كانت حرب يوغسلافيا حرباً مضحكة بالنسبة إلى الأمريكيين تحقق النصر فيها بواسطة قنابل ذات دقة شديدة لا نظير أسقطتها الطائرات من ارتفاع 15 ألف قدم على بلد لم تطأه قط أقدام طياري قاذفات الـ "بي 52 -" الذي حالما انتهت الحرب ومهمتهم عادوا إلى قاعدتهم في ميسوري بعدما عبروا المحيط· وبالنسبة إلى الأمريكيين الذي شاهدوا هذه الحرب من مسافة بعيدة وكانت قواتهم رأس حربتها، لم يكن النجاح مصحوباً بنزعة انتصارية إنما كان مشوباً بالأسئلة التي بلا أجوبة·
فالمفارقة أن هذه الأمة التي حققت النصر تكاد لا تعترف بما حققت، ففي حين أن الأوروبيين تبدو على وجوههم شجاعة جديدة، وقع الأمريكيون فريسة الشك· فقد سأل صحافي أمريكي وزير الدفاع وليام كوهين بتواضع يخفي كبرياء: "هل هذا نخوض الحرب من الآن فصاعداً؟ وعن ذلك أجاب الوزير: "لم نكن خائفين من استعمال القوات البرية لو تطلبت الظروف ذلك" والخوف؟ من كان يتحدث عن الخوف؟ لكن السؤال والجواب نفسيهما كانا يخفيان تناقضاً وجدانياً عميقاً لدى الأمريكيين إزاء كوسوفو·
انتفض الأمريكيون بقدر الأوروبيين عندما رأوا صور التطهير العرقي، لكن شكوكهم كانت تتصل بدور القوة العظمى في العالم في هذه الأزمة·
وقد أكد جون مير شايمر أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو في بداية أبريل أن حرب كوسوفو، سمحت بأن نعرف في عالم ما بعد الحرب الباردة، لماذا يكون الأمريكيين غير مستعدين للموت من أجل كوسوفو· فقد قال: نحن لسنا مستعدين لأن نموت من أجل كوسوفو· فمن أجل ذلك يجب أن يكون هناك تهديد استراتيجي· ونحن لم نخض هذه الحرب الإنسانية إلا لأن الثمن البشري كان صفراً" ويعني ذلك عدم إدخال القوات البرية· وكانت استطلاعات الرأي الأولى بعد الحرب تصب في مصلحة هذا الرأي· فاستناداً إلى استطلاع مشترك لشبكة "سي· إن· إن" وصحيفة "يو· إس· أي· توداي" انقسم الأمريكيون حول التدخل البري بالقوة، فأيده 47 في المئة وعارضه 47 في المئة، مقارنة مع 80 في المئة من الأمريكيين أيدوا الحرب البرية في نهاية حرب الخليج الثانية (تحرير الكويت)·
هناك عوامل كثيرة ساهمت في بلبلة الرأي العام الأمريكي· فبينما كانت حرب الخليج الثانية حرباً أمريكية أساساً (لجهة عديد القوات البرية والطائرات) مدعومة بمشاركة فرنسية - بريطانية رمزية، خيضت حرب يوغسلافيا تحت قيادة تحالف حقيقي وإن كانت الطائرات الأمريكية هي التي نفذت الغالبية العظمى للغارات· فحرب الخليج الثانية كان لها قادتها العسكريون أمثال الرئيس السابق لهيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال كولين باول والجنرال نورمان شوارزكوف (القائد الميداني) في حين أن الرئيس الحالي لهيئة الأركان الأمريكية الجنرال هنري شيلتون بقي بعيداً عن الأضواء ورفض تصدر المواقف، وأن القائد الأعلى (الأمريكي) للقوات الحليفة في أوروبا الجنرال ويسلي كلارك اختفى في نهاية الأزمة ولم يحاول المطالبة بحصته من الانتصار أمام الصحافة· وهكذا كانت حرب يوغسلافيا حرباً بلا هوية ذات تكنولوجيا عالية التطور ومتعددة الجنسية·
