كتب محرر الشؤون الخارجية:
ماذا يجري في إيران؟ وهل الأحداث الجارية هي مجرد ردة فعل على إغلاق صحيفة أم جزء من اتجاه جديد في الحياة السياسية بدأ منذ سنتين؟ وإلى أين ينتهي الصراع بين منطقي "الثورة" و"الدولة"؟
ثمة مظاهر كثيرة غير مسبوقة مهمة في الانتفاضة الطلابية تسوغ التساؤل عن المستقبل· فهذه الانتفاضة هي الأكبر من نوعها منذ الثورة الإسلامية· ومرشد الثورة علي خامنئي تعرض لانتقادات هي الأولى من نوعها· والانتفاضة لم تنحصر في طهران إنما امتدت الى مدن كبيرة مثل تبريز وخرماباد وحمدان وشاهرود ورشت، وفيها سقط قتلى وجرحى· والانقسام بين معسكري المحافظين والإصلاحيين الذي احتد إعلاميا وانتخابيا تجسد الآن في الشارع بمعارك استخدم فيها الرصاص والعصي والحجارة·
السبب المباشر هو إغلاق صحيفة "سلام" المؤيدة للرئيس محمد خاتمي· لكن الأسباب العميقة هي الأهم· فمعسكر الإصلاحيين المؤيد للرئيس تشتد نقمته على نظام ليس له فيه غير حصة لا تناسب حجمه الكبير· فالرئيس نال نحو 70 في المئة من الأصوات في انتخابات 1997· لكن أجهزة الأمن تبقى تحت سيطرة المحافظين ومثلها جهاز القضاء (الذي أغلق الصحيفة وقضى بمحاكمة رئيس تحريرها) والبرلمان·
هذه الأحداث كانت مسبوقة بحوادث بقيت حقائقها غامضة· فقبل فترة تبادل الطرفان الإصلاحي والمحافظ الاتهامات بالمسؤولية عن اغتيال مفكرين ومعارضين· ثم لقي أحد المسؤولين الكبار في أجهزة الاستخبارات حتفه في السجن بصورة غامضة بعدما كان متهما بالضلوع في الاغتيالات· ثم جاء اعتقال 13 يهوديا إيرانيا بتهمة التجسس لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل· وأيا كانت الحقيقة في هذه الاتهامات، وجدت إيران نفسها (لا سيما الرئيس) محرجة أمام العالم الغربي·
المعسكران الإصلاحي والمحافظ ناقمان على الوضع الحالي، فالأول ضاق ذرعا بسيطرة الثاني (غير المكافئة لحجمه الشعبي) على أجهزة الدولة· والثاني لم "يهضم" هزيمته الانتخابية قبل سنتين وتراجعت شعبيته باطراد· والأول ازدادت نقمته من تباطؤ إصلاحات الرئيس، والثاني يخشى، إذا اتخذت الأوضاع صورة التغيير السياسي الأبرز قبل سنتين، أن يفقد شرعيته الدينية وألا يربح الشرعية الانتخابية· فمجلس الشورى الحالي (النواب) ينتهي في الربيع المقبل والمزاج الشعبي لا يميل لمصلحة المحافظين·
معسكر "الثورة" أدرك خطورة الوضع ومثله معسكر "الدولة"· فمرشد الثورة أعلن أن الأحداث آلمت فؤاده فصدرت قرارات (تنازلية) بإقالة بعض المسؤولين عن اقتحام جامعة طهران· ومعسكر "الدولة" (وحكم القانون) خاف من استشراء المجابهات وخروجها على السيطرة فدعا الى التهدئة بلسان الرئيس الإيراني· ففي ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، وازدياد الانفاق على التسلح "الثقيل" وغياب الفرص المجزية أمام القطاعات الشعبية، يخشى من أن تطغى الصبغة الدموية على صراع غير متكافئ شعبيا بالنسبة الى المحافظين، وغير متكافئ أمنيا بالنسبة الى الإصلاحيين·
هذا الخوف هو سبب إصدار حاكم طهران قرارا بمنع التظاهرات بعد خمسة أيام من الاضطرابات· فما حصل كان خطيرا، والشعارات المرفوعة كانت قاسية· فقوى الأمن مدعومة بالميليشيات الإسلامية التي اقتحمت ليلة الجمعة مساكن الطلبة واشتبكت معهم· والطلاب ناشدوا مرشد الثورة (باعتباره وصيا على المتشددين) لجم "أنصار حزب الله" والتخلي عن مسؤوليته عن أجهزة الأمن للوزراء المختصين· وقالوا له ما مفاده إن "جماعتك تهاجمنا" ثم عبروا عن خيبة وغضب من الرئيس عندما قالوا له ما مفاده أن جماعته (الطلابية) تتعرض للقتل·
وحتى الآن توحي المبادرات القيادية لاسيما من المجلس الأعلى للأمن القومي (وخامنئي وخاتمي عضوان فيه) بميل مشترك نحو التهدئة· فصحيفة "لوموند" الفرنسية نقلت عن مصدر قريب من الحركة الطلابية أن الحكومة ستشكل لجنة عليا للنظر في مطالب الطلاب· ويبدو أن هذه الحركة أوصلت رسالتها أخيرا، وهي التراجع عن إغلاق الصحيفة وإصلاح الجهاز القضائي ورفض التدخل غير الخاضع للمحاسبة من جانب أجهزة الأمن·
ذلك يعني أن إيران تميل الى متابعة المسار الذي اختطته انتخابات 1997 الرئاسية· أي أن منطق "الثورة والدولة" سيحسمان المعركة (غير الأخيرة) في انتخابات الربيع المقبل التشريعية· واستنادا الى نتائج الانتخابات الرئاسية والانتخابات البلدية الأخيرة والمزاج الشعبي العام، سينتصر معسكر خاتمي· وهذا الانتصار (غير الأخير) لا يكفي· ففي إيران هناك كثير من المؤسسات غير الخاضعة لـ (دولة القانون) ومنها منصب مرشد الثورة· وهناك صراع خفي بشأن ضرورة ولاية الفقيه·
وحتى تحين الانتخابات التشريعية، يمكن معسكر خاتمي أن يعوّل على إنجازات هي خارجية أكثر منها داخلية· فالتغييرات السياسية ساعدت في فك الاشتباكات (بدرجات متفاوتة) مع الغرب وتركيا ومنطقة الخليج· وتكريس الانتخابات مبدأ للحكم سحب الكثير من أيدي الغرب الذي لا يستطيع التشكيك في شرعية النظام برغم معارضة سياساته· لكن التغيير الداخلي كبير أيضا· فقد أطلق إرادة الناخب وأتاح التعددية والخروج على المنطق الرسمي للثورة·