فاتح المدرس... اللغز
ركان الصفدي
(1)
يبدو أننا في خريف العصر··· إذ تتساقط الأوراق التي كانت ذات ربيع نضرة خضراء واحدة تلو الأخرى··· وريح الزمن العاتية تعصف بكل جبروتها، غير آبهة بمشاعرنا وأفكارنا وذكرياتنا··· تمزّق أشجارنا، تهزّ أعماقنا، تبث الهلع في نفوسنا ونحن نتأمل مرتجفين سقوط ورقة من شجرة الحياة··· سقوطاً يعلن الفناء في في كل حركة من حركاتها الجليلة الوداعية· نقف أمام الموت بكل عجزنا وهشاشتنا بمهابة وهلع لأنه··· عادي عادي، مألوف إلى حد اللذع، بسيط إلى حد الاستحالة·
الموت··· ذاك العدم الأصفر، السطوع الأسود، الصمت الصارخ، الوضوح الغامض، النوم الوثير، السؤال الطازج، النقطة المركزية، الصقيع اللانهائي··· هكذا··· يموت فاتح المدرس!
(2)
حين غمس فاتح المدرس ريشته بألوان الوجود والزمن والبيئة والروح والحلم منذ عشرات السنين كان مثقلاً بألغاز الحياة، وهو لم يجد حلاً لها، وإنما أضاف إليها لغزاً جديداً·
لم تجمع الساحة الثقافية أو الفنية التشكيلية على فنان كما أجمعت على أهمية فاتح المدرس··· إذ كان أفقاً حقيقياً لها، يظللها بألوانه المتأملة المفكّرة وبصيرته الفنية الثاقبة··· كان نقطة ارتكاز وتوازن للفن التشكيلي العربي·
فاتح المدرس قامة مديدة ألقت بظلالها اللونية على مساحة شاسعة من الأرض··· كائن ثقافي تمدّد في الزمان والمكان··· فنان يجعل كل مساحة لونية سؤالا وجوديا كبيرا، وتأملا فلسفيا عميقا·
لوحات فاتح المدرس على الرغم من ارتباطها بالمكان - تشعرك بأنها تحلق بأجنحة زمنية تطير إلى عالم لا محدود··· توحي إليك بالاستمرار والديمومة·
(3)
عندما كنا صغاراً كان اسم فاتح المدرس يعني لنا الشيء الخارق، والحد الأقصى، والغموض الذي لا يليق إلاّ بالكبار··· كنا نرسم له في عقولنا هالة تحيط باسمه وكأنه كائن خارق، وكان الكبار من الفنانين أو مدرسي الرسم يتحدثون عنه باحترام ومهابة··· ولذلك كان اسماً غامضاً جميلاً· وحين كنا نرى إحدى لوحاته لم نكن نفهم منها شيئاً، ولكن كنا نشعر برعشة ما أمامها··· كنا نتمنى أن نصل إلى مستوى من الوعي يؤهّلنا لمعرفة أسرارها··· لم يكن فاتح المدرس فناناً محلياً بالنسبة إلينا، كان رمزاً أكبر من الجغرافيا···
(4)
كنت أتخيل فاتح المدرس ضخم الجسم، فصورته التي كانت تنشر له في الصحف والمجلات توحي بذلك··· وجه مهيب عريض وحاجبان كثان فوق عينين عابستين عبوس التأمل·
ثم جاءت الظروف التي وفرت لي فرصة معرفته··· ذهبت إلى مرسمه مع الفنان د· غسان السباعي، كان المرسم قبواً كالكهف طويلاً ومظلماً وإنارته خفيفة - قلت في نفسي لعل هذا المكان هو الذي طبع ألوانه بعتمة خفيفة - وكان يكاد يختنق باللوحات والأعمال الفنية المختلفة والأدوات ورائحة الألوان والزيوت، وفي آخره تحت ضوء مصباح كان يقبع فاتح المدرس متجهماً - كما في صورته - ولكنه كان ضئيلاً نحيفاً! وكان معه الشاعر نزيه أبوعفش الذي كان أشبه بمريده الذي يتعامل معه باحترام إلى حد التقديس· كان فاتح المدرس يتكلم بصوت خافت متلجلج، وباقتصاد شديد، وأفكاره نبيلة ومثالية وفيها نزعة إنسانية عميقة وعامة تذكرك بالرهبنة والتصوف·
كان في كهفه أشبه بكائن أسطوري منعزل عن صخب العالم الخارجي!
(5)
حضرت حفل تكريمه عام 1992، وقد تعامل مع الموضوع ببراءة الأطفال لا يوحي بها مظهره المتجهم··· وحين كنت أجلس معه في أثناء نقاشاتنا حول الملحق الثقافي (وقد كتب افتتاحيته)، وكان الانفعال يغلب على آراء الجميع، كان هادئاً جداً وبعيداً عن الموضوع وكان لا ينطق بكلمة إلا في أمر عام··· إنساني· كنا مرتهنين للتفاصيل واللحظة الحاضرة وكان ينظر إلى أمداء المستقبل في عالمه الخاص الذي لا تعنيه تفاهاتنا·
لم أستطع أن أعرف فاتح المدرس حتى الآن في حين عرفت الآخرين الذين كانوا حوله، كان لغزاً حقيقياً بالنسبة إليّ يحافظ على ماسيّة غموضه، على حد تعبير كوكتو، وربما كان ذلك سرّ تفرّده·
(6)
أقف أمام لوحة لفاتح المدرس من جديد··· أتأمل الأزرق المنبعث منها، واللون القرميدي الضارب في أعماقها، والوجوه التي ترسم الزمن، وبصيص الأصفر الناري في زاوية ما···، أتأمل هذه العتمة المسائية، أسمع دمدمة القرى الخافتة، أتلبّد بالأسئلة، أنبض بالمشاعر الغامضة، أضطرم بالأفكار··· تضيء في سمائي نجوم، كلمات: الإنسان، الأرض، الزمن، الإرادة، البقاء، الأمل··· لماذا أحسّ أن اللوحة تتأملني؟ لماذا أرى وجه فاتح المدرس المدلهم كغيمة الشتاء··· وأسمع هطولاً جليلاً··· على حافة الأرض؟