بعد عشرين سنة من عمله في الزراعة في جو هادىء صار المستوطن اليهودي إيغال كيبنيس متعودا على المنظر الأخضر الذي يمتد من فناء منزله المغطى بالأشجار نحو بحيرة طبريا· ولا يصعب على المرء أن يتصور مقدار حزن هذا المستوطن على مغادرة أرض ومنزل ومزرعة في منطقة انتزعتها اسرائيل من سورية في حرب يونيو من عام 1967 وقررت ضمها في عام 1981·
هذا المستوطن الذي كان مهندسا مدنيا تحول في الثامنة والعشرين إلى طليعي عندما لبّى مع زوجته ميرا دعوة الحكومة لآلاف الإسرائيليين إلى أن يذهبوا للاستيطان في الجولان·· وما كان مغامرة في البداية تحول إلى حياة ثابتة عندما أنجبت الزوجة أربعة أطفال في المستوطنة التي تؤوي ستين عائلة حين كان كيبنيس يزرع أشجار المانغو وزوجته تدرَّس الرياضيات·
لكن مع انتخاب ايهود باراك رئيسا للوزراء، أخذ كيبنيس وكثيرون غيره من مستوطني الجولان يفكرون عقليا لا عاطفيا في مغادرة هذه المنطقة، لأن باراك يفكر في استئناف المفاوضات مع سورية، وعن ذلك قال هذا المستوطن الذي بلغ التاسعة والأربعين الآن: "هنا تتضارب مصالحنا الوطنية مع مصالحنا الشخصية· وأنا أعتقد أننا لا نستطيع أن نعطي مصالحنا الشخصية أولوية على حساب مصالحنا الوطنية في السلام الكامل مع سورية ويحدونا أمل في أن يستطيع المستوطنون منا الأقرب إلى شاطىء البحيرة البقاء هنا لكن حتى هذا الحلم غير واقعي"·
ما أدهش كثيرا من المحللين في اسرائيل أن غالبية ساحقة من مستوطني الجولان اقترعت في الانتخابات الأخيرة لمصلحة باراك حتى بعدما أعلن عزمه الواضح على دفع عملية السلام مع سورية إلى الأمام·وكانت العواقب المحتملة واضحة بالنسبة إليهم ، لما كان معظم المحللين يعتقدون أن الانسحاب الجزئي في الجولان يعتبر شرطا مسبقا لبلوغ السلام مع سورية·
وفي حين أن أحدا من هؤلاء لايريد التخلي عن منزله، فإن كثيرا منهم قالوا إنهم اقترعوا بناء على كونهم اسرائيليين لا بناء على مصالح ضيقة لما كانوا يهتمون بمصلحة الدولة كدولة· وفي الواقع لم يحصل حزب "الطريق الثالث" الذي يزعم الدفاع عن بقاء المستوطنين في الجولان إلا على 14.8 في المئة من أصوات هؤلاء ثم خسر جميع مقاعده في الكنيست·
واعتبر نائب "الطريق الثالث" في الكنيست المنتهية ولايته ايهودا هاريل أن حزبه هو الذي أخفق لا قضية المستوطنين، وإن ذلك يمثل انهيارا شاملا، لكن الاسرائيليين عموما جعلوا قضية مستوطني الجولان قضية ثانوية في الانتخابات الأخيرة، ونادرا ما تحدث احد عنها في حملة عام 1996 عندما كانت سيارات بعض أطراف الحملة تحمل ملصقات تقول "الأمة مع الجولان"·
بدلا من ذلك، تبين أن الانسحاب من الجولان هو النصف الآخر المكتوم لعبارات باراك عندما أعلن عزمه الانسحاب من جنوب لبنان في غضون سنة، لما كان معظم المحللين يعتقدون أن الانسحاب الآمن من لبنان يكون مرتبطا حتما بانسحاب من الجولان أيضا·
يحب الاسرائيليون الجولان فهذه منطقة جميلة تزدهر بالمزارع والبساتين ومساقط المياه· وإذا تخلوا عنها فسيخسرون المجال الوحيد للتزلج، لكن الاسرائيليين الذين يتوقون إلى التخلص من نزاع قاتل مع لبنان، حيث يسقط من 25 إلى 30 جنديا من أبنائهم قتلى كل سنة، يحاولون أن لا يأسفوا كثيرا على خسارة الجولان· وقد أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبيتهم تؤيد التخلي عنه·
ويتحسّر مستوطنو الجولان على الصلة بين موطنهم الجديد وبين لبنان، لكن كثيرا منهم يدرك أن ذلك حقيقة دبلوماسية·
فقد قال أورلي فيلدمان يدير نزلا للضيافة في مستوطنة ميروم هاجولان إن "الإسرائيليين يعتبروننا مسؤولين عن موت الجنود في لبنان· وبدلا من أن يلوموا الحكومة على عدم اتخاذها قرارا بالانسحاب من لبنان يلقون اللوم علينا لبقائنا هنا"·
خلافا لمستوطني الضفة الغربية يميل مستوطنو الجولان وعددهم لا يتعدى 18 ألفا إلى العيش في تجمعات أشبه بالكيبوتس "المزارع الجماعية" ومعظمهم يميل إلى اليسار أو أحزاب الوسط·
كانت روح المغامرة الصهيونية هي الدافع الذي حمل المستوطنين الأوائل على تحويل الأراضي الجدباء· وفي السنوات العشر الأخيرة انضم إليهم آلاف اليهود المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق·
وبمرور الوقت تعوّد هؤلاء التعايش مع أبناء الطائفة الدرزية ذات العلاقات الوثيقة بين أبنائها التي بقيت موالية لسورية·
ومنذ سنين أمن كثير من مستوطني الجولان بإبرام اتفاق سلام مع الفلسطينيين لكنهم بقوا مؤيدين صامتين للسلام مع سورية بفعل تناقضه مع وضعهم وهكذا لم يؤيدوا مفاوضات السلام مع سورية·
ولما كانوا يعيشون في منطقة هادئة لا تصيبها الصواريخ التي ترهب قاطني شمال اسرائيل أحيانا فقد اختار مستوطنو الجولان الوضع القائم: لا أعمال معادية ولا سلام·
وعن ذلك قال المستوطن هاريل: لماذا ندمر مركبنا؟ فقد حققنا هنا ما هو أفضل بقليل مما هو موجود في اسرائيل نفسها، فأنا لا أقفل باب منزلي أبدا· والهواء نظيف· ولدينا زراعة حديثة وطبيعة خلابة· ونحن نعيش بسلام مع الدروز والمتدينين· وليس هناك بيننا عرب آخرون أو يهود متشددون ولا توجد توترات إلا فيما يخص مصيرنا النهائي"
كان هاريل 64 عاما، وهو مؤرخ وسياسي معاد للجمود العقائدي يتحدث في مقهى في مستوطنة كاسرين الكبيرة في الجولان، وهناك كان يتناول الكابوتشينو والمعجنات مع المستوطنة رامونا بارليف وهي مدافعة عن مستوطني الجولان· وبرغم تجاعيد الزمن كانت عيناه تلمعان وهو يبدو غير مهتم بهزيمة "حزب الجولان" وبدلا من ذلك كان يحلّل·
في ذلك، اعتبر هاريل أن الهزيمة الانتخابية لحزب "الطريق الثالث" تعكس خيبة أمل ناخبيه من انضمامه إلى حكومة بنيامين نتانياهو المحافظة وقال إن هذه الهزيمة أدت إلى تهميش قضية مستوطني الجولان في منطقة تعتبر قضية وطنية لا مصلحة شخصية·
"نيويورك تايمز"