رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 23-29 ربيع الأول 1420هـ - 7-13 يوليو 1999
العدد 1384

العرب ودول الجوار*
القوى الإقليمية والدولية تؤجج الخلافات بين الوطن العربي ودول جواره

·   الخلافات العقائدية والسياسية والحدودية لاتزال فاعلة ولم تحسم نهائيا

·   علاقة الوطن العربي بإيران وتركيا وأثيوبيا ما زالت تستأثر بالأولوية السياسية العربية

·   إيران وتركيا هما الأكثر قدرة حاليا على اختراق النظام الإقليمي العربي في ظل الواقع الراهن لتوازن القوى الذي يميل لصالحها

·   دول الجوار الجغرافي هي المجال الأقرب لسعي الدول لممارسة الهيمنة والضم بل والاحتلال وخوض المعارك الدامية والطاحنة

·   الاحتلال الإيراني لجزر الإمارات والحذر العربي الجديد من الخطاب الثوري والراديكالي والخوف التقليدي من تنامي القدرات العسكرية الهجومية من أهم عوامل عدم استقرار العلاقات العربية ـ الإيرانية

·   إمكانات تركيا تؤهلها للقيام  بدور إقليمي شمالا وجنوبا وبدعم من واشنطن

 

عبدالخالق عبدالله**

للوطن العربي حدود جغرافية مشتركة من 11 دولة في القارتين الآسيوية والأفريقية· ففي أقصى الشرق العربي هناك الجمهورية الإسلامية في إيران والتي تجاور سبع دول عربية خليجية هي دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة الى العراق· وفي أقصى الشمال العربي تقع تركيا التي تجاور كلا من سوريا والعراق· أما في أقصى الجنوب والغرب فيحد الوطن العربي تسع دول أفريقية هي اريتريا وأثيوبيا وتشاد وأوغندا وزائير وأفريقيا الوسطى والنيجر ومالي والسنغال، والتي لها حدود مشتركة مع كل من السودان والصومال وجيبوتي وليبيا والجزائر والمغرب وموريتانيا·

وعلى الرغم من أهمية علاقة الوطن العربي بجميع دول الجوار، إلا أن علاقات دوله بكل من إيران وتركيا وإلى درجات أقل أثيوبيا، هي التي كانت ولا تزال تستأثر بالأولوية السياسية العربية· فكل دولة من هذه الدول الثلاث تتمتع بقدرات وإمكانات وموارد بشرية وطبيعية وإنتاجية تساوي أو ربما تزيد على قدرات وإمكانات الدول العربية القريبة منها والبعيدة· لذلك فإن لهذه الدول دون دول الجوار الأخرى تأثيراتها المهمة والعميقة على السياسات والقرارات والاستراتيجيات العربية الفردية والجماعية· وتبدو إيران وتركيا من أكثر دول الجوار حضورا في التفكير الاستراتيجي العربي، وهما حتما الأكثر قدرة حاليا على اختراق النظام الإقليمي العربي في ظل الواقع الراهن لتوازن القوى الذي يميل بشكل واضح لصالحهما وليس لصالح الدول العربية، وخصوصا بعد تداعيات حرب الخليج الثانية واستمرار الحصار الاقتصادي الدولي المضروب على العراق· إن لدى هاتين الدولتين القدرة· وربما الرغبة، للاستفادة من الضعف السياسي العربي الراهن من أجل تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والجغرافية على حساب الدول العربية وبالتالي تعظيم فائدتهما من التحولات الإقليمية والعالمية المتلاحقة· ويلاحظ أن المرحلة الراهنة من علاقة الوطن العربي بهاتين الدولتين، وبمعظم دول الجوار الأخرى، هي مرحلة مليئة بالتوترات والخلافات والنزاعات المزمنة· لقد ازدادت حدة الخلافات السياسية والعقائدية بين الدول العربية ودول الجوار خلال السنوات الأخيرة· وتحولت هذه الخلافات الى أزمات مستعصية بعد أن أخذت شكل التجاوزات الحدودية المتكررة والتدخلات المستمرة في الشؤون الداخلية· كذلك حدثت مواجهات عسكرية محدودة أحيانا وعنيفة أحيانا أخرى وأصبحت دول الجوار بمثابة دول معادية تناصب العداء للعرب وتناصبها الدول العربية العداء المتبادل وكأن دورها التاريخي يكمن في تحولها الى مركز جذب للخارج تستهدف شد أوصال الوطن العربي وتمزيقه· وبرغم وجود علاقات إنسانية واجتماعية مشتركة وروابط تاريخية وحضارية واضحة كل الوضوح، فإن السمة السائدة لعلاقة الوطن العربي بدول الجوار هي التباعد بدلا عن التقارب، والصراع بدلا عن التعاون ،والعداء بدلا عن حسن الجوار والتعايش السلمي· إن علاقات الدول العربية بدول الجوار ليست بالعلاقات الودية أو الصحية وتحمل في طياتها الكثير من الصراع والقليل من التعاون بحيث يصبح الصراع هو القاعدة في حين أن التعاون هو الاستثناء· وتبدو هذه العلاقات في مجملها وكأنها مؤسسة على أسس تعمق التوترات وتغلب التناقضات وتحول دول الجوار من رصيد بشري وحضاري محتمل الى مصدر تهديد استراتيجي مستديم للوطن العربي·

إن الهدف من هذه الدراسة الوصفية والتحليلية هو رصد سمات المرحلة الراهنة والمستقبلية من علاقة الوطن العربي بدول الجوار وإبراز أهم التطورات والمستجدات في مجال التقارب والتباعد بينهما· وهي تحاول الإجابة عن تساؤلات حول: كيف تدير الدول العربية علاقاتها مع دول الجوار الجغرافي؟ ما عوامل التقارب و والتباعد بين الوطن العربي ودول الجوار؟ لماذا تبدو عوامل التباعد هي السائدة حاليا؟ ولماذا تتحكم هذه العوامل في العلاقات بين الدول العربية ودول الجوار؟ كيف يمكن تصحيح العلاقات بين الوطن العربي ودول الجوار؟ كيف يمكن التخفيف من التوترات والأزمات وهل بالإمكان تأسيس علاقات تعاونية وودية مع دول الجوار خلال المستقبل المنظور؟ كذلك تسعى هذه الدراسة، وفي سياق الإجابة عن هذه التساؤلات، الى التأكد من صحة فرضية أساسية هي أن الصراع وليس التعاون هو السمة البارزة والمميزة لعلاقة الوطن العربي بدول جواره، الكبيرة والصغيرة، وأن المستقبل القريب سيشهد تزايد حدة هذا الصراع·

 

الأسس النظرية للعلاقات مع دول الجوار

 

تتأرجح علاقات دول العالم عموما بين التعاون تارة، والتوتر تارة أخرى· فالتوتر والتعاون هما من أهم بدهيات العلاقات الدولية المعاصرة· إن النظام السياسي العالمي المعاصر مليء بالتوترات والصراعات كما أنه مليء بمحاولات الدول للتعاون والاندماج· ففي الوقت الذي تزداد حدة التوترات بين الدول فإن العالم لم يشهد في أي وقت من الأوقات اندفاعا نحو التقارب والتعاون والاندماج والتكتل بين الدول كما هو سائد في العالم الذي يزداد انكماشا يوما بعد يوم· دول العالم حريصة على سيادتها وبناء قوتها العسكرية وبسط نفوذها السياسي وبالتالي التسبب في اندلاع الصراعات والحروب، لكنها أيضا حريصة كل الحرص على الالتزام بالقوانين والأعراف والمواثيق الدولية ومستعدة للتنازل عن بعض من رموز السيادة التقليدية والتعايش السلمي مع بعضها، وتطوير العلاقات الودية والاحترام المتبادل وتعزيز مجالات التعاون الدولي بما في ذلك احتمالات قيام الحكومة العالمية·

إن التعاون والصراع سمتان ملازمتان للعلاقات بين كل دول العالم، وهما من أبرز مميزات العلاقات بين دول الجوار· فالدول المتجاورة جغرافيا هي من أكثر دول العالم ميلا للتعاون والتوتر في ما بينها· القرب الجغرافي يولد في العادة مجموعة متداخلة من عوامل التقارب والتباعد قد تصل الى حد التحالف أو العداء· إن أكثر التوترات والصراعات عنفا وحدة· وأكثر محاولات التعاون والاندماج الإقليمي نجاحا في العالم، هي تلك التي تتم بين الدول المتجاورة وليس بين الدول المتباعدة جغرافيا· كما أن الدول التي تنتمي لنظام إقليمي واحد، هي، في الوقت نفسه، الدول التي قد تربط بينها صداقة حميمة أو عداوة لدودة· وإذا كانت كل دول العالم تسعى بشتى الوسائل لممارسة الهيمنة والتأثير وبسط النفوذ، فإن دول الجوار الجغرافي هي المجال الأقرب لسعي الدول لممارسة الهيمنة والضم والاحتواء بل والاحتلال وخوض المعارك الدامية والطاحنة· إن الخلافات بين دول الجوار هي خلافات حقيقية وجذرية وليست خلافات مصطنعة وعابرة وتتراوح بين الخلافات القومية والمذهبية والسياسية والتاريخية والجغرافية المستدمية· وعليه فإنه في ظل هذا التداخل بين القوميات المتصادمة والمصالح المتعارضة والمشكلات المتجددة، يبدو من الصعب التأسيس لعلاقات صحية وودية وتعاونية بين دول الجوار· فالأسباب العميقة للصراع قائمة دائما واحتمالات التوتر مستمرة بين جميع دول الجوار بما في ذلك بين الوطن العربي ودول جواره الصغيرة والكبيرة·

إن عوامل التوتر بين الدول العربية وكل من إيران وتركيا وأثيوبيا ودول الجوار الأخرى متعددة وتشمل في ما تشمل: وجود قوميات عريقة ومتصادمة خاضت في ما بينها معارك تاريخية محفورة في الذاكرة الجماعية لشعوبها، مذاهب متحفزة ومعبأة ومتشككة في مصداقية بعضها وعلى مختلف المستويات بما في ذلك المستوى الشعبي والثقافة الشعبية، مشكلات حدودية ورثها العهد الاستعماري ولم تحسم بعد الحسم النهائي ولا يتوقع أن تحسم في المستقبل القريب، خلافات مائية مستعصية أخذت تزداد إلحاحا مع تفاقم الأوضاع المائية في المنطقة العربية، وربما تسببت مستقبلا في اندلاع معارك أكثر عنفا من كل المعارك السابقة بين الدول العربية ودول الجوار، نزعات سياسية توسعية وطموحات باستعادة أمجاد تليدة غير مسنودة على أرض الواقع بقدرات وإمكانيات واقعية تتناقض في المصالح الآنية واختلال واضح في موازين القوى·

 

خلافات جذرية وحقيقية

 

كل هذه الخلافات هي خلافات حقيقية وجذرية ولا يمكن تجاوزها أو التظاهر بعدم وجودها، وتؤسس لعلاقات صراعية بين الوطن العربي ودول الجوار الجغرافي· إن العلاقات الراهنة فيها الكثير من الصراع واليسير من التعاون· بل يبدو وكأن الصراع هو القاعدة الحاكمة للعلاقة بين الدول العربية ودول الجوار، في حين أن التعاون هو الاستثناء· ولا شك أن الوقائع والتطورات المعاصرة تؤكد أن حالة الصراع هي الحالة السائدة في العلاقات مع دول الجوار· فالاجتياح العسكري التركي المتكرر للمناطق الكردية في العراق واحتلال تركيا شبه الدائم لشمال العراق والموقف العربي الرافض بشدة للتعاون التركي ــ الإسرائيلي والموجه في معظمه ضد العراق وسوريا، تتسبب في خلق علاقات غير ودية مع تركيا· كذلك، فإن الاحتلال الإيراني المستمر لجزر الإمارات والحذر العربي الجديد من الخطاب الثوري والراديكالي الإيراني، والخوف التقليدي من تنامي القدرات العسكرية الإيرانية الهجومية، هي أيضا من الأمور التي تتسبب في عدم استقرار العلاقات بين الدول العربية وإيران· فضلا عن ذلك، فإن الدعم الأريتري والأوغندي والأثيوبي لقوى المعارضة السودانية، فضلا عن احتضان السودان للمنظمات الإسلامية المناوئة لنظم الحكم في الدول الأفريقية المجاورة، تشير الى تدهور في العلاقات بين الدول العربية ودول الجوار الرئيسية في أفريقيا· هذه القضايا وغيرها من القضايا والخلافات الآنية والبنيوية هي مجرد تجليات لحالة التوتر والصراع بين الوطن العربي ودول الجوار·

لكن، وعلى الرغم من كل مظاهر الصراع والتوتر، الحقيقية منها والمفتعلة، إلا أن دول الجوار ليست بالضرورة دولا معادية· فالجوار لا يعني تلقائيا العداء· وإذا كانت العلاقات سيئة حاليا فإنها لم تكن هكذا دائما ولا ينبغي لها أن تبقى كذلك مستقبلا، وبخاصة مع الانتماء الحضاري المشترك والعلاقات الإنسانية والاجتماعية المتداخلة أشد التداخل· بل إن التهديدات التي تشكلها دول الجوار حاليا ليست بالتهديدات المصيرية ولا هي بالتهديدات التي لا تستطيع الدول العربية مواجهتها أو التغلب عليها· وإذا كان من الحصافة السياسية التنبه الى ما يمكن أن تمثله دول الجوار من تهديد في مرحلة التجزئة والتفكك والضعف العربي الراهن، فإنه لا ينبغي، على الاطلاق، عند التعامل مع دول الجوار الانطلاق من افتراض عدائي مسبق وموقف أيديولوجي حتمي بأنها مصدر خطر وتهديد للأمن القومي العربي· بل إن احتمالات التعاون وحسن الجوار والعلاقات الودية هي، أيضا، ممكنة وواردة في كل اللحظات· ففي أقسى حالات الاختلاف والتأزم في العلاقات هناك إمكانية التنسيق والتحالف، وربما الاندماج أو التوحد الاقتصادي والسياسي بين الدول التي تنتمي الى منطقة جغرافية وحضارية واحدة·

إن الوطن العربي ربما كان محظوظا بدول جواره· فمعظمها من ذات التوجه الحضاري وتنتمي الى تراث عقائدي واحد· لقد خلق الإسلام بين هذه الدول والدول العربية روابط روحية ودينية عميقة، وربما أزلية، وتتجاوز الاعتبارات الدنيوية والأزمات الآنية· كذلك، وبحكم القرب الجغرافي، فإن دول الجوار قريبة كل القرب من الدول العربية على الصعيد الإنساني والاجتماعي بل هي، بكل تأكيد، أكثر دول العالم قربا على الصعيد الثقافي والعقائدي· إن بين الدول العربية ودول الجوار تاريخا لا ينتهي من الروابط المشتركة والمتداخلة· والتي ظلت مستمرة عبر كل العصور وفي ظل أقسى حالات الصراع والتوتر· هذه الروابط الاجتماعية والتاريخية والحضارية تخلق مساحة واسعة للالتقاء، ويمكن أن تؤسس لتفاعلات إيجابية وتنسيقية وتعاونية في المواقف تجاه التطورات الإقليمية والعالمية وتجاه الأعداء والأصدقاء· لذلك، فإن دول الجوار بقدر ما هي مصدر تهديد سياسي وعسكري، هي أيضا رصيد إنساني وحضاري لا ينبغي تجاهله أو الاستهانة به· إن بالإمكان توظيف هذا الرصيد البشري والحضاري الكامن توظيفا إيجابيا من أجل التقليل من التوترات المفتعلة والعابرة، وبالتالي تحقيق التعايش السلمي والاستقرار السياسي والتكامل الاقتصادي بين الوطن العربي ودول الجوار، وبخاصة تركيا وإيران· وتأتي الوقائع المعاصرة لتبين أن الدول العربية ودول الجوار قد تمكنت، وبرغم حالة الصراع، من تطوير شبكة من العلاقات التجارية والمالية والاستثمارية المتبادلة، والتي أخذت تشهد الانتعاش النسبي خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات· كما تشترك هذه الدول معا في عضوية مجموعة مهمة من المنظمات الإقليمية والعالمية المتخصصة، كمنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الوحدة الأفريقية ومنظمة الدول المصدرة للنفط وحركة عدم الانحياز، وكلها تفسح في المجال للتقارب ولبناء الثقة وتحقيق الأهداف المشتركة، والتأسيس لفهم أفضل عن أوضاع دول الجوار واستيعاب سماتها وخصوصياتها السياسية والاجتماعية والتنموية·

