رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 8-14 ربيع الآخر 1420هـ - 21 - 27 يوليو 1999
العدد 1386

الشاعر الذي اكتشف عبوديته فقرر الانتقام لطفولته المضطهدة وبراءته النزيفة وعمره المقهور

·         الشنفرى ··· فروسية نادرة في مواجهة قسوة الصحراء وسطوة القبيلة

·         دعا إلى التمرد والرفض والعصيان والهجرة في الأرض الواسعة بحثاً عن الكرامة والعزة

·         قصيدته الشهيرة "لامية العرب" من أروع قصائد النضال والقيم الأخلاقية العالية للصعاليك الفقراء

·         كشفت قصائده عن صورة جميلة شفافة للمرأة العربية الشريفة الأمينة على ذاتها وبيتها وزوجها

 

رؤيا كتبها علي عبد الفتاح:

شاعر من صعاليك العصر الجاهلي ينتمي إلى قبيلة اسمها: الأزد واسمه الحقيقي ثابت بن أوس الأزدي وقد لقب بالشنفرى ولم يعرف عن نشأته سوى أن أمه كانت سبية· وقد أسرته قبيلة بنو شبابة عندما كان طفلا وعاش بينهم حتى أسرت بنو سلامان رجلا من فهم ففدته بنو شبابة بالشنفرى· وعاش الشنفري بين بني سلامان دون أن يدري بقصة حياته·

واعتقد الشنفرى أنه حقا من بني سلامان ولا سيما بعد أن اتخذه السلامي ولدا وأغدق عليه بالعطف والحب ولكن حدث ذات مرة أن قال الشنفرى لابنة السلامي الذي يعتقد أنها أخته:

-اغسلي رأسي يا أختاه·

فأنكرت الفتاة أن يكون أخاها ولطمته على وجهه فذهب غاضبا يشكو حتى أتى الذي اشتراه من قبيلة فهم فقال له الشنفرى:

-أصدقني القول ··من أنا؟

فقال الرجل:

-أنت ثابت بن أوس الأزدي·

فغضب الشنفرى وقال:

-أما إني لن أدعكم حتى أقتل منكم مئة بما استعبدتموني

وثار الشنفرى على هذه القبيلة التي أسرته واغتالت طفولته اليتيمة، وبراءته النزيهة وعمره المضطهد المقهور، وكلما تحسس اللطمة على وجهه اجتاحته موجات الغضب ونزيف الحزن وتمرد على القيم والتقاليد، وأعلن رفضه لهذه القبيلة ونظامها القائم على السلب والأسر وسفك الدماء·

وفي هذا الموقف قال قصيدته المشهورة باسم "لامية العرب" التي تميزت بخصائص الشنفرى في الصعلكة والفروسية والبطولة النفسية، وتفرده بالصعلكة وصبره على الشدائد وتصويره أساليب الغزو وأنواع الأسلحة في صور فنية كشفت عن إحساس كبير بأدق أسرار اللغة وايحاءات الألفاظ وصياغة الأجواء النفسية الحادة·

ويبدأ قصيدته قائلا:

أقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل

فقد حمت الحاجات والليل مقمر

وشدت لطيات مطايا وأرحل

وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى

وفيها لمن خاف القلى متعزل

لعمرك ما بالأرض ضيق على امرىء

سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل ولي دونكم أهلون سيد عملس وأرقط زهلول وعرفاء جيأل

هم الأهل لا مستودع السر ذائع لديهم ولا الجاني بما جر يخذل

وفي هذه القصيدة الجميلة طرح الشنفرى فكرة الرحيل عن قومه وأكد أن نفسه قد تهيأت لهذا الرحيل في ليلة مقمرة أعدت لها المطايا والرحال· وبالطبع رحيل الشاعر هنا صدمة للقبيلة لأنه يرفض تعاليمها ويقف ضد نظامها ويترك كل الأشياء خلفه ويمضي من دون أن يهتم·

ثم يقول هذا النص الشهير الذي يقترن بحكمة الاغتراب باحثاً عن ذاته وحريته ومنفرداً بجرأته وعزة نفسه ومغامرا في البلاد الفسيحة التي قد يجد الكريم فيها مكانه هربا من الكراهية وعزلة بعيدا عن الحقد والاحتقار والعبودية·

