الخرافة العربية..!
ركان الصفدي
(1)
ليس هناك أمة تعيش الخرافة مثلنا - نحن العرب - على الرغم من التقدم العظيم الذي أصاب البشرية في جميع المجالات، بل إن أمما لم تكن لها حضارة العرب ولا أمجادهم العسكرية والعلمية والثقافية، استطاعت أن تلحق بالركب الحضاري وتتخلص من وضعيتها التاريخية المتخلفة· ومن يقرأ التاريخ العربي المدون فإنه سيلاحظ أنه - على الرغم من عظمته - مسكون بالأوهام والخرافات والتناقضات والتفسيرات غير المنطقية، وبالطبع لا ننتظر من مؤلف في العصور القديمة - كالطبري مثلا - أن يمتلك رؤية علمية كما هي حال المؤرخين المعاصرين، لأنه لم يكن يمتلك الأدوات البحثية والعلمية التي نمتلكها الآن، بالإضافة الى أن التاريخ المدون كان يكتب بحسب الأهواء الدينية والسياسية والفكرية، ويكفي أن تأخذ شخصية تاريخية وترصد ما كتب عنها في كتب التاريخ والأخبار المختلفة لتدرك أن الموضوعية مفقودة فيها، وأن التحليل المنطقي والعقلي أمر نادر بل ربما كان كعنقاء مغرب·
(2)
إذا أردت مثالا للتفكير الخرافي - غير الخرافات غير المحدودة المعششة في أدمغتنا - فما عليك إلا أن تقرأ في كتب "الأنساب"، فإن العقل العربي ما زال مقتنعا باطمئنان أن العرب يعودون في أنسابهم الى جدين اثنين هما عدنان وقحطان، وإذا صح ذلك فأين ذهب باقي سكان الجزيرة العربية، هل يمكن أن تندثر سلالاتهم كلها مع طسم وجديس وغيرهما من العرب البائدة؟! أليس من المنطقي أن يكون لنا جد ثالث بل مئة، أم أن فكرة الازدواج أو الثنائية هي التي أغرت بهذه النظرية العجيبة في أصل العرب؟! وإذا أمسكت سلسلة نسب (كما أغراني هذا العمل كثيرا) وحسبت الزمن الممتد من شخصية تاريخية معروفة الميلاد والوفاة الى عدنان أو قحطان، بضرب عدد الأجداد "حلقات النسب" بالرقم "33 وهو متوسط عمر الجيل حصلت على عدد من السنين يدل على أن عدنان سبق ميلاد المسيح بقرنين، وإذا كررت العملية مع سلاسل أخرى حصلت على أرقام مختلفة ولكنها تتراوح بين قرنين قبل الميلاد وقرن أو نصف قرن بعد الميلاد، فيكون المتوسط دالا على أن عدنان عاش في فترة قريبة من الميلاد قبل أو بعد· والتاريخ الحقيقي لمنطقتنا العربية يدل بوثائق وحفريات ولقى تاريخية لا حصر لها أن العرب باسمهم الحديث هذا عاشوا قبائل وممالك قبل هذا التاريخ بقرون عديدة، أقدم ما نعرفه هو الألف الثاني قبل الميلاد·
والأدهى من ذلك أن النسّابة العرب يردمون الهوة الزمنية بين شخص وآخر بإطالة عمره الى مئات السنين - وفق التفكير الخرافي - وكأن الزمن لم يكن واحدا على البشرية في الحقب التاريخية··· ألم يزل العرب يعيشون خرافة النسب حتى الآن؟!
(3)
لو سألت أعتى متمسك بنسبه القبلي الآن عن سلسلة نسبه لعدّ لك بضعة عشر جدا ثم أحالك بعد ذلك الى قبيلة من القبائل القديمة، كما يحدث الآن في كتب الأنساب المنتشرة في الخليج انتشارا (خرافيا)· فما الفائدة إذاً من كل ذلك ما دام هؤلاء النسّابة المتحمسون يلهثون وراء الأصول دون جدوى ودون تثبت، هل هو العقل الخرافي الذي لا يزال يخيم على مجتمعاتنا، أم هو الإحساس بفقدان الهوية ومحاولة لحماية الذات العربية من الامّحاء والذوبان؟··· العروبة ليست سلاسل مضحكة من النسب!
(4)
العقل الخرافي الذي قسّم العرب الى قسمين: قحطاني وعدناني منذ الجاهلية، هو نفسه الذي قسمهم الى قيسي ويمني، وسني وشيعي، وأموي وعباسي، وشرقي ومغربي، وبدوي وحضري، ونفطي ومائي، ومؤمن وكافر، وسلطة وشعب···
(5)
نحن بحاجة الى إعادة قراءة التاريخ بأدوات بحثية علمية وعملية، ومن منظور ثقافي حضاري شامل، وعلينا أن ننقي تاريخنا من الأوهام والخرافات والتفسيرات السطحية ومن التزييف المقصود وغير المقصود، لأن أمة تقوم على خرافة ستظل خرافة تاريخية في عصر العلم والتقدم الحضاري، ولا سيما أن "الحقيقي" في تاريخ أمتنا هو الذي حفظها على مر العصور، وهو غني الى حد لا يمكن أن يموت، فهو التاريخ والجغرافيا والإنسان·
(6)
"إسرائيل" خرافة، فهي زائلة لا محالة·· ذات يوم، بشرط ألا نواجهها بعقل خرافي·