 

السمات العامة لدول الجوار

 

أول ما يسترعي الانتباه بالنسبة لدول الجوار الإحدى عشرة المحيطة بالوطن العربي هو تنوع هذه الدول من حيث القدرات والإمكانات ومن حيث الأهمية السياسية الإقليمية والدولية· فدول الجوار تختلف في ما بينها، في سماتها العامة وخصائصها السياسية والاجتماعية وفي مواردها الطبيعية وقدراتها التهديدية، وفي أوضاعها الداخلية وفي علاقاتها التعاونية والصراعية مع الوطن العربي· فهناك من بين دول الجوار دول صغيرة كل الصغر وأخرى كبيرة من حيث المساحة وعدد السكان· كما أن من بين دول الجوار دولا مستقرة نسبيا في أوضاعها السياسية الداخلية ودولا تعاني من عدم استقرار داخلي واضطرابات سياسية مزمنة· ومن بين دول الجوار دول فقيرة كل الفقر، بل هي في عداد أكثر الدول فقرا في العالم، ودول أخرى غنية بمواردها وبقدراتها الإنتاجية وبدرجة تطور بنيتها التحتية والمؤسساتية· كذلك، فإن بعضها من دول الجوار هي دول مهمة بالنسبة للنظامين السياسي والاقتصادي العالميين وتنتمي الى تكتلات سياسية وعسكرية عالمية كبرى، وبعضها هامشية وتعاني من الإهمال السياسي على الصعيدين الإقليمي والدولي· فضلا عن ذلك، فإن بين دول الجوار دولا آسيوية وأخرى أفريقية ودولا مسلمة وأخرى غير مسلمة، ودولا حديثة التكوين والولادة وتواجه تحديات البقاء والاستمرار وأخرى عريقة وقديمة وتنتمي الى أقدم الحضارات والامبراطوريات التي توسعت في كل الاتجاهات والقارات·

إن تركيا هي اليوم، وبكل المعايير الاستراتيجية والتنموية، من أكثر دول الجوار قوة وتطورا وتقدما، وهي، بالتالي، الأكثر قدرة على التصرف كقوة إقليمية كبرى وفاعلة وقادرة على اختراق النظام الإقليمي العربي في أطرافه والتأثير في أولوياته، وبخاصة في ظل تداعيات حرب الخليج الثانية، وفي ظل بروز وتطور النظام العالمي الجديد· فتركيا أكبر مساحة من العراق وسوريا معا، إذ تبلغ مساحتها 780 ألف كيلو متر مربع· أما عدد سكانها فقد بلغ حوالي 66 مليون نسمة بحلول عام 1997، وهو ما يوازي أكثر من ضعف عدد سكان كل من العراق وسوريا الدولتين العربيتين المجاورتين لها· ويلاحظ إن %40 من عدد سكان تركيا هم من الشباب دون الـ 15 عاما· أما إجمالي الناتج القومي لتركيا فقد تجاوز الـ 170 بليون دولار عام 1996، في الوقت الذي يشهد الاقتصاد التركي نموا سنويا قدره %7 (خلال السنوات الخمس الأخيرة)· ويصل معدل دخل الفرد في تركيا الى حوالي 2650 دولارا سنويا، أي أكثر من 5 أضعاف معدل دخل الفرد في الدول النامية· وقد تمكنت تركيا مؤخرا من السيطرة على التضخم وبات لا يزيد حاليا عن %6 سنويا، كما انخفضت ديونها الخارجية الى أقل من 10 بلايين دولار، أي حوالي %6 من إجمالي الناتج القومي· وعلى الرغم من بعض المتاعب الاقتصادية، وبخاصة المتعلق منها بالبطالة المتفاقمة بين الشباب التركي والوضع غير المستقر للعملة التركية، يبقى الاقتصاد التركي، اليوم، أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، كما أنه الأكثر تنوعا والأكثر حيوية والأكثر اندماجا في النظام التجاري والمالي العالمي· أما قدرات تركيا العسكرية فقد تم مؤخرا تطويرها وتحديثها· وقد تجاوز الانفاق العسكري التركي 6 بلايين دولار عام 1997، في الوقت الذي بلغ عدد القوات المسلحة التركية أكثر من 600 ألف جندي مدعومين بقدرات برية قوامها 4000 دبابة وقدرات جوية مكونة من 430 طائرة مقاتلة حديثة وقدرات بحرية تحتوي على 20 سفينة حربية و16 غواصة· إن تركيا هي، اليوم، قوة عسكرية رئيسية في المنطقة وهي جزء من بنية حلف الشمال الأطلسي· علاوة على ذلك فإن تركيا متقدمة في مجال المؤسسة السياسية وتطور التجربة الديمقراطية والتحديث السياسي وبناء مؤسسات المجتمع المدني، على كل من العراق وسوريا وربما بقيمة الدول العربية· هذه القدرات والإمكانات المتاحة لتركيا تؤهلها للقيام بدور إقليمي شمالا وجنوبا، وخصوصا أن هذا الدور الإقليمي مدعوم كل الدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، ويتم في ظل واقع التجزئة العربية· 

دور إقليمي بارز 

أما إيران فإنها، كتركيا، تمتلك قدرات وإمكانات بشرية وطبيعية واستراتيجية مهمة، وترغب هي أيضا بالقيام بدور إقليمي بارز في منطقة الخليج العربي التي هي بالنسبة الى إيران ضمن مجالها الحيوي والتي تعيش حاليا حالة فراغ سياسي نتيجة للحصار على العراق· إن الطموح الإيراني للقيام بدور القوة الإقليمية الرئيسية مستند على حقائق موضوعية واضحة· فمساحة إيران التي تبلغ 1,6 مليون كيلومتر مربع تساوي أربعة أضعاف مساحة العراق· أما عدد سكان إيران فقد تجاوز 66 مليون نسمة عام 1997 أي ضعف عدد سكان كل الدول العربية الخليجية· ويلاحظ أن عدد سكان إيران يزداد بمعدل سنوي ثابت قدره %3 وهو من أعلى معدلات الخصوبة في العالم، الأمر الذي يعني أن عدد سكانها سيصل الى حوالي 110 ملايين نسمة بحلول عام 2005 لتصبح إيران بذلك الدولة العاشرة من حيث عدد السكان في العالم· إن الوضع السكاني المستقبلي لإيران سيشكل تحديا إضافيا للدول العربية المجاورة لها والتي تعاني، عموما، ليس من قلة السكان فحسب وإنما أيضا من اختلاله الواضح· كذلك تبدو إيران كقوة اقتصادية متنامية في الشرق الأوسط· فالناتج القومي الإيراني أصبح اليوم أكثر تنوعا من أي وقت آخر، ولم تعد مساهمة قطاع النفط والغاز فيه تتجاوز %15· وقد بلغ إجمالي الناتج القومي لإيران حوالي 120 بليون دولار عام 1997، ويشهد نموا سنويا قدره %3· أما معدل دخل الفرد في إيران فقد بلغ 1460 دولارا سنويا أي ما يوازي %14 فقط من متوسط معدل دخل الفرد في دول الخليج العربي· فضلا عن ذلك، فإن إيران تمتلك احتياطيا نفطيا يصل الى 100 بليون برميل، وهي بذلك واحدة من أهم الدول النفطية في العالم من حيث الاحتياطي، وكذلك من حيث الإنتاج النفطي اليومي الذي يزيد على 5 و3 ملايين برميل، لكن وعلى الرغم مما تملكه إيران من احتياطيات نفطية ضخمة إلا أنها ليست من الدول النفطية الغنية، فهي لا تمتلك فائضا ماليا يزيد على قدراتها الاستيعابية، كبقية الدول في الخليج العربي· بل إن هذا الاحتياطي النفطي لم يسهم في حل المشكلات الاقتصادية الإيرانية المستعصية، كالبطالة التي بلغت حوالي %20 والتضخم الذي يقدر بـ %40 سنويا والديون الخارجية التي بلغت حوالي 17 بليون دولار، أي أكثر من %18 من إجمالي الناتج القومي·