فالشاعر يستشعر الفجيعة في قلبه والمرارة في أعماق ذاته حين اكتشف أنه لا ينتمي إلى هذه القبيلة التي أسرته وهو طفل وحرمته من أهله والمنزلة الاجتماعية الكريمة ولذلك فالعالم ما زال مساحات شاسعة لمن يرغب في الرحيل أو سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل ذلك·

ويتضح مدى موقف الشاعر الذي توحدت فكرته مع إرادته وأخلاقه الأبية التي ترفض أن يكون من فئة المخدوعين الذين يرتضون المنزلة المتدنية والمستعبدة ويوجه صفعة قوية لأهله وقبيلته حيت يختار الانتماء إلى الحيوانات ومصاحبة الوحوش في الصحراء، ويعتبر أن رفقة الوحوش لا تخذل صاحبها، فالوحوش لا تعرف النفاق أو الطعن أو النميمة أو الاستعباد·

وكان الشنفرى قد بدأ في تحقيق قسمه بقتل مئة من القبيلة التي استعبدته، فكمن في الصحراء  يترصد الواحد منهم حتى يمر أمامه فيصوب سهمه ويقتله حتى استطاع أن يقتل تسعة وتسعين رجلا· وتربص به أعداؤه، ذات مرة، وقتلوه واجتزوا رأسه وطرحوه إهانة له، ثم يمر رجل منهم بجمجمة الشنفرى فيضربها فتعقره فيموت وتتم به المئة الذين أقسم الشنفرى بهم· وقد قال حين هجم عليه أعداؤه للفتك به:

ولا تقبروني إن قبري محرم

عليكم ولكن أبشري أم عامر

إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري

وغودر عند الملتقى ثم سائري

هنالك لا أرجو حياة تسرني

سجين الليالي مبسلا بالجرائر

ووصف الشنفرى في شعره كثيرا من تلك المعارك التي خاضها مع زملائه الصعاليك وأعلن أنه حر وأن أمه من الأحرار وليست عبدة أو من الإماء، ووصف أيضا صبره على الشدائد وشجاعته ومقاومته لتعاليم القبيلة ورفضه الانصياع لها والتمرد عليها·

ومن قصائده التي يصف فيها صبره على الجوع وعزة نفسه يقول:

أديم مطال الجوع حتى أميته

وأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل

وأستف ترب الأرض كي لا يرى له

عليّ من الطول امرؤ متطول

وموقفه من المرأة يتسم بالعفة والشرف والقيم الأخلاقية الكريمة فقد كشفت قصائده عن صورة راقية وجميلة للمرأة العربية التي ترعى حقوق زوجها في غيابه وهي إن مشت ففي حياء وتتميز بالكرم لما تقدمه لجاراتها من طعام وتتجنب دائما الندم واللوم ويقول:

لقد أعجبتني لا سقوطاً قناعها

إذا ما مشت ولا بذات تلفت

تبيت بعيد النوم تهدي غبوقها

لجارتها إذا الهدية قلت

تحل بمنجاة من اللوم بيتها

إذا ما بيوت بالمذمة حلت

أميمة لا يخزي نثاها حليلها

إذا ذكر النسوان عفت وجلت

إذا هو أمسى آب قرة عينه

مآب السعيد لم يسل أين ظلت

فدقت وجلت واسبكرت وأكملت

فلو جن إنسان من الحسن جنت

هذا هو الشنفرى صورة صادقة لملامح عصره من خلال براعة في الصياغة عالية بالفخر بالذات الإنسانية وتفوقها على الهزيمة والانكسار وشجاعة نادرة وطموح لمثل أرقى في الفروسية والنبالة والبطولة الفردية·

طباعة  

أفق
 
الهم السابع
 
إصدارات
 
أخبار ثقافية
 
القصة القصيرة في قطر والأدب المقارن في "عالم الفكر"
 
من يوقف هذا النزيف الذي يفرغ جسد الثقافة العربية من عناصره الحية؟
ثقافة المنفى إدانة صارخة للنظام السياسي العربي

 
قراءة في نصوص قصيرة مختارة لأحمد النبهان
 
قصيدة
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس