رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 25 صفر غرة ربيع الأول 1420هـ - 9 - 15 يونيو 1999
العدد 1380

دروس الحرب في يوغسلافيا
بلغراد استسلمت.. فماذا بعد؟

كتب محرر الشؤون الخارجية:

لماذا وافق الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش على الخطة الغربية - الروسية لإنهاء حرب البلقان؟ وما هي آفاق المرحلة المقبلة في حال توقف الغارات؟ وهل يعيد تاريخ أزمة الخليج الثانية (بفعل الغزو العراقي للكويت) نفسه في كوسوفو ويوغسلافيا؟

كان الإجماع شبه تام في الصحافة العالمية على هزيمة ميلوسيفيتش· فالخطة الجديدة، التي كانت ثمرة مناقشات صعبة بين ممثل الرئيس الأوروبي رئيس فنلندا مارتي اهيتساري والمبعوث الروسي فيكتور تشير نوميردين والموفد الأمريكي ستروب تالبوت، لا تختلف كثيرا عن مضمون اتفاق رامبوييه، الذي رفض الصرب توقيعه في مارس الماضي·

أما وجه الاختلاف الوحيد بين الاتفاق والخطة فهو أن الأخيرة، تقر وإن بصورة غامضة ببقاء كوسوفو ضمن الاتحاد اليوغسلافي· فالاتفاق كان يقضي بمرحلة انتقالية من ثلاث سنوات يقرر بعدها أهالي الإقليم بانتخابات حرة مصيرهم·

وهذا الاختلاف، ربما كان المكسب الشكلي الوحيد الذي يشغله ميلوسيفيتش حتى يروج، وسط نزعة قومية متنامية، لنفسه مدافعا عن المصالح القومية والتاريخية للصرب· ومع ذلك تبقى الصيغة غامضة· فالخطة الأخيرة تقر بقاء كوسوفو، المستقلة ذاتيا، ضمن الاتحاد· لكنها في بندها الثامن تقول: "البدء بعملية سياسية ترمي الى إبرام اتفاق إطار سياسي انتقالي يضمن قيام إدارة ذاتية واسعة الصلاحيات في كوسوفو مع الأخذ بالاعتبار اتفاق رامبوييه ومبادئ سيادة وسلامة أراضي جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية وبقية دول المنطقة فضلا عن نزع سلاح جيش تحرير كوسوفو·" وهكذا يبقى مصير كوسوفو معلقا على تطورات مقبلة مجهولة·

 

رهانات بلغراد الخاسرة

 

في أي حال، أخفقت رهانات ميلوسيفيتش· فقد لزمته حملة جوية منذ 24 مارس الماضي حتى يقبل الجزء الأعظم مما رفضه في رامبوييه ومنه وجود القوات الأطلسية في كوسوفو وإقامة وصاية دولية على هذا الإقليم· وإذا كان الإقليم يبقى شكليا في الاتحاد، فهو يخرج عمليا على سلطته· لكن المناورة ليست أمرا طارئا في سياسة الرئيس اليوغسلافي إنما جوهرها الأساسي، لا سيما بعد غلوه، مثل كثير من زعماء البلقان في القومية·

في عام 1991، اطلق ميلوسيفيتش شعبه في حملة ترمي الى إقامة صربيا الكبرى· لكن هذا الحلم كان يتقلص مع استشراء الصراعات القومية· فقد انفصلت الجمهوريات الأخرى المكونة للاتحاد اليوغسلافي الذي أسسه جوزف بروز تيتو· وخرج الصرب مطرودين من كرايينا وسلافونيا الشرقية (كرواتيا حاليا) وفي دايتون، تخلى ميلوسيفيتش عن حلفائه الصرب في البوسنة مقابل حصوله على اعتراف دولي بدوره·

وبعدما نال سمعة جيدة في الولايات المتحدة باعتباره فارضا للسلام في البوسنة، استدار ميلوسيفيتش نحو كوسوفو التي يعتبرها الصرب مهد الكنيسة الارثوذكسية ومخزن الذكريات القومية عن مجابهة التوسع العثماني في القرن الرابع عشر·

بعد عشر سنوات من إطلاقه شعار أن أحدا لن يستطيع إلحاق الهزيمة بالصرب" مارس ميلوسيفيتش سياسة التطهير العرقي في كوسوفو لضرب التوازن الديمغرافي مقتنعا بأن الغربيين لن يقبلوا أبدا التورط في النزاع من أجل المسلمين وعاصمتهم بريشتينا· وبالاستفادة من تكتيك كان نافعا جزئيا في البوسنة، راهن ميلوسيفيتش على أن نقاط الضعف لدى الغربيين هي أكثر مما يسمح لهم بالتدخل· لكنه ذهب في ذلك الى أكثر مما يحتمل الواقع، لأنه أوغل في ما يتخطى سقف صبر الغرب·