من ناحية أخرى، تبدو إيران كقوة عسكرية كبرى ومتنامية في منطقة الخليج العربي وذلك على أثر تزايد انفاقها العسكري الذي تجاوز الـ 4 بلايين دولار عام 1996· من ناحية أخرى، بلغ عدد القوات المسلحة الإيرانية أكثر من 500 ألف جندي يضاف إليهم 450 ألف جندي من الاحتياط مدعومين جميعا بـ 1440 دبابة قتالية رئيسية، و300 طائرة مقاتلة قاذفة معظمها أمريكية الصنع، منها حوالي 60 طائرة من طراز "إف - 14"، لم تعد صالحة للعمل القتالي الفعال نتيجة للنقص الشديد في قطع الغيار· كما تعتمد القدرات العسكرية الإيرانية على الحرس الثوري الذي تشكل بعد قيام الثورة وتطور الى قوة قتالية دفاعية وهجومية خلال سنوات الحرب مع العراق· والواضح أنه وبرغم  كل الجهود الحثيثة لاقتناء المعدات الحربية الحديثة فإن إيران ما زالت تعاني من الضعف في المعدات الأساسية، وذلك بسبب سياسة الاحتواء المزدوج الذي أكد فعاليته على الصعيد العسكري أكثر من أي صعيد آخر· وتحاول إيران حاليا الاستعاضة عن كل ذلك باللجوء للخيار النووي والسعي لتطوير قدراتها الصاروخية والنووية، وبخاصة بعد شرائها المواد والتكنولوجيا الضرورية لإنتاج السلاح النووي· لكن أي نشاط نووي إيراني سيكون خاضعا للرقابة الدولية بحيث يصعب عليها إنتاج أسلحة نووية في المستقبل المنظور· كما تبدو إيران نشطة في مجال إنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، ويعتقد أن إيران قطعت شوطا مهما في هذا السياق بعد بناء مصانع ومنشآت لإنتاج غاز الأعصاب بالتعاون مع الصين الشعبية· ويلاحظ أن إيران نجحت أيضا في تطوير صناعاتها العسكرية وبخاصة في مجال الأسلحة الخفيفة وإنتاج عربات مدرعة وطائرات تدريب صغيرة· لذلك فإن إيران ربما كانت متفوقة عسكريا على جميع دول الخليج· بيد أن هذا التفوق يبقى مجرد تفوق في الكم فقط وليس من حيث النوع· 

إرهاصات ثورية 

لا بد من الإشارة الى أن إيران، وعلى الرغم من انتخاب الرئيس محمد خاتمي مؤخرا، لا تزال تعيش حالة من الإرهاصات الثورية التي تؤثر في سياساتها ومواقفها وتخلق ظروفا سياسية داخلية غير مستقرة، وبالتالي سلوكيات خارجية متضاربة أشد التضارب· إن انتخاب محمد خاتمي رئيسا للجمهورية وتسلمه لمهامه في شهر أغسطس عام 1997 أدخل إيران الى مرحلة من الاستقرار السياسي الذي تجسد في شكل العديد من المؤشرات التي تؤكد أن إيران ربما كانت مقبلة على تحولات سياسية وثقافية واجتماعية مثيرة وحقيقية تشير الى دخولها مرحلة من انحسار الثورة وترسيخ الدولة ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية المنتخبة انتخابا حرا· إن الاتجاه العام السائد في إيران هو نحو الاعتدال والانفتاح على الخارج، بما في ذلك الدول العربية وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي أخذ الرئيس الإيراني الجديد على عاتقه مسؤولية إجراء حوارات شعبية معها ما أدى الى أن يطرح الرئيس الأمريكي فكرة إجراء مصالحة حقيقية مع إيران· لكن مهما كانت الإفرازات النهائية للانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة· فإن إيران لا تزال تعيش تداعيات حرب عنيفة ومكلفة خاضتها مع العراق، دامت أكثر من ثماني سنوات وأثرت تأثيرا حاسما في بنيتها التحتية ومرافقها الحيوية وقدراتها العسكرية· كذلك تعيش إيران صراعات داخلية غير مقننة بين تيارات سياسية وأيديولوجية، معتدلة ومحافظة، ومتوثبة ضد بعضها· فضلا عن ذلك، فإن إيران تعيش أيضا حالة من الحصار السياسي والاقتصادي المرتبط بسياسة الاحتواء المزدوج التي وضعت إيران في حالة من المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، القوة العظمى الأولى أن لم تكن الوحيدة في ظل النظام العالمي الجديد·

هذا في ما يتعلق بالأوضاع الداخلية العامة لكل من إيران وتركيا، والتي نبرز إمكانية تأثيرهما على أولويات النظام الإقليمي العربي في ظل واقع الضعف العربي والتجزئة السائدة، وفي هذا السياق تبرز بقية دول الجوار الواقعة في قارة أفريقيا البالغ عددها تسع دول، هي اريتريا وأثيوبيا وأوغندا وزائير وتشاد وأفريقيا الوسطى والنيجر ومالي والسنغال، كمجموعة من الدول شديدة التواضع في مواردها الطبيعية وإمكاناتها البشرية والاقتصادية وقدراتها الإنتاجية واستعداداتها العسكرية· 

حزام البؤس 

إن دول الجوار الأفريقية هي، ربما، من أكثر الدول فقرا في العالم، وتنتمي الى مجموعة من الدول التي تعرف بدول "حزام البؤس" حيث المعاناة البشرية فيها بلغت أقصى الدرجات، في ظل تدهور شنيع للظروف الحياتية والمعيشية، فالنيجر هي في آخر قائمة دول العالم من حيث مؤشرات التنمية البشرية، وكذلك هي حال كل من مالي وأثيوبيا وتشاد وأوغندا، ومع أن أفريقيا الوسطى وزائير، وربما اريتيريا، تبدو نسبيا أحسن حالا على صعيد التنمية البشرية إلا أن معدل عمر الفرد في جميع هذه الدول يبقى الأدنى في العالم ولا يتجاوز 50 عاما· كما أن نسبة الأمية فيها هي الأعلى في العالم وتصل في المعدل الى %70 من عدد السكان بل تصل نسبة الأمية الى حوالي %90 في النيجر، وتعتبر أعلى نسبة أمية في العالم· فضلا عن ذلك، فإن معدل دخل الفرد في دول الجوار الأفريقية يتراوح بين 300 الى 600 دولار سنويا، وهو بكل وضوح الأدنى في العالم، ويعني أن الفرد في النيجر وتشاد ومالي وأثيوبيا، مثلا، يعيش بمستوى معيشي قدره أقل من دولار في اليوم الواحد على مدار العام· ولا يتوقع أن تتحسن الظروف الحياتية لهذه الدول في المستقبل المنظور· كما لا يتوقع أن تمتلك هذه الدول قدرات عسكرية فعالة في المستقبل القريب أو تطور استعداداتها العسكرية الراهنة التي تعتمد على انفاق عسكرية سنوي متواضع لا يتجاوز 20 مليون دولار للنيجر وحوالي 50 مليون دولار لمالي، كحد أقصى· بيد أن الأهم من كل ذلك هو أن هذه المجموعة من دول الجوار تتسم أوضاعها السياسية الداخلية بعدم الاستقرار، وتعاني من الاضطرابات والتوترات والحروب الأهلية العنيفة والمزمنة تجعلها في حالة دائمة من الانشغال بالهموم المحلية والداخلية·

إن حالة الاستثناء الوحيدة هي أثيوبيا التي لها حدود مشتركة مع ثلاث دول عربية هي السودان والصومال وجيبوتي· وتأتي أهمية أثيوبيا من كونها· تتشكل في غالبيتها البشرية من قومية عريقة ومنافسة للقومية العربية، وتنتمي الى تراث حضاري مختلف عن التراث الحضاري العربي والإسلامي· كما تكمن أهمية أثيوبيا في تحكمها بمنبع نهر النيل الذي يمر في الأراضي السودانية والمصرية والذي تحاول أثيوبيا حاليا إقامة العديد من السدود على مجراه الحيوي، الأمر الذي ربما :يؤثر سلبا على الحصص المائية لكل من السودان ومصر· وتستمد أثيوبيا حضورها من تعداد سكانها البالغ 55 مليون نسمة ومن إجمالي ناتج قومي يصل الى 5 بلايين دولار وإنفاق عسكري سنوي يقدر بـ 150 مليون دولار وقوات مسلحة قوامها 120 ألف جندي· ومع أن أثيوبيا تعاني من الانفجار السكاني والتدهور البيئي والفقر الاقتصادي· إلا أنها أخذت مؤخرا تستعيد بعضا من حيويتها وتحقق الاندماج الاجتماعي والاستقرار السياسي النسبي، وذلك منذ قيام نظام الحكم الجديد المستند الى دستور يؤكد على الصيغة الفدرالية الأثنية، وبالتالي حق كل الشعوب المنتمية لأثيوبيا في تقرير المصير والحصول على الاستقلال الذاتي· لذلك ظلت أثيوبيا محافظة على موقعها الإقليمي التقليدي، وخصوصا بعد تحسن علاقاتها الخارجية مع الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة· لكن برغم مما تظهره أثيوبيا من حيوية نسبية، إلا أنها كبقية دول الجوار في أفريقيا لا تشكل حاليا أي تهديد للأمن القومي العربي· كما ليس لهذه المجموعة من دول الجوار أي تأثير ملحوظ على المواقف العربية والذي لا يمكن التعامل على الصعيدين القومي أو القطري وبحزم وربما بقدرات تفوق ما لدى أثيوبيا في الوقت الراهن وخلال المستقبل القريب·

