كتبت فوزية أبل:
مهما كانت الدوافع، فإن تحرك الحكومة ممثلة بوزارة الداخلية في التطبيق الفعلي لقانون تجريم الانتخابات الفرعية خطوة إيجابية نباركها ونثني عليها، فالموقف والتحرك الحكومي يعد مكسبا للتجربة الديمقراطية، وانتصارا للجبهة العريضة المؤيدة للديمقراطية الحقة، في وقت أثبتت فيه الصحافة أنها جديرة بموقعها كسلطة رابعة بعون الأقلام الوطنية المستنيرة، وبعد أن ساد التذمر والرفض الشعبي جراء سلسلة العبث المتزايد بالديمقراطية، من خلال تنامي ظاهرة الفرعيات القبلية والطائفية والتي أصبح لها أكثر من غطاء ووجه، وفي ظل وجود قانون يجرمها، ورغم ما تمثله الفرعيات من تفكك وتفتت في النسيج الاجتماعي الكويتي، وهو البعيد كل البعد عن الأصول الديمقراطية، ومبدأ المصلحة العامة·
التجمعات السياسية
الانتخابات الفرعية بدأت تدريجيا تأخذ أشكالا وأوجها متعددة وتتستر بأكثر من غطاء، تارة تحت مسمى الاجتماعات التنسيقية وتارة أخرى اجتماع للتشاور أو التصفيات وغيرهما· وفي الوقت نفسه، نسمع بعض الآراء القائلة إن مرشحي الفرعيات لا يختلفون عن تزكية بعض التجمعات السياسية لمرشحيها، وهذا الكلام مردود عليه، حيث إن التجمعات السياسية الديمقراطية خصوصا تلك التي هي خارج التيارات الدينية والفصائل القبلية، تزكي مرشحيها على أساس الكفاءة والمؤهل والاتسام بالسلوك والتفكير الديمقراطي، لا على أساس القبيلة أو الطائفة أو العائلة وهذه القوى السياسية تجمع أفكارا لا تجمع انتماءات، والفرعيات هي تجمعات لطائفة أو لقبيلة معينة بينما التجمعات السياسية يلتقي تحت مظلتها أفراد من مختلف الشرائح والفئات والطبقات·
ليس هذا فحسب بل ممن شارك في هذه الانتخابات الفرعية - بكل أسف - رموز نيابية تدعي الدفاع عن الديمقراطية والدستور وسيادة القانون!! وبينهم أصحاب تخصصات شرعية وقانونية وأيضا منتمون الى تجمعات سياسية ديمقراطية وسياسية دينية فهؤلاء هم المتجاوزون الحقيقيون للقانون!!·
تناقض معيب!!
بالفعل قامت وزارة الداخلية (مقدمة الشكوى والبلاغ) بتحويل قضايا الفرعيات الى النيابة العامة وإجراء التحقيقات اللازمة بشأنها، وبدأت النيابة العامة بالنظر في القضايا واستدعاء، والتحقيق مع الأشخاص الواردة أسماؤهم في الكشوف التي رفعتها الوزارة بل وفتح ملف الفرعيات بشكل عام وإصدار أوامر الضبط والإحضار· وفي الوقت نفسه نجد أنه من المعيب بحق وزارة الداخلية وهي الجهة المسؤولة والمخولة بحفظ الأمن العام واستتبابه، أن تصدر بيانات متناقضة، كل بيان يناقض الآخر!! تارة ترى أن ما يطالب به البعض بتدخل الوزارة يشكل تجاوزا على القانون ذاته لأن القانون اشترط العلانية، وتارة أخرى تصرح أن الأمر يشكل جريمة جنائية ولأن بعض الاجتماعات التي تعقدها بعض الفئات والمرتبطة بالتمهيد لانتخابات مجلس الأمة 99 قد أخذت في الفترة الأخيرة أشكالا قد تدخلها تحت طائلة التجريم العقابي المنصوص عليه في قانون الانتخابات!!
