كتب: فرج مجاهد عبدالوهاب*
في أوائل القرن التاسع عشر وفي قرية "هاورث" بمقاطعة يوركشير عاشت الشقيقات برونتي حياة كرسنها للأدب وخلفن لنا أعمالا عظيمة ما زالت تشهد الى اليوم بموهبتهن وعبقريتهن مثل "جن اير" لتشارلوت برونتي و"مرتفعات وذرينج" لأميلي برونتي و"أجنس جراي" لآن برونتي، وقصائد ما زال النقاد الى اليوم يحللون شاعريتها الفياضة وصورها العميقة ليستمتع بها أكبر عدد ممكن من عشاق الأدب الرفيع، كما أنهم عهدوا الى كبار النجوم العالميين أمثال "لورنس أوليفيه" و"ديفيد نيفين" بتمثيل الأدوار كما حدث في فيلم "مرتفعات وذرينج" للأديبة الكبيرة "أميلي برونتي"·
عائلة موهوبة
ولقد كانت الشقيقات برونتي من عائلة موهوبة، حيث كان والدهن "باتريك برونتي" يكتب الشعر وطبع له ديوان بعنوان "قصائد الكوخ" أما شقيقهن "برانويل" فقد كان كتلة متعددة من المواهب·· رساما بارعا وموسيقيا موهوبا·· ويكتب الشعر أيضا كبقية أخواته ولكن لظروف شخصية معينة لم يصل في أي مجال من هذه المجالات الى المكانة التي وصلت إليها شقيقاته·
ويبقى من الأسرة الموهوبة اثنتان هما "اليزابيث" و"ماريا" اللتان توفيتا في سن صغيرة جدا لم تسمح لهما بكتابة أي أعمال أدبية· وتقول تشارلوت عن أختها ماريا إنها كانت عبارة عن رمز للحكمة وينبوع فياض من القصص التي تقصها عليهم حتى وهي طفلة لم تتعد عشر سنوات من عمرها·
كان الأب قسيسا مخلصا متدينا له ميول أدبية إذ طبع له - كما أسلفنا القول - ديوان بعنوان "قصائد الكوخ" وكان لنشر هذا الديوان أثر كبير في اهتمامات الأطفال الأدبية إذ كانت رؤية كتاب مطبوع عليه اسم أبيهم على الغلاف ليس فقط في مكتبة بيتهم ولكن في واجهات محال بيع الكتب، كان ذلك حافزا كبيرا لاتجاههم للأدب· كما عرف الأب بالوسامة والمرح وكان يتصف بالحديث المنمق الممتع كجميع الأيرلنديين· وكان قد تعرف على زوجته "ماريا برانويل" في عام 1812 وتزوجا وعاشا في بلدة "ثورتون"· ثم انتقلوا الى قرية "هاورث" بعد أن أنجبا ستة أطفال في سبع سنوات، ولم تلبث الأم "مسز برونتي" أن ماتت بعد معاناة مع المرض دامت شهورا وجاءت أختها لتعتني بالأطفال خاصة بعد أن تم تعيين الأب أسقفا بالقرية·
طفولة محافظة
وكان الأطفال جميعا ضعاف البنية صغار الحجم ذوي بشرة شاحبة وتصف "إيلين ناسي" صديقة تشارلوت الحميمة التي توثقت عرى الصداقة بينهما منذ أن كانتا تدرسان معا بمدرسة "روهيد"· تصف ايلين اميلي وآن قائلة: كانت اميلي أطولهن قامة بالرغم من أن طولها لم يكن يزيد على خمسة أقدام إلا قليلا، وكان أكثر شيء يميزها هو عيناها الجميلتان والنظرة الحانية الرقيقة الخاطفة في الوقت نفسه· ولكنها كانت قلما تتطلع الى الآخرين وذلك بسبب تحفظها الشديد· أما آن فكانت تعتبر أجمل الشقيقات برونتي وكان مظهرها مختلفا تماما عن باقي إخوتها· كان لون بشرتها صافيا وكانت ملامحها دقيقة جميلة وشعرها الكستنائي يتدلى على عنقها في خصل بديعة·
وكان الجميع يعيشون في ذلك الوقت ببيت ملحق بأسقفية هاورث التي تقع على حدود المرتفعات في مقاطعة يوركشير المعتمة الكئيبة بصخورها السوداء المنحدرة وتلالها التي تعصف بها الريح· ومنذ سنوات الطفولة المبكرة، تأثرت اميلي وآن بوجه خاص بهذه المرتفعات والمروج التي الهبت خيالهما بالألوان والصور والأحاسيس··· كانت الطبيعة بالنسبة لأميلي هي نهاية المطاف· أما بالنسبة لآن فكانت الطريق الى الله· كانتا تذهبان معا حيث تلتقي الجداول ببعضها وهي تنحدر بين الصخور، وتجلسان سعيدتين وهما ترطبان أيديهما الدافئة الصغيرة بمياهها الباردة، ويزداد الاندماج والاتحاد يوما بعد يوم بين الأطفال برونتي والطبيعة بكل سحرها وجميع أشكالها··· تقول آن في إحدى قصائدها المبكرة:
لقد تجولنا بعيدا اليوم···
بعيدا في تلك الأرض المحرمة
حيث توجد الحرية···
ويوجد الخطر!