باختصار، فإن دول الجوار الإحدى عشرة المحيطة بالوطن العربي ليست دولا موحدة في السمات والخصائص· بل هي دول متفاوتة أشد التفاوت في القدرات والإمكانات وفي تأثيرها على أولويات النظام الإقليمي العربي واختراقها للأمن القومي العربي· فالبعض من دول الجوار دول هامشية على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وليس لها أي حضور سياسي يذكر· لكن دولا أخرى من هذه الدول المحيطة بالوطن العربي تتمتع بقدرات وإمكانات تؤهلها للقيام بدور إقليمي فعال، ولها طموحات سياسية بل ونزعات توسعية تمارسها حاليا في الإطار الإقليمي، وعلى حساب العديد من الدول العربية· لكن مهما كان التفاوت في قدرات وإمكانات دول الجوار، ومهما كان الأمر بالنسبة لأهمية أو عدم أهمية تلك الدول، بل ومهما كان الأمر بالنسبة لقدرتها على اختراق أو عدم اختراق الوطن العربي، يبقى المدخل الصحيح للتعامل معها جميعا هو فهم هذه الدول على حقيقتها والتعرف عن قرب وبعمق وموضوعية على خصائصها وإمكاناتها وهمومها· فالواضح أن معرفة الدول العربية بدول الجوار ومعرفة دول الجوار بالدول العربية هي، في العموم، إما ضعيفة أو واهمة أو مشوهة· إن كل ما يعرفه كل منها عن الآخر يتم الحصول عليه بشكل غير مباشر ومن خلال وسائل الإعلام الأجنبية· ولا شك أن الاعتماد الكلي على المصادر الأجنبية والثانوية لفهم أوضاع دول الجوار يساهم، بطبيعة الحال، في التأسيس لفهم غير مكتمل ومشوش وقائم على الأوهام والتصورات الخاطئة والتي تتسبب في إقامة علاقات متوترة وصراعيه، وهي السمة التي تطبع الآن العلاقات بين الوطن العربي ودول الجوار· 

العلاقات الراهنة مع دول الجوار 

تشير كل الوقائع المعاصرة الى أن إدارة العلاقات بين الوطن العربي ودول الجوار لا تتم عربيا أو على الصعيد القومي· ليس هناك موقف عربي موحد تجاه دول الجوار ولا يتوقع لمثل هذا الموقف أن يتبلور قريبا، كما لا يتوقع للعلاقات مع دول الجوار أن تدار عربيا خلال المستقبل المنظور، وفي ظل استمرار واقع التجزئة السياسية العربية· فلكل دولة عربية مطلق الحرية في إدارة علاقاتها بالعالم الخارجي بما في ذلك دول الجوار· لذلك، فإن علاقات الوطن العربي بدول الجوار تدار قطريا وعلى مستوى كل دولة عربية وبما ينسجم مع مصالحها الخاصة واعتباراتها السياسية الذاتية والآنية· إن الاعتبارات الثنائية وليست الاعتبارات الجماعية هي التي تحدد شكل ومضمون العلاقات مع كل من تركيا وإيران وأثيوبيا وبقية دول الجوار، لذلك، فإنه في الوقت الذي تقيم إيران علاقات ودية ومتوازنة ونشطة مع بعض من الدول العربية، وترتقي بعلاقاتها مع دول عربية أخرى الى مستوى العلاقات الاستراتيجية، في هذا الوقت بالذات تكون علاقة إيران بدول عربية أخرى متوترة وأحيانا شديدة التوتر، بل وتصل الى حد العداء والصراع المكشوف والتدخل في الشؤون الداخلية وحتى الاحتلال لبعض من الأراضي العربية· كذلك، فإنه في الوقت الذي تحتل تركيا أراضي دولة عربية وتقوم بعمليات عسكرية في دولة عربية أخرى وتتعاون استراتيجيا مع إسرائيل وتقيم معها مناورات عسكرية استفزازية وموجهة أساسا ضد دول عربية محددة، في هذا الوقت بالذات تتمكن تركيا من إقامة علاقات ودية بدول عربية عديدة وتزيد من حجم علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع دول عربية أخرى· هذا الأمر لا يختلف كثيرا، أيضا، بالنسبة لأثيوبيا التي تدهورت علاقاتها مؤخرا مع دولتين عربيتين في الوقت الذي تحتفظ بعلاقات ودية واعتيادية مع أكثر من دولة عربية أفريقية وآسيوية· إن هذا التنوع في علاقة الوطن العربي بدول الجوار إنما يؤكد أنه لا توجد سياسة عربية للتعامل الجماعي مع الدول القريبة جغرافيا والتي هي بحكم هذا القرب من أكثر الدول تأثيرا على السياسات والمواقف العربية· 

الميل للصراع 

مع أن العلاقات مع دول الجوار لا تتم على الصعيد العربي وبرغم وجود العديد من مظاهر التعاون وحسن الجوار، إلا أن المناخ العام الراهن لعلاقة الوطن العربي بدول الجوار يميل للصراع والعداء وليس للتعاون والتعايش السلمي· فتركيا تجتاح حاليا الأراضي العراقية وتقوم بعمليات عسكرية مستمر ةعلى مدى الأربع سنوات الأخيرة وإيران خاضت حربا عنيفة ومكلفة مع العراق استمرت حوالي ثماني سنوات وتحتل منذ عام 1971 ثلاث جزر تابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة كما أنها ما زالت تسعى لتصدير مفاهيمها وقناعاتها الثورية الى الدول العربية المجاورة· كما خاضت أثيوبيا حربا دامية مع الصومال استمرت ست سنوات، وهي الآن في حالة حرب مع دولة عربية أخرى هي السودان· كذلك لا تخلو النظرة العربية الرسمية والشعبية الى دول الجوار من العداء والشك تجاه نوايا دول الجوار· وتميل هذه النظرة للاعتقاد بأن إيران وتركيا وأثيوبيا ودول الجوار الأخرى هي دول معادية وأنها تتربص بالدول العربية وتنتهز الظروف والفرص المناسبة لاحتلال الأراضي العربية والتوسع على حسابها والتدخل في شؤونها الداخلية، وذلك كما هو قائم حاليا· ولا يقتصر الأمر على الرؤية المعادية، بل إن اللغة واللهجة والكتابات هي عموما عدائية تجاه دول الجوار· كذلك، فإن الصورة النمطية لشعوب دول الجوار هي أيضا صورة مليئة بملامح العدو أكثر من كونها تتسم بملامح الجار الصديق الذي يربطه بالوطن العربي تاريخ مشترك وعقيدة مشتركة وحضارة واحدة·

صورة العرب في إدراك دول الجوار ليست أحسن حالا· ففي تركيا يبدو العربي، في وسائل الإعلام وفي الإدراك التركي عموما، إرهابيا ومتخلفا وخائنا وعدوا لتركيا· وتستمد هذه الصورة السلبية مشروعيتها من موقف الدول العربية والتي يعتقد على نحو واسع في الإدراك التركي، أنها تآمرت خلال هذا القرن مع الغرب ضد الامبراطورية العثمانية الأمر الذي أدى الى هزيمتها أمام الحلفاء في الحرب العالمية الأولى· أما إيران، فإنها تشعر باستمرار أنها مستهدفة من العالم العربي وأنها مهددة من الأغلبية السنية العربية ومن القومية العربية التي يعتقد على الصعيد الشعبي الإيراني أنها تناصب العداء للقومية الفارسية· أما أثيوبيا فتشعر أنها مهددة دائما في مسيحيتها المتميزة وفي انتمائها الأفريقي والزنجي، من قبل الدول العربية، الأمر الذي يفتح لإسرائيل مدّ نفوذها الى أثيوبيا وعبرها الى القارة الأفريقية ككل·