هذا التخبط والتناقض والبيانات غير المدروسة من جانب جهاز أمني كوزارة الداخلية يفقدها مصداقيتها وهيبتها أمام الجمهور وفي الوقت نفسه يقلل من هيبة القانون·
فوضى وتشويش!!
كان من الأجدر لوزارة الداخلية تطبيق قانون تجريم الانتخابات الفرعية منذ البداية بدلا من الانتظار المشكوك في دوافعه وتوقيفه، مما أحدث وأشاع حالة من الفوضى السياسية والإرباك الاجتماعي والتشويش الانتخابي، وأشغل الرأي العام والساحة السياسية، على حساب القضايا الرئيسة للبلد والأولويات العالقة·
رعاية حكومية
لا بد لنا من الإشارة، إلى أن الانتخابات الفرعية لم تأت من فراغ بل بمراحل ومحطات اتخذت أكثر من شكل وصورة، بعد أن ترعرعت في أحضان الحكومة واستفادت منها أطراف استفادة عظمى وهي الأطراف الحكومية والتيارات الدينية·
الحكومة قامت باستغلال نتائج ومجريات الفرعيات وضمتها في خانة الأصوات الموالية لها خدمة لمصالحها، بما يتوافق مع حساباتها السياسية سواء داخل البرلمان أو خارجه، وبعد أن أغدقت عليها المزايا والعطايا والمنافع، التيارات الدينية هي الأخرى- بفضل التحالف الحكومي - الديني - استغلت هذه الظاهرة لتحقيق أهدافها طمعا في توسيع وانتشار قواعدها وعناصرها ولجانها وأكشاكها، فالتخدير الحكومي والترحيب من جانب الجماعات الدينية لهذه الظاهرة بسلبياتها ساعد على استشراء وتعاظم وتنامي الظاهرة أكثر وأكثر·
الخارطة المخيفة!!
من ينظر الى الجدول المرفق يصيبه الهلع والتشاؤم من وجود هذه الخارطة القبلية الفئوية المخيفة والمرعبة، فالانتخابات الفرعية تفتت البلد الى طوائف وقبائل وعشائر متصارعة بوجه عام، وتفتت القبيلة والطائفة والعائلة الى أجزاء وأشلاء متناثرة ومتناحرة في الوقت ذاته بوجه عام·
ومن أهم الأمثلة وأخطرها على الإطلاق في مسألة الفرعيات، نموذج التجمع الشعبي في الصباحية عام 1996··· فما هي حقيقة هذا التجمع؟
تخيلوا أن أكثر من عشر قبائل وتجمعات حضرية أيضا، تتجمع على هدف واحد وهو إسقاط مرشحي قبيلة العوازم الذين يصلون أيضا بالفرعية، حيث تجمع في ذاك العام مرشحان عن هذا التجمع هما ممثل قبيلة المطران النائب السابق محمد العليم، وفارس الشورى العجمي ممثل قبيلة العجمان، فاخترق محمد العليم نجاح العوازم المتواصل منذ عام 1981، واستطاع أن يسقط واحدا من مرشحي العوازم ويحل محله· أما في عام 99 أحست بقية التجمعات القبلية والحضرية أن التجمع الشعبي يخدم فقط أقوى قبيلتين من ناحية العدد وهما قبيلتا العجمان والمطران، وسيختار ممثلو هذا التجمع مرشحين اثنين ليواجها مرشحي العوازم من جهة، وتحالف العجمان والمطران من جهة أخرى!!·
على المدى البعيد!!