كانت أوقاتهن موزعة بين كتابة الشعر والرواية والرسم والعزف على البيانو، وفي شهر يوليو 1824 التحقت ماريا واليزابيث بمدرسة كوان بريدج التي اعتقد الوالد أنها مناسبة لهما· وتذكر تشارلوت اليوم الذي التحقت فيه بالمدرسة ذاتها بعد شهر من التحاق شقيقتيها بها· وفي أواخر شهر نوفمبر كانت اميلي هي الأخرى قد التحقت بالمدرسة نفسها وهي في السادسة من عمرها· ولكن في ذلك الوقت كانت أعراض مرض السل قد بدأت تظهر على "ماريا" وبعد قليل بدأت تظهر على "اليزابيث" أيضا أعراض المرض نفسه· فبدأت الأخوات تتجهن بعواطفهن، كل منهن نحو الأخرى بقوة وعنف كأنهن بذلك يحاولن حماية أنفسهن من عواصف القدر·
وذهب السيد برونتي الى المدرسة وأحضر ماريا معه الى البيت قبل ثلاثة أشهر من وفاتها· وظل الحزن على رحيل ماريا عالقا بذاكرة الأخوات فعبرت عنه تشارلوت فيما بعد في روايتها الخالدة "جين اير" التي يروي البعض أن بطلتها "هيلين بيرنز" هي اختها الكبرى ماريا·
أحلام وخيال
لقد كان الأطفال برونتي جميعا يعيشون في عالم الخيال أكثر مما يعيشون في عالم الواقع· فكان خيال اميلي يتخذ هيئة الاستغراق في نشوة صوفية، أما خيال تشارلوت فكان في أغلبه أحلام يقظة وقد غذى هذا الخيال الجامح اللعبة الخشبية التي أحضرها أبوهم لبرانويل وأخواته والتي كانت عبارة عن نماذج خشبية لجنود القرية· وكثيرا ما كانوا يلتفون حول المدفأة مكونين من قطع اللعبة مدينة لها بيوت وجنود· وأصبحت هذه المدينة الخيالية منطلقا لأعمالهم الأدبية وسموها فيما بعد باسم "مملكة أنجاريا"، ولكن اميلي وآن هجرتا هذه المملكة وصنعتا مملكتهما الخاصة بهما والتي أطلقتا عليها اسم "جوندال" وهي مملكة خيالية تدور فيها معظم أعمالهما· وكل تلك الكتابات الطفولية وكل هذا الجو الخيالي جعل الشقيقات برونتي يبدين عندما بدأن الكتابة عن الحياة الحقيقية كأديبات متمرسات ولسن مجرد هاويات، إذ كن معتادات على معرفة الحبكة القصصية وتصوير الشخصيات وسرد الأفكار·
التحقت تشارلوت بمدرسة "روهيد" وتصف "ماري تايلور" أول مرة شاهدت فيها تشارلوت لأول مرة وهي تنزل من العربة أمام المدرسة فتقول: كانت فتاة صغيرة الحجم ترتجف من البرد وتتكلم بلهجة ايرلندية، كان نظرها ضعيفا للغاية لدرجة أنها كانت لا تلعب معنا الكرة لأنها كانت لا تستطيع رؤيتها بوضوح وسارع الكثير من زميلاتها الى التشكيك في ذكائها الخارق ولكن سرعان ما أثبتت لهن عكس ذلك فاكتشفن ذكاءها وتفوقها في الشعر والرسم وتمتعها بخيال خصب· أما طبيعة اميلي العنيفة المتحررة من كل قيد فكانت تدفعها الى أحضان الطبيعة البرية وكأنها كانت تجد فيها المرآة التي تعكس لها صورتها، وكانت اميلي تجد في المروج بوجه خاص بنقائها وامتدادها ووحشتها منطلقا لروحها المتمردة الطليقة·
تحولات عاصفة
وكانت طفولة الشقيقات برونتي طفولة تعيسة بعد وفاة والدتهن في سن صغيرة ولم يجدن في العمة برانويل تعويضا عن حنان الأم بل كانت شقيقتهن الكبرى "ماريا" بمثابة الصدر الحنون ولكن القدر انتزعها هي الأخرى بعد فترة وجيزة وظلت تشارلوت تتذكرها بمرارة دائما· وتتوجه تشارلوت وأميلي الى بروكسل لتلقي المزيد من العلم والحصول على مؤهلات تمكنها من تحقيق حلمها بإنشاء مدرسة· ولكن وفاة العمة برانويل عجلت بعودة اميلي الى البيت لرعاية أبيها، أما تشارلوت فقد عادت ولكن بعد تجربة حب فاشلة كان طرفها الآخر أستاذا لها· وكانت تشارلوت تراسل أحد الناشرين الذي وافق على نشر مجموعة قصائد لها ولأختيها تحت أسماء مستعارة لم تلاق أي رواج· ثم تقدمت له بثلاث روايات هي "مرتفعات وذرينج" لأميلي و"أجنس جراي" التي كتبتها آن وروايتها "البروفيسير"· وطبعت رواية "جين اير" في العام نفسه الذي طبعت فيه الروايتان "مرتفعات وذرينج" و"أجنس جراي" ونالت نجاحا سريعا وعظيما بعكس الروايتين السابقتين· وبعدها ماتت أميلي في ديسمبر 1848 ولحقت بها آن في مايو 1849 بعد ستة شهور وكان عمرها لا يتعدى التاسعة والعشرين ودفنت آن في إحدى البقاع التي تطل على البحر·
وبعد ذلك مضت ليال كئيبة على الأخت الثالثة تشارلوت وهي تعاني من الحزن وكان عليها أن تعد أعمالها للنشر ولم تمض خمسة أعوام حتى لحقت بأخواتها وكان قد مضى على زواجها من "ارثر بيل نيكولس" غير تسعة أشهر·· وانتهت حياة الشقيقات برونتي·· كانت حياة قصيرة··· ولكن أعمالهن خلدتها·
* عضو اتحاد كتاب مصر
قاص وناقد أدبي