إن العلاقات الراهنة بين الوطن العربي ودول الجوار فيها الكثير من الصراع على أرض الواقع، كما على صعيد الإدراك العام· لكن هذه العلاقات لم تكن دائما وفي كل الفترات التاريخية علاقات صراعية أو عدائية أو صدامية· فتركيا التي تبدو حاليا أكثر عدائية تجاه الوطن العربي من بقية دول الجوار، كانت قبل عشر سنوات فقط بمثابة الحليف الإقليمي المحتمل، وكانت العلاقات العربية التركية في تطور مستمر على مختلف المستويات· كانت تركيا حريصة كل الحرص، خلال عقد الثمانينيات، على تنمية علاقات ودية مع الدول العربية· لذلك ازدهرت العلاقات العربية التركية وبلغت درجات متقدمة من التعاون الاقتصادي والسياسي بما في ذلك اعتراف تركيا بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ودعوتها الى إقامة الدولة المستقلة في فلسطين· كان ذلك قبل عشر سنوات، أما اليوم فإن تركيا تبدو حريصة كل الحرص على القيام بكل ما من شأنه استفزاز المشاعر العربية وتعميق المواجهة السياسية بينها وبين الدول العربية· لقد استغلت تركيا ظروف الحصار المفروض على العراق وتدهور قدراته العسكرية لكي تتغلغل عسكريا الى مساحات واسعة في شمال العراق واحتلالها احتلالا شبه دائم، وخلق مناطق أمنية عازلة· فضلا عن ذلك، فإن الأوضاع السياسية الداخلية في تركيا دفعت بالنخبة السياسية والعسكرية مؤخرا لتعميق التحالف مع إسرائيل من خلال توقيع ثلاث اتفاقيات أمنية وعسكرية في 23 فبراير 1996· لقد أكدت تركيا من خلال هذه الاتفاقيات تفضيلها لعلاقاتها مع إسرائيل على علاقاتها مع العرب· بل إن تركيا تنطلق من حقيقة أن العلاقة مع إسرائيل هي من ثوابت سياستها الخارجية وأن هذه العلاقة كانت وستظل أكثر أهمية وربحية من كل علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الدول العربية· إن الاتفاق الأمني الأخير بين إسرائيل وتركيا هو تتويج للعقيدة العسكرية التركية التي تنظر للدول العربية، وبخاصة سوريا والعراق، كعدوين استراتيجيين، لذلك، فإن هذه الاتفاقية موجهة في الأساس ضد كل من سوريا والعراق· فالاتفاقية لا تتضمن تبادل المعلومات الاستخبارية وإجراء مناورات عسكرية دورية فحسب بل إن أهم بند من بنود هذه الاتفاقية هو فتح المجال الجوي كل لكلتيهما، الأمر الذي يسمح بفتح المجال الجوي التركي أمام السلاح الجوي الإسرائيلي لمراقبة الحدود مع العراق وسوريا وجمع البيانات العسكرية الميدانية· إن تركيا هي اليوم من أكثر دول الجوار ارتباطا مع إسرائيل، وهو الارتباط الذي تطور حتى في ظل حكومة أربكان الإسلامية التي لم تدم طويلا· لقد أعربت الدول العربية عن الاستياء الشديد، والذي لم يخرج حتى الآن عن طور الاستياء اللفظي غير العملي، تجاه العمليات العسكرية التركية الدورية في شمال العراق وانتهاكها الدائم للأراضي العراقية· لقد تزايدت الادعاءات التركية في مدينة الموصل العراقية، وبالذات منذ انتهاء حرب الخليج الثانية عام 1991، وقد أعد الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال خطة لاقتحام شمال العراق وصولا الى الموصل بهدف ضمها· كما أن الدول العربية لا تنظر بالارتياح لتزايد مبادرات التعاون السياسي والاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل· ولا شك أن هذه المواقف والتحركات التركية العدائية أثرت على العلاقات العربية التركية التي تتجه نحو المزيد من التوتر على كافة المستويات· 

المثال الإيراني 

كانت إيران، قبل حوالي عشر سنوات، تخوض حربا شرسة داخل الأراضي العراقية وتهدد بتوسيع نطاق المعارك الى الدول العربية الخليجية المجاورة· كما كانت إيران تهدد علنا بتصدير الثورة للخارج وتدعم القوى الثورية والراديكالية التي كانت تسعى للإطاحة بالأنظمة السياسية العربية في النظام الإقليمي الخليجي· لقد كانت إيران، دون غيرها من دول الجوار، الخطر الاستراتيجي والسياسي المباشر والذي استنزف الكثير من الموارد العربية خلال عقد الثمانينيات والجزء الأول من عقد التسعينيات· كانت فترة التسعينيات بالذات فترة مضطربة في العلاقات العربية الإيرانية· ففي الجزء الأول من هذا العقد، قامت إيران بتعميق احتلالها لجزيرة أبو موسى من خلال تأكيد سيادتها عليها وبالتالي عدم الالتزام بالاتفاقية المبرمة في شأن وضع هذه الجزيرة العربية· هذا الاعتداء الإيراني تبعه تحرك دبلوماسي إماراتي نشط للتنديد بالإجراءات الإيرانية ومطالبة إيران بإنهاء احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث· وحصلت الدبلوماسية الإماراتية على الدعم الخليجي والمساعدة العربية والتفهم العالمي الأمر الذي ضاعف من توتر العلاقات العربية الإيرانية· كذلك تعقدت علاقات إيران بالبحرين خلال هذه الفترة، وذلك على أثر تزايد موجات العنف التي تخللتها تظاهرات وإحراق للممتلكات، ألقت حكومة البحرين بالمسؤولية الكاملة عنها على إيران· وتبادلت كل من إيران والبحرين طرد السفراء وارتفعت حدة الحملات الإعلامية بينهما· كما شهدت العلاقات الإيرانية ــ السعودية تدهورا إضافيا خلال التسعينيات، على أثر انفجار الخبر والاعتقاد بتورط جماعات إسلامية معارضة مرتبطة بإيران في هذا الانفجار الذي استهدف الثكنات العسكرية الأمريكية في مدينة الخبر في المملكة العربية السعودية· لكن، وبعد فترة من التصعيد على الجبهات كافة، بين إيران وجاراتها من الدول العربية، بدأت العلاقات العربية الإيرانية تدخل مرحلة جديدة من تخفيف التوترات· فالأجواء المشحونة بسوء الفهم تبددت نسبيا خلال السنة الأخيرة وبخاصة في الفترة التي تلت انتخاب محمد خاتمي رئيسا للجمهورية الإسلامية في إيران، والذي أعلن أن أحد أهم أولوياته السياسية تحسين العلاقات مع الدول العربية· وشمل التحسن المفاجئ جميع الأطراف بما في ذلك الأطراف القريبة كالمملكة العربية السعودية والبحرين والعراق والأطراف البعيدة التي شملت مصر والمغرب وتونس ولبنان، حيث وعدت إيران بالمشاركة في عملية إعادة إعمار لبنان، والسودان التي شهدت علاقاتها مع إيران دفعة جديدة مع توقيع اتفاقية لمقايضة النفط الإيراني بالمنتوجات الزراعية السودانية· إن الاستثناء الوحيد لهذه التطورات الإيجابية في العلاقات العربية الإيرانية والتي أطلق عليها وصف "ربيع العرب في إيران"، هو الموقف الإيراني من قضية جزر الإمارات المحتلة التي لم تبد إيران، حتى الآن، أي تجاوب لحلها حلا سلميا برغم أهمية الزيارة التي قام بها وزير خارجية إيران كمال خرازي الى دولة الإمارات العربية المتحدة في نهاية شهر مايو 1998، والتي أسست لفصل جديد في العلاقات بين الدولتين· لكن وبالرغم من الموقف الإيراني المتعنت من هذه القضية، فإن إيران هي اليوم أكثر دول الجوار دعوة لفتح صفحة جديدة في العلاقات مع الدول العربية، وبخاصة دول الخليج العربي· 

