزمات يوجوسلافيا هو المستحيل ذاته، وأن الممكن - ولعله المطلوب أيضاً كحد أدنى - هو التوص إلى تسوية - وفقط·

وكان الجزء الثاني من هذا المقال حديثاً طويلا وحواراً مع زعيم يوجوسلافيا الأسطوري الماريشال "جوزيف بروز تيتو" - وقد وصل "تيتو" في هذا الحديث إلى نقطة علق فيها رجاءه للمستقبل على "الأمل" في أنه "لعل وعسى تستطيع يوجوسلافيا في ظروف تماسكها الراهن كدولة اتحادية، وفي ظرف نوازن دقيق بين العقائد والقوى المتصارعة أن تجد ملجأ لنفسها ونجاة"· إن "تيتو" لم يقل ذلك صراحة في حديثه - لكن الرجاء والدعاء، كلاهما كان يشيع في العبارات والكلمات· بل لعل لصلوات كانت مسموعة أيضاً ولو بالهمس طوال ذلك الحوار في جزيرة "فانجا"، وربما لو أن "تيتو" لم يكن شيوعياً لكانت تراتيل الصلوات أعلى من وشوشات الهمس·

"عندما أريد أن أبحث عن الحقائق الأولى في حياة أي بلد، وعن القواعد السياسية القادرة على تفسير توجهاته - فإنني لا أعتمد كتب التاريخ الموثقة ولا المذكرات السياسية الضافية - وإنما أتوجه مباشرة إلى الأدب أسمع من الشاعر والقاص والروائي أولاً - وبعد ذلك يجيء الدور على المؤرخ والسياسي والدبلوماسي"!

كان صاحب هذه المقولة - وأحسبها صادقة وصافية - هو سفير الجمهورية العربية المتحدة (دولة الوحدة التي جمعت مصر وسوريا ما بين 1961 - 1958) - الدكتور "ثابت العريس"·

(كان "ثابت العريس" في الأصل أستاذاً في جامعة دمشق ثم انتقل إلى العمل الدبلوماسي - وكان هو وزوجته السيدة "ليديا" - من النماذج المشرفة في تمثيل دولة الوحدة، وكان من حسن الحظ أن يكون الاثنان ممثلين لهذه الدولة في يوجوسلافيا إبان تلك الفترة الهائلة من التطور العالمي (عصر "كنيدي"، و"ديجول"، والبابا "يوحنا" الثالث والعشرين، و"خروشوف"، و"تيتو"، و"نهرو"، و"عبدالناصر، و"ماوتسي تونج"، و"برتراند راسل"، و"جان بول سارتر"، وعشرات غيرهم من الساسة والمفكرين والفلاسفة والعلماء والأدباء - ظهروا في ذلك العصر الذي أسماه الصحفي الشهير "ساي سالزبرجر" - عصر آخر العمالقة·

(كان رأى "ثابت العريس" أنه عندما يكتب المؤرخ والسياسي والدبلوماسي فإنه مضطر بطبائع الأشياء إلى أن يظل دائماً وراء الظاهر، المرئي، والمتحرك - وأما حينما يكتب الشاعر والقاص والروائي - فإنه يغوص إلى الأعماق ويجوس هناك حول الكوامن التي يمكن أن نسميها "روح الأمم"، وينفذ إلى الخلايا التي تحتفظ وحدها بـ "سر الحياة" في عمر وطول بقائها·

كان الدكتور "ثابت العريس" قد رآني مهتماً بالشأن اليوجوسلافي، وقد لاحظ أنني أبحث عن الوثائق الأساسية للدولة وبينها الدستور، وقال لي ما مؤاده "إن ذلك كله - بما فيه الدستور -ـ لن تجعلني أفهم "يوجوسلافيا" أكثر، وإنما هو ينصحني إذا طلبت الفهم أن أبحث عنه في الأدب"· ثم أضاف الدكتور "العريس" إلى ذلك اقتراحه بأن أقرأ قصة "جسر على نهر أدرينا" التي كتبها "ريفو أندريتش" (واستحق عليها جائزة "نوبل" للآداب فيما بعد سنة 1961)·

(كان "إيفو اندريتش" قد اعتقل عندما دخلت الجيوش الألمانية واحتلت يوجوسلافيا سنة 1941، وخرج من السجن ومعه مخطوطة قصة "جسر على نهر ادرينا" ولكنها لم تترجم من اللغة الصربية - الكرواتية إلى إحدى اللغات العالمية الكبرى إلا في أوائل الخمسينات حين ظهرت لها في باريس طبعة فرنسية ما لبثت أن لحقتها طبعات أخرى بالإنجليزية والإيطالية والألمانية - وكان الدكتور "ثابت العريس" نفسه، وأثناء عمله سفيراً للجمهورية العربية المتحدة في بلجراد، مشغولاً بترجمة عربية - عن الفرنسية - للقصة التي اعتبرها "يوجوسلافيا"، أحوالها، سياساتها، بدائل مستقبلها المحتلة غداً وبعد غد)·

* الكتب وجهات نظرالعدد السادس يوليو 1999

طباعة