كتب محرر الشؤون الخارجية:
ماذا حققت زيارة ايهود باراك لواشنطن؟ وما الذي أسفرت عنه هذه الزيارة من نتائج لمصلحة عملية السلام؟ وهل يعتبر باراك فعلاً (حتى الآن) خليفة لاسحق رابين ونهجه؟
منذ انتخاب باراك في 17 مايو، طغى التفاؤل على مستقبل عملية السلام ومازال· فهو ملتزم، رسمياً بسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان في غضون سنة، وبتطبيق قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338·
وحتى تتضح الأمور يمكن إيراد جملة من المواقف التي تبرر التفاؤل· أما العناصر التي تقتضي الواقعية فتأتي بعدها· وحتى الآن لدينا (فضلاً عن التزام باراك المذكور آنفاً) ما يلي:
1 - إسرائيل بدأت تحضر نفسها (روحياً) لانسحاب من مرتفعات الجولان، ولتنفيذ بقية اتفاق واي ريفر مع الفلسطينيين·
2 - باراك أعلن تصميمه على استكمال عملية السلام في غضون 15 شهرا حتى يبرم الاتفاقات النهائية في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون· وهو إذا اعتبر هذه المدة (في مؤتمره الصحافي مع كلينتون أمس الأول) فترة مرغوباً فيها لا قدراً محتوماً، فقد أكد في المقابل أنه لا يرغب في أن تجرّ عملية السلام نفسها لثلاث سنوات أخرى·
3 - في المقابل، وردت أنباء من دمشق ( نفتها هذه الأخيرة) مفادها أن سوريا طلبت من الفصائل الفلسطينية المعارضة المقيمة عندها التوقف عن العمل المسلح وتكوين أحزاب سياسية·
وإذا صح ذلك، تكون سوريا راغبة في تلبية رغبة إسرائيلية أمريكية، وفي رفع اسمها عن القائمة الأمريكية للدول المتهمة برعاية الإرهاب·
4 - قبل ذلك أوردت الصحافة العربية ترحيباً سورياً في أعلى المستويات بقدوم عهد باراك، تلته جملة تصريحات متفائلة بمستقبل السلام، منها واحد لوزير الخارجية فاروق الشرع· فالشرع اعتبر أن مدة السنة التي أعطتها مادلين أولبرايت لاستكمال عملية السلام هي أكثر من كافية· وقال أنه نظراً لحسم ما يراوح بين 70 و80 في المئة من القضايا على المسار السوري، تكفي بضعة أسابيع فحسب لاستكمال المفاوضات إذا كان باراك صادقاً في نواياه·
5 - عقب توليه مهامه رسمياً حرص باراك على زيارة مصر فالتقى الرئيس حسني مبارك· وبعد ذلك بيومين اجتمع بياسر عرفات· وبعد يومين (الثلاثاء من الأسبوع الماضي) التقى العاهل الأردني الملك عبدالله· وبعد إرضاء واشنطن بهذه اللقاءات، طار إليها حيث كان ينتظره كلينتون "بلهفة طفل ينتظر لعبة جديدة"·
لكن التفاؤل مازال عاماً· فليس هناك اقتراحات مفصلة معلنة من باراك· وهذا ما تقتضيه الواقعية وأخذ العناصر التالية غيرالمطمئنة بعين الاعتبار:
1 - الزيارة الإسرائيلية لواشنطن كانت نتيجتها الفورية إعادة الحرارة إلى العلاقات بين الولايات المتحدة والدولة العبرية· وهذا نجاح كبير لباراك الذي استعاد وداً أمريكياً خسره بنيامين نتانياهو· أما السلطة الفلسطينية التي تمتعت بـ "شهر عسل" طويل مع واشنطن فاكتفت بالترقب الحذر الآن·
2 - في هذه الزيارة لم يكشف باراك أي عناصر من برنامجه التفاوضي، بل بقي حريصاً علي الخوض في العموميات، مركزاً على تنازلات متبادلة·
3 - الزيارة كانت مصحوبة برفض إسرائيلي قاطع للتخلي عن القدس الشرقية وعن عودة اللاجئين إلى أراض تتبع الدولة العبرية الآن وبرفض معلن للعودة إلى حدود الرابع من يونيو من عام 1967 وبالتمسك باجزاء غير محددة من الضفة الغربية·
4 - حسب صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية أكد باراك أنه لن يحدد تنازلاته لسوريا إلا حين يعرف مقدار تنازلاتها في القضايا التالية: لبنان، الإرهاب، قضية المياه، فتح السفارتين والحدود، والترتيبات الأمنية، محطتا الإنذار المبكر (لدى كل من الطرفين) وبعض التعاون الاقتصادي·