الخطاب السياسي الإيراني 

فمن ناحية لم تعد إيران تهدد بتصدير الثورة الى الخارج بل عوضا عن ذلك هناك رغبة إيرانية في تحسين صورة الثورة الإسلامية مسنودة بنزعة واقعية ملحوظة في الخطاب السياسي الإيراني الراهن والتي برزت بكل وضوح خلال انعقاد مؤتمر القمة الإسلامية في طهران· إن إيران هي اليوم الدولة التي تطلق المبادرة لتهدئة القضايا الخلافية مع دول الخليج العربي وتجدد استعدادها لفتح حوار جاد معها من أجل جعل منطقة الخليج العربي خالية من أسلحة الدمار الشامل وضمان السلام والاستقرار فيها· وهي التي تسعى لتعزيز الثقة المتبادلة من خلال خفض الانفاق العسكري وزيادة الشفافية في البرنامج العسكري الإيراني· وهي أيضا التي تؤكد على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتدعيم مظاهر التعاون مع جميع الدول العربية، بل إن إيران أعلنت لأول مرة استعدادها لإجراء حوار معمق في إيران أو في الإمارات، وعلى أي مستوى تطلبه الإمارات، لحل مسألة الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى التي احتلتها إيران عام 1971· 

الاتجاه العربي لخاتمي 

إن من أهم نتائج التوجهات الإيرانية الجديدة التي تقودها شخصيات قيادية ذات اتجاهات عربية في إدارة الرئيس خاتمي، هو عودة العلاقات الدبلوماسية بين إيران والبحرين ووقف الحملات الإعلامية بينهما· كما أن من نتائج هذه التوجهات التحسن المطرد في العلاقات السعودية الإيرانية، التي شهدت انفراجات سياسية مهمة خلال الفترة الأخيرة بما في ذلك حضور الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ولي عهد المملكة العربية السعودية، مؤتمر القمة الإسلامية في طهران وعقده لقاءات مكثفة مع المسؤولين الإيرانيين، ومن قبل ذلك عودة الرحلات الجوية المباشرة وتوقيع اتفاق للتعاون الصناعي بين المملكة العربية السعودية وأكبر شركة صناعية إيرانية فضلا عن اللقاءات والحوارات التي تمت على أعلى المستويات بين القيادة السياسية في كل من البلدين· لقد أدت هذه الحوارات الى توقيع اتفاقية للتعاون بين السعودية وإيران تغطي كل من المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والعلمية والثقافية والرياضية والشبابية· جاءت هذه الاتفاقية، والتي هي الأولى من نوعها منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، لتضع الأطر الرسمية والقانونية لتحسين العلاقات بين الدولتين· كما شهدت المبادلات التجارية بين إيران والدول الخليجية الأخرى، وبخاصة عمان، دفعة قوية خلال هذه الفترة بشكل خاص· فقد ارتفع حجم التجارة البيئية بين إيران وهذه الدول الى مستويات غير معهودة في السابق· كما برزت المشروعات الاقتصادية المشتركة بمبادرات القطاعين العام والخاص· تبقى الإشارة الى أن إيران ظلت محافظة على موقفها المبدئي تجاه إسرائيل بما في ذلك ما ورد في خطاب الرئيس خاتمي الى الشعب الأمريكي والذي وصف فيه إسرائيل كدولة عنصرية· والواضح أن إيران لا تزال تتعامل مع الصراع العربي الصهيوني من منطلق أنه صراع وجود وليس مجرد صراع حدود· كما لا تزال إيران أكثر تشددا في عدم التعامل مع الكيان الصهيوني من معظم الدول العربية بل إنها أكثر تأكيدا على الحقوق الفلسطينية المشروعة وعدم المساومة فيها· وهي حريصة على تأكيد هذه المواقف المبدئية من خلال دعمها للقوى الجهادية الإسلامية التي تتبنى المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي· ولا شك أن إيران تدفع ثمن هذه المواقف المبدئية في شكل العزل السياسي والحصار الأمريكي واتهامها بدعم الإرهاب في العالم· كل هذه المستجدات على العلاقات العربية الإيرانية جعلت من المشروع القول إن إيران كانت اليوم أكثر قربا للعرب من أي وقت آخر، وإنها ربما قد تحولت من مصدر تهديد الى رصيد محتمل للأمن القومي العربي· 

أثيوبيا وتهديدها لجيرانها 

هذا في ما يتعلق بالتطورات الراهنة في علاقة كل من إيران وتركيا بالوطن العربي· أما أثيوبيا، فمع أنها أقل أهمية من تركيا وإيران، بل إنها وبرغم انشغالها الشديد بهمومها الداخلية وبحربها المفاجئة مع اريتريا، إلا أنها ما زالت تشكل تهديدا لدولتين عربيتين هما السودان والصومال، وما زالت علاقاتها بهما تتسم بالتوتر الذي يتفاقم يوما بعد يوم نتيجة لدعم أثيوبيا للحركات الانفصالية التي تهدد وحدة كل من السودان والصومال· ولا يخلو الأمر من وجود محاولات إقليمية ودولية تعمل في اتجاه تغذية الخلافات بين الدول العربية والدول الأفريقية، كأثيوبيا وارييتريا· فهناك اعتقاد غير مؤكد بضلوع إسرائيل في مغامرة اريتريا لاحتلال جزر حنيش وتحريضها لضم حوالي 20 كيلو مترا مربعا من الأراضي الجيبوتية الواقعة على البحر الأحمر· كما لا يستبعد تدخل إسرائيل في القضية المائية العالقة بين أثيوبيا وكل من السودان ومصر· فقد قامت إسرائيل مؤخرا بتوقيع اتفاقية من أجل إقامة سد لتوليد الكهرباء على نهر النيل في أثيوبيا التي تعتبر نافورة مياه بفضل كثرة الأنهار التي تنبع منها والتي يبلغ عددها 11 نهرا تتجه إما الى الصومال أو السودان، وتساهم بما يوازي %85 من نهر النيل· إلا أنه، وبالرغم من وجود مؤشرات غير مؤكدة على ضلوع إسرائيل في تعميق الخلافات العربية الأفريقية يبقى الجزء الأكبر من هذه الخلافات من صنع الدول العربية والأفريقية ذاتها، وخصوصا أن معظم هذه الخلافات تتمحور حاليا حول علاقة السودان المتدهورة مع كل من اريتيريا وأثيوبيا وأوغندا· لقد كانت السودان على علاقات طيبة مع جميع دول جوارها حتى وقت قريب· لكن هذه العلاقات سرعان ما تدهورت في ظل اتهام الدول الأفريقي المجاورة للسودان بالتدخل في شؤونها الداخلية، عبر دعم المنظمات الإسلامية في تلك الدول· لذلك أصبحت السودان تعيش خلافات وصراعات شديدة مع اريتريا وأثيوبيا وأوغندا وحتى مصر· يأتي الخلاف السوداني الاريتري على رأس قائمة الخلافات حاليا· فقد قطعت الدولتان العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1994، نتجة لادعاء اريتريا أن النظام في السودان يدعم تنظيما إسلاميا جهاديا معارضا للحكومة الاريتيرية الراهنة· وتبع هذا التدهور في العلاقات تسليم الحكومة الاريترية لمقر السفارة السودانية للحركات المعارضة السودانية والسماح لها ببث إذاعي موجه للسودان، بل إن اريتريا أعلنت رسميا استعدادها لدعم هذه الحركات عسكريا وسمحت لها بإقامة معسكرات تدريبية· ثم هناك الخلاف السوداني الأثيوبي المتأجج حيث تتهم أثيوبيا السودان بدعم الحركات المعارضة الأثيوبية وبخاصة الجبهة الإسلامية لتحرير أوروميا جانا· في المقابل، تتهم السودان أثيوبيا بمساعدة جون قرنق والانفصاليين في الجنوب· ثم جاءت محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا لتزيد من التوترات بين السودان وأثيوبيا· وأخيرا هناك النزاع السوداني الأوغندي حيث تتهم أوغندا السودان بدعم الثوار الأوغنديين الذين يعملون على إطاحة النظام السياسي الحاكم· في المقابل تتهم السودان أوغندا بدعم قوات جون قرنق· لقد تفاقم النزاع بين السودان أوغندا الى حد قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين عام 1995· ولا يزال التوتر قائما بينهما برغم كل محاولات الوساطة التي بذلت لحل هذا الخلاف، بما في ذلك آخر هذه المحاولات تحت رعاية نيلسون مانديلا رئيس جنوب أفريقيا "السابق" في أغسطس 1997، وقبل ذلك بسنة محاولة الوساطة التي قام بها الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني·