بعد بداية الغارات الجوية على يوغوسلافيا، راهن ميلوسيفيتش على مقاومة أقوى (معنويا) في تضامن الدول الحليفة، وكان يشجعه في ذلك زيارات لبلغراد يقوم بها قادة غربيون من الصف الثاني ونزاعات داخلية في حكومات أوروبية، كما التباين بين الرئيس والكونغرس الأمريكيين·

لكن ميلوسيفيتش غالى في تصوير قدراته· فقد توقفت بعد حين تظاهرات القوميين واعتصاماتهم عند الجسور الرئيسة، في حين أخذت تظهر شعارات مناهضة للحرب في البلديات التي تتولاها المعارضة· وتضاعفت حالات الفرار من الجيش في حين كان يزداد تماسك الحلف الأطلسي· ثم خدع ميلوسيفيتش نفسه بدور محتمل لروسيا· فهذه الأخيرة لم تقدم إليه أي مساندة باستثناء "تظاهرات" بحرية في البحر الأبيض المتوسط· ولم ينل الرئيس اليوغسلافي أي عون رسمي برغم إعلان "اتحاد الشعوب السلافية" الذي يضم يوغوسلافيا وبيلاروسيا وروسيا· حتى أن الروس أخذوا يميلون نسبيا الى شروط الأطلسي لاسيما بعد انتصار معسكر الموالين للغرب في الكرملين والبرلمان·

ولما شعر بعزلته، لاسيما بعد ما تخلى عنه الروس، واتهمته محكمة الجزاء الدولية بارتكاب جرائم حرب، استنتج ميلوسيفيتش أن إخفاقه الأخير يقوده الى مأزق· فهو يستطيع الآن تأخير الاستحقاق، ومنه دخول الغرب عنوة وإن سلما الى كوسوفو، وتصاعد المعارضة وكف يده عن الألبان، لكنه لا يستطيع تفادي الاستحقاق الى ما لا نهاية· وإذا كان يحاول إقناع مواطنيه بأنه أصيب بهزيمة مشرفة فهو لا يملك وسائل كافية لذلك·

 

بلغراد كما بغداد؟

 

لكن هل يبقى ميلوسيفيتش مثلما بقي صدام حسين، ليبقى معه التوتر الإقليمي؟ فثمة أوجه شبه بين الأزمتين العراقية واليوغسلافية· فالتحالف الدولي في حرب الخليج استعاد تحرير الكويت من الغزو العراقي بناء على تفويض دولي· لكن صدام بقي، خلافا لما توقع المراقبون والرئيس الأمريكي السابق جورج بوش عام 1991، ليبقى معه خطر الترسانة العراقية، الخارجة الآن على أي مراقبة دولية· بل إن الملف العراقي الذي أخفقت الولايات المتحدة في حله حتى الآن وفق ما ترغب، ترك آثاره في قضايا عدة أهمها عملية السلام في الشرق الأوسط· وقضية الأكراد وحتى الوضع الداخلي في بعض الدول العربية· فهل ينجح ميلوسيفيتش على هذا النحو؟

روسيا والصين

قبل كل شيء، لم تنته الأزمة اليوغوسلافية حتى الآن، والتدخل الجوي الأطلسي كان من دون تفويض دولي، إنما فرضه ميزان القوى الجديد عقب الحرب الباردة· لكن الحل النهائي يتطلب، رسميا (حتى لو لم ترغب الولايات المتحدة كثيرا) قرارا من مجلس الأمن الدولي يتطلب بدوره موافقة روسيا والصين· فالأولى يمكن الغرب أن يرضيها ببعض التنازلات الشكلية، مثل الاعتراف بدورها كقوة عظمى، وإغراؤها بالقروض المالية وهي في أزمة اقتصادية تزداد تفاقما· أما الثانية فلم تكد تخرج بعد من صدمة قصف سفارتها في بلغراد بطريق الخطأ· لكن الصين، التي تراهن على العزة القومية لا تستطيع السير بعيدا في معارضة الغرب إنما بحساب· فالتظاهرات الحاشدة أمام سفارتي الولايات المتحدة وبريطانيا، كانت محسوبة بطريقة تؤدي، في آن واحد، الى تفريغ الغضب القومي، لكن لا تزعزع سياسة الإصلاح والانفتاح التي يتبعها الرئيس جيانغ زيمين· ويعتقد البعض أن لاعتذارات الغرب الكبيرة دورا في امتصاص هذه الذكرى السيئة·