لم تساعد الغالية الجمهورية في الكونغرس الأمريكي في توضيح الأمور، فقد رفضت في بداية الأزمة مساندة العملية ثم رفضت في خطوة غير مسبوقة الاحتفال بالانتصار بل إنها حاولت تعويق تمويل قوات حفظ السلام· وهناك جزء كبير من "مؤسسة" الخبراء العسكريين وخبراء السياسة الخارجية انتقد هذه الحملة منذ بدايتها حتى النهاية، أما الرأي العام الأمريكي الذي تعرض لحملة إعلامية قوية فقد أثبت سمة ثابتة فيه وهي عدم تأثره بـ "صانعي الرأي العام" في واشنطن·· فقد انخفض تأييد البيت الأبيض في أزمة كوسوفو من 66 في المئة عند البداية حتى 53 في المئة عن النهاية لكنه لم يعارض هذه الحرب·
لقد بينت دراسة أجرتها جامعة ميريلاند في مايو بإشراف ستيفن كول أنه نقيضا لاعتقاد سلمَّ به "البنتاغون" "وزارة الدفاع" كان الأمريكيون يقبلون حدوث خسائر معقولة في صفوف قواتهم إنما بشرط أن يحقق التدخل البري نجاحا· فاعتقال ثلاثة جنود أمريكيين بأيدي القوات الصربية لم يحدث أي ردة فعل مفرطة في الولايات المتحدة برغم المعاملة السيئة التي عانوها، واستنادا إلى استطلاع رأي أجرته محطة أي· بي ، بي" التلفزيونية ساند 71 في المئة من الأمريكيين مشاركة قواتهم في قوة حفظ السلام "كفور" التي لا يستبعد أحد تورطها في مجابهات خطيرة قد تكون طويلة· وفي هذا الصدد، يلاحظ تشارلز كويتان خبير الشؤون البلقانية في "مجلس العلاقات الخارجية" أن "الرأي العام الأمريكي سبق النخبة مرة جديدة، وهذا شيء مميز في التسعينيات"·
لكن هل يجب أن ننظر إلى التدخل في كوسوفو باعتباره سابقة تنطوي على تأسيس عقيدة أمريكية جديدة تتصل بالتدخل الإنساني؟ ليس هناك شيء أكيد· ففي هذا الشأن يقدر كوبشان أنه من غير المحتمل كثيرا أن يتكرر هذا الأمر، فالمفارقة هنا أن تماسك الحلف الأطلسي الذي كان الأمريكيون يعوّلون عليه كثيرا أثبت لهؤلاء أن بلادهم ليست هي قوة التدخل الوحيدة· وهو يتوقع أن تبادر أوروبا، حتى حدوث أزمة، مماثلة، إلى تدبير شؤونها بنفسها، وهذا إحساس شائع لا يقتصر على مؤيدي ردة الفعل الأمريكية أو على أنصار النزعة الانعزالية، وحدهم إنما في أوساط الديمقراطيين والجمهوريين المعتدلين أيضا الخائفين من أن وهم التدخل العسكري بلا خسائر ومخاطر بشرية لا يمكنه أن يعزز أسطورة القوة العظمى الوحيدة التي لا تقهر·
وإلى التردد في التدخل في المناطق الخلفية للدول الأخرى في وقت لا يوجد تهديد مباشر للأمن الأمريكي، يضاف الخوف من شعور "لدى الدول الأخرى" مفاده أن الولايات المتحدة تعيد ترتيب أوضاع العالم، وهذا قد يغذي نزعة العداء للأمريكيين في جميع أنحاء العالم، فحتى في واشنطن كان هناك شعور بأن استعمال القوة العسكرية في قضية ذات غايات نبيلة هو سلاح ذو حدّين: فهو عظيم من جهة لأنه يرمي إلى وضع نهاية لكارثة إنسانية، لكنه يوحي من جهة ثانية أن الولايات المتحدة أطلقت وحشها على العالم، إنه طيف العولمة الأطلسية·
"لوموند"