يتضح من هذا الاستعراض للعلاقات العربية الأفريقية أن السودان بسياساته وتوجهاته الأيديولوجية هو محور جميع الخلافات الراهنة مع دول الجوار الأفريقي، بل إنه ربما قد تحول الى عامل من عوامل عدم الاستقرار الإقليمي في القرن الأفريقي (أبو الفضل 1997)· ويبدو أيضا أن الجزء الأكبر من الخلافات مع دول الجوار هي خلافات واهمة وغير واقعية· فالنظام الإسلامي في السودان ليس مستهدفا من قبل الدول المجاورة· كما لا توجد وقائع تؤكد ضلوع إسرائيل مع اريتيريا أو أثيوبيا في مغامرة الأولى ضد جزيرة حنيش أو في توجه الثانية لاستغلال مياه النيل لتوليد الكهرباء أخيرا، لا بد من الإشارة الى أنه وعلى العكس من هذا الواقع المتوتر والمليء بالصراعات في الشرق الأفريقي، فإن كافة الجبهات في الوسط والغرب الأفريقي تشهد تهدئة ملحوظة للنزاعات التقليدية· فالنزاع الليبي التشادي تم تجاوزه بالتفاوض وبعد أن أنهت ليبيا دعمها لحركة المعارضة التشادية، وتم تسليم شريط أوزو لتشاد· كما تم احتواء النزاع السنغالي الموريتاني الذي تأجج فجأة خلال السنوات الأولى من عقد التسعينيات· هذه التطورات الإيجابية في الوسط والغرب الأفريقي لا شك أنها ستعيد التوازن الى العلاقات العربية الأفريقية التي هي الآن في غاية السوء ويغلب عليها الصراع والعداء بدلا عن التعاون وحسن الجوار والتعايش السلمي·

إن علاقات الوطن العربي بدول الجوار، وبخاصة مع كل من تركيا وإيران وأثيوبيا، هي الآن في حالة سيولة· وإذا كانت هذه العلاقات تبدو اليوم وكأنها أقرب الى حالة العداء فإنها حتما لم تكن هكذا في السابق وحتما لا ينبغي لها أن تكون كذلك خلال المستقبل· 

مستقبل العلاقات مع دول الجوار 

كل المؤشرات تدل على أن العلاقات المتوترة الراهنة القائمة بين الوطن العربي ودول الجوار ستستمر خلال السنوات القليلة المقبلة· فالخلافات العقائدية والسياسية والحدودية العميقة لا تزال فاعلة ولم يتم حسمها الحسم النهائي، ولا يتوقع حسمها في المستقبل المنظور· كما أن الضعف العربي الراهن يغري بعضها ودول الجوار بممارسة النفوذ والتغلغل في الشأن العربي من أوسع الأبواب· كذلك فإن القوى الخارجية الإقليمية والدولية تؤجج الخلافات بين الوطن العربي ودول جواره، وتستغل كل الفرص الممكنة لتعميق التباعد بينهما· لذلك، ليس هناك أي أمل، في المدى القريب، في حدوث تقارب بين الدول العربية ودول الجوار· فبرغم القرب الجغرافي تبقى احتمالات الصراع هي الأكثر واقعية· فالعلاقات مع إيران، وبالرغم مما تشهده حاليا جزر الإمارات وعدم الالتزام بالاتفاقية الموقعة بين الجانبين بالنسبة للسيادة على جزيرة أبو موسى· والعلاقات مع تركيا ستشهد المزيد من التدهور بسبب التقارب التركي الإسرائيلي وبسبب الإصرار التركي على التوغل في شمال العراق من دون أي احترام لسيادة العراق· أما العلاقات مع دول الجوار الأفريقي وبخاصة مع أثيوبيا واريتريا، فإنها تبدو في غاية السوء الآن وستظل كذلك، ولا يتوقع لها أن تشهد أي تحسن خلال المستقبل المنظور·

لا شك أن العلاقات المتوترة القائمة حاليا مع دول الجوار ليست في مصلحة الوطن العربي، كما أنها ليست في مصلحة دول الجوار، فالعلاقات المتوترة والمستمرة في التوتر تستنزف الموارد وتزيد من الأعباء الأمنية وتخلط الأولويات وتحول الصديق الى عدو· إن الثمن الذي يدفعه الوطن العربي وتدفعه دول الجوار لمثل هذه العلاقات الصراعية فادح ولا ينبغي الاستمرار فيه، بل ربما لم يعد ممكنا تحمله· لذلك، فإنه من المهم تصحيح هذه العلاقات وتفادي تكرار الخلافات والنزاعات، إن الخطوة الأولى الضرورية لتجاوز التدهور الراهن في العلاقات هو التوصل الى ميثاق بعدم الاعتداء، وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية· لقد أصبح توقيع مثل هذا الميثاق الثنائي والجماعي إحدى أهم الأولويات السياسية العربية خلال الفترة المقبلة·

أما الخطوة الثانية في سياق تصحيح العلاقات مع دول الجوار فتكمن في التعرف عن قرب على أوضاعها الداخلية والاطلاع على اتجاهاتها التنموية وسياساتها الخارجية ومساراتها المستقبلية· إن الفهم العميق لظروف دول الجوار هو المدخل الصحيح لإقامة علاقات صحية وعقلانية وتعاونية مستديمة· ولن يتم التأسيس لمثل هذا الفهم إلا من خلال معلومات أولية ومن خلال مراكز البحوث والدراسات المتخصصة، وكذلك من خلال الحوار المباشر الذي يتم عبر الوسائل الرسمية وغير الرسمية· إن علاقات الوطن العربي بدول الجوار بحاجة الى جرعة كبيرة من العلاقات الإنسانية والشعبية والتي تستمد حيويتها من التشديد على الجوار التاريخي وليس فقط الجوار الجغرافي· كما تستمد هذه العلاقات قوتها من البعد العقائدي والروابط الاجتماعية التي تراكمت عبر القرون والتي يمكنها فتح أبواب واسعة للتعاون، أو، كحد أدنى، وقف العداء المتبادل الراهن، إن المطلوب التعامل مع دول الجوار تعاملا شموليا وليس سياسيا فقط، على أن يكون الهدف الاستراتيجي والبعيد المدى لهذا التعامل الشمولي هو تحويل دول الجوار من تهديد الى رصيد· ويمكن تحقيق هذا الهدف على المدى القصير من خلال تخفيف حدة التوترات والصراعات، حتى لو تطلب ذلك تقديم بعض من التنازلات· أما على المديين المتوسط والبعيد فيمكن تحقيق هذا الهدف من خلال إقامة نظام للتعاون الإقليمي وإقامة منطقة للتجارة الحرة وقيام تكتل اقتصادي يعود بالفائدة على الدول العربية ودول الجوار معا، والتي عانت بما فيه الكفاية من الحروب العنيفة والمعارك المفتعلة·

أخيرا، فإن ما سيدفع الى تحسين العلاقات مع دول الجوار وتحويل ميزان القوى في هذه العلاقات لصالح الوطن العربي، هو إنهاء واقع التجزئة السياسية العربية والانتقال الى واقع التعاون والوحدة· إذ كلما ازداد التنسيق العربي وكلما تعمق التعاون بين الدول العربية وكلما تم تجاوز الخلافات العربية البينية، تم في المقابل تحسين العلاقات مع العالم الخارجي بما في ذلك دول الجوار· كل ذلك لا يعني تجاوز الواقع والقفز على الحقائق· فعلاقة الوطن العربي مع دول الجوار تخضع لقانون الصراع والتعاون بين الدول· ففي أحسن حالات التعاون هناك دائما إمكانية الصراع، كما أنه وفي أقسى حالات الصراع هناك احتمالات التعاون بين الدول العربية ودول الجوار·

* مجلة العلوم الاجتماعية المجلد 27 العدد 1 ربيع 1999

** أستاذ مشارك بقسم العلوم السياسية - كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية - جامعة الإمارات العربية المتحدة

طباعة