5 - كان لافتاً في تشكيل الحكومة الإسرائيلية استبعاد يوسي بيلين (الذي شارك في صوغ اتفاقات أوسلو عام 1993) عن وزارة الخارجية· وكان لافتاً أيضاً في زيارته واشنطن أن باراك لم يصطحب أي وزير، إنما اكتفى بالطاقم الاستشاري المكون من جنرالات مثله، وبينهم الرئيس السابق لـ "الموساد" داني ياتوم والرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية أوري ساغي الذي يقال أنه مكلف التفاوض على المسارين (السوري واللبناني)·
6 - وهناك فرق كبير بين نهج رابين ونهج باراك· فالأول حرص برغم خلفيته العسكرية، على ضم مناصرين أقوياء لعملية السلام إلى طاقمه التفاوضي، وأبرزهم بيلين· وكان طاقمه سياسياً - عسكرياً· وفي عهد خليفته شيمون بيريس، كان الطاقم سياسياً خالصاً· أما في عهد باراك فقد صار الطاقم المفاوض عسكرياً خالصاً فرئيس الوزراء سيتولى شخصياً إدارة دفة المفاوضات باعتراف وزير الخارجية ديفيد ليفي·
7 - استطاع باراك انتزاع تنازل أمريكي عن تأدية (واشنطن) دوراً حاسماً في المفاوضات، وإعادة دور (المسهّل) إليها، باعتبار أن اشتداد الدور الأمريكي كان عائداً إلى الجمود الذي أحدثه نتانياهو وهو يبدو أنه أقنع واشنطن بأفكاره غير المعلنة· فالرئيس الأمريكي أكد أمس الأول أنه سيتصل هاتفياً بالرئيس السوري حافظ الأسد (حتى يضغط عليه حسب صحيفة "نيويورك تايمز" وليبلغه أن ثمة فرصة ذهبية ينبغي ألاّ يضيعها)·
8 - حسب الصحافة الأمريكية، قدمت واشنطن إلى باراك التزامات تشجعه على المضي (آمناً) في عملية السلام، منها تمويل بطارية ثالثة لصواريخ "أرو" (السهم) المضادة للصواريخ·
في الميزان، ترجح كفة معاودة المفاوضات في وقت قريب على جميع المسارات، لاسيما أن أولبرايت تزور المنطقة في أوائل الشهر المقبل حتى تعرض الأفكار الإسرائيلية ـــ الأمريكية· وهي ستجد في البلدان العربية مناخاً مواتياً·
وعندئذٍ تظهر ملامح المفاوضات المقبلة· بانتظار ذلك، ينبغي التنبه إلى بعض المخاطر الجديدة - القديمة· فباراك أكد في وقت سابق رغبته في إبرام اتفاقات على جميع المسارات في وقت واحد· لكن ذلك لا يمنع جنوحه نحو اللعب على المسارات، على نحو ما فعل رابين تماماً· وفي ذلك قد يستفيد من سوابق منظمة التحرير· فسوريا لن تقبل التوقيع (حتى لو حققت كل مطالبها) ما لم يبلغ المسار الفلسطيني غايته المنشودة· أما السلطة الفلسطينية فغير موثوق فيها· وعملية أوسلو شاهد على ذلك·
وهناك قضية الإنسحاب من لبنان· فإذا أنهى باراك التورط الإسرائيلي في الشريط المحتل، يكون قد نجح عملياً (لا نظرياً) في فصل المسارين السوري واللبناني· وإذا فعل ذلك قبل إبرام اتفاق مع سوريا، لفتح الباب أمام تطورات غير معروفة النتائج·
وهناك التطبيع: فمصر تقف إلى جانب سوريا وقوفاً كاملاً في ما يخص استعادة الأراضي المحتلة، لكنها قد لا تستطيع الوقوف معها في ما يخص الترتيبات الأمنية، ولا تستطيع الوقوف معها أبداً إذا رفضت دمشق تبادل التمثيل الدبلوماسي مع تل أبيب·
وهناك التوازن الاستراتيجي والوضع الساسي - الاقتصادي· فإذا كانت عملية السلام تقترب من استعادة زخمها، وذلك يحصل في وضع خارجي - داخلي غير مؤات لسوريا لا اقتصادياً ولا عسكرياً· فزيارة الأسد لموسكو لم تسفر عن نتائج (في ما يخص التسلح) على قدر الأماني· في حين أن الدولة العبرية استطاعت إلى حد كبير الانتقال إلى اقتصاد السوق من دون خسائر كبيرة، وضمنت الدعم الأمريكي في ما يخص العواقب الأمنية للتنازلات في الأراضي·
هذه هي الظروف الملموسة التي تسبق استئناف عملية السلام، لتحدد الكثير من ملامحها غير المعروفة·