مثل هذا النموذج يثير في النفس حسرة ومرارة، فماذا استفادت البلد من جراء هذا التقسيم الطائفي والقبلي والفئوي سوى التناحر والتصارع بين أبناء الوطن الواحد، وبدلا من القضاء على هذه الظاهرة نجدها أصبحت أكثر انتشارا واتساعا، حتى بدأت تدخل شيئا فشيئا الى المناطق الداخلية بعد أن كانت محصورة في المناطق الخارجية·
التركيبة الاجتماعية للمجتمع الكويتي (طوائف، قبائل، مذاهب) موجودة في معظم دول العالم وفي المجتمعات المتقدمة أيضا ولم نسمع عن انتخابات فرعية ولا غيرها· ويجب ألا ننسى أنه ومع مرور الزمن وتكريس التعصب والانتماء الطائفي والقبلي والعرقي والقومي سوف يكون المجتمع مهيئا لمزيد من الانشقاقات والانقسامات في البيت الداخلي الكويتي ويكون عرضة وقابلا للاشتعال في أية لحظة ومناسبة، في وقت يفترض بالدولة أن تفكر ألف مرة بما ستؤدي إليه هذه الانتخابات الفرعية على المدى البعيد من آثار وتداعيات ضارة وحارقة لاسيما أننا نمر بفترة من أصعب الفترات وأقساها سواء على مستوى الصعيد الداخلي أو الخارجي· ونعلم تمام العلم أن المجتمعات المقسمة تقسيما طائفيا وعرقيا وقبليا وعائليا وعشائريا يكون من السهل تفكيكها وتفتيتها خاصة إذا كانت بذور التفرقة كامنة فيها!!
دور الصحافة الحرة
صحيح أن إحالة ملف الانتخابات الفرعية الى النيابة العامة تم عن طريق وزارة الداخلية إلا أن هذا التحرك الحكومي المتأخر لم يتأت من فراغ بل نتيجة الضغط الشعبي الرافض والذي استمد قوته من عون الصحافة ودورها والأقلام والعناصر الوطنية، التي أنارت الرأي العام وكانت بمثابة دعامة للنظام الديمقراطي، فبانت وتجلت لنا أهمية الحريات الصحافية والقلم الوطني، والتي وضعت الحكومة في موقف حرج لا مفر منه·
ويجب ألا ننسى في الوقت نفسه مساعي وجهود العناصر الوطنية من أبناء القبائل من الشرائح المثقفة الواعية والأقلام المستنيرة التي لعبت دورا كبيرا وضاغطا لا يستهان به ··فوقوف هذه الشرائح من أبناء القبائل وغيرهم ضد الانتخابات الفرعية يعد دليلا دامغا وشاهدا حيا ينفي ويقف بوجه أية محاولات للتشكيك ولعرقلة تطبيق قانون تجريم الانتخابات الفرعية·
الالتحام حول الدستور
مهما كانت الدوافع الكامنة وراء الموقف الحكومي المفاجئ، وتحرك وزارة الداخلية المتأخر، بخاصة أنه أتى بعد أن ظهرت نتائج الانتخابات الفرعية والتصفيات القبلية بعيدة عما تتمناه الأطراف الحكومية، وخشيتها من المساءلة السياسية، وأن توجه لها اتهامات التقاعس والتهاون في تطبيق قانون تجريم الانتخابات الفرعية، لاسيما وإنها لم تستطع الصمود طويلا أمام الضغط الشعبي الرافض للواقع الديمقراطي المزيف، فالموقف الحكومي الذي تمثل في تحرك وزارة الداخلية وتفويض النيابة العامة، يعد مكسبا للتجربة الديمقراطية، وانتصارا للجبهة العريضة المؤيدة للديمقراطية، ومؤشرا إيجابيا على زيادة الوعي المواطني، ورفض تقسيم الشعب الى طوائف وقبائل، ويدل دلالة قاطعة على صلابة الموقف الشعبي الرافض لتشويه الديمقراطية، والرغبة في توسيع إطار الممارسة الديمقراطية وفق آلياتها المدنية وقنواتها الصحيحة، أثبتت فيها الصحافة الكويتية الوطنية أنها جديرة بأن تكون سلطة رابعة ومؤسسة رقابية فاعلة ونابضة ودعامة صلبة للنظام الديمقراطي·
*نص تجريم الانتخابات الفرعية من المادة (45) من قانون الانتخابات:
يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تتجاوز ألفي دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين:
كل من نظم أو اشترك في تنظيم انتخابات فرعية أو دعا إليها، وهي التي تتم بصورة غير رسمية قبل الميعاد المحدد للانتخابات لاختيار واحد أو أكثر من بين المنتمين لفئة أو طائفة معينة·