في يوغسلافيا نفسها، لن تنتهي الأمور عند تطبيق الخطة الغربية - الروسية· فالأمريكيون والأوروبيون يتطلعون الى إعادة إعمار يوغوسلافيا بما فيها كوسوفو إنما بشرط رحيل ميلوسيفيتش· والخسائر المقدرة في الاتحاد اليوغوسلافي نتيجة الغارات تقدر بما يراوح بين 50 و150 مليار دولار تضاف الى الركود الاقتصادي المزمن والبطالة في هذه الجمهورية، بل إن ميلوسيفيتش الذي خرج من اتفاق دايتون باعتباره أحد مفاتيح الحل في البلقان، صار الآن في نظر المجتمع الدولي عقبة أمام الحل النهائي·

دروس الحرب

على الصعيد الإقليمي، كانت للحرب الجوية نتائج كبيرة· فالأوروبيون أدركوا أنهم غير قادرين على أن يتبعوا في قارتهم سياسة حاسمة من دون الأمريكيين· وعلى الصعيد العسكري أثبت حلف الأطلسي امتلاكه قوة مخيفة تعتمد التكنولوجيا المتطورة القادرة على إخضاع القادة المتمردين· لكن في الوقت نفسه، تبين أن الحكومات المنتخبة لا تجرؤ على التضحية بجندي واحد في حرب برية قد تكون مكلفة كثيرة· وفي هذا جانبان متناقضان: فذلك يثبت في المقام الأول احترام الحكومات والإدارات لعواطف من أعطوها تفويض الحكم· لكنه يثبت في المقابل نقطة ضعف تقنية وسياسية إذا ما واجهت الدول المنتصرة في الحرب الباردة عقبات إقليمية أشد تعقيدا في أنحاء أخرى من العالم· وهكذا نعيش الآن في نظام عالمي جديد لا يجرؤ الأقوياء فيه على التضحية بأرواح الجنود·

وأثبتت الحرب الجوية أيضا أن وسيلة الضغط الاقتصادي لا تكفي لحل القضايا الإقليمية أو تغيير أنظمة الحكم· وهذا ما تبين بعد عشر سنين من العقوبات الدولية على العراق وسبع سنين من العقوبات الدولية على ليبيا·

فوق ذلك· سيواجه الغرب صعوبات في نزع سلاح جيش تحرير كوسوفو· فهذا الأخير يمثل (حسب إعلاناته) تسعين في المئة من سكان الإقليم الذين تعرضوا لممارسات رهيبة· وإذا كانت الأسلحة الثقيلة (التي لا يملك منها الكثير) مسألة يسهل حسمها، فإن بإمكانه تخبئة عشرات ألوف الأسلحة الفردية في المزارع والأرياف: فالتسوية الحالية لا يمكنها أن تزيل بسرعة أحقادا قديمة فرزتها اضطرابات حديثة نسبيا في هذا القرن·

وبرغم قوته، كان الحلف الأطلسي يعاني نقاط ضعف كثيرة· فالتطهير العرقي طرد نحو مليون لاجئ دمرت ديارهم· وكان اقتراب فصل الشتاء يضغط عليه إما لغرض الاستسلام بالقوة الجوية (في حد أقصاه شهر يوليو) إذ التحضير لتدخل بري أخذت تعد واشنطن عدته· والانتصار العسكري لا يعني النهاية· فإلى متى تضطر القوات الغربية الى البقاء في كوسوفو لغرض احترام التسوية؟ فهي دخلت الى البوسنة ولا نعرف الآن أي موعد لخروجها· فهل تبقى نار الصراعات القومية كامنة تحت ضغط التدخل الميداني لتندلع ثانية بعد خروج الغرب؟

أخيرا، أقام الغرب خطته السياسية على مبادئه غير القابلة للمساومة· فهل يمارس النهج نفسه في قضايا إقليمية أخرى؟ وهل يحقق الإجماع بالنسبة الى تركيا التي تختلف مع الأوروبيين بالنسبة الى القضية الكردية؟ وهل تتوصل روسيا وفرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا الى خطة واحدة بشأن العراق، أو بشأن عملية السلام في الشرق الأوسط؟ وماذا بشأن بقية النزاعات الإقليمية الأخرى في أفريقيا (حيث المصالح متباينة) وآسيا؟

طباعة  

الطليعة تدعو الحكومة لفتح التحقيق والاستعانة بالشهود
أموال أهل الخير إلى كوسوفا في أيدي المشبوهين!!

 
المطوع ينفي كلاماً مسجلاً قاله.. وبثته الإذاعة وسمعه العالم أجمع!!
حديث الكنائس "للمرشد العام للإخوان المسلمين في الكويت" يستفز مشاعر العالم

 
58 مرشحاً في انتخابات "البلدي" اليوم
 
أفضل الكلام
 
المنيس يحث الناخبين على المشاركة في انتخابات "البلدي"
 
التجمع الوطني الديمقراطي يصدر "كويت المستقبل"