· حرمان المرأة من حق الانتخاب والترشيح يخالف المبادىء الأساسية التي قررتها المواد 6،7،29،80 من دستور الكويت
· الرافضون من أعضاء مجلس الأمة لمشاركة المرأة يخشون المساس بالإقطاعية السياسية وكسر احتكارها لمقاعد البرلمان
· النسبة العالية من خريجات الجامعة تدحض الادعاء بأن المرأة لم تبلغ من الثقافة والنضج السياسي ما يؤهلها لممارسة حقوقها
· لايجوز أن تكون وسيلة ممارسة الحق سبباً لجحد الحق وإنكاره
· هناك دول عربية وإسلامية سبقتنا في الاعتراف بحق المرأة في الانتخاب والترشيح
الدراسة التي بين أيدينا - وهي للأستاذ الدكتور المرحوم عثمان عبدالملك الصالح أستاذ القانون الدستوري - من أكثر الدراسات التي عالجت موضوع الحقوق السياسية للمرأة عمقا ورزانة، فهي مازالت مرجعا أصيلا للكثير من الدراسات المشابهة التي تلتها على الرغم من مرور نحو عشرين عاما على إنجازها·
وفندت الدراسة آراء المعارضين للحقوق السياسية للمرأة بشكل واضح لا يقبل اللبس، فبينت أن الأصل في الشريعة الإسلامية هي المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات وأن ما ورد في التفرقة بينهما في الأحكام الشرعية يعد استثناء في الأصل والاستثناء لا يجوز القياس عليه طبقا للرأي الراجح في الشريعة الإسلامية·
وفي حين استند الفريق المعارض للحقوق السياسية للمرأة على الأحاديث التالية: "إن النساء سفهاء إلا التي أطاعت زوجها"، "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا"، "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" والأحاديث الأخرى التي بينت أن أكثر أهل النار من النساء وأنهن ناقصات عقل ودين·
فإن الفريق المؤيد للمرأة ومنهم العالم والمؤرخ الإسلامي الكبير الشيخ محمد رشيد آل رضا الحسيني منشئ مجلة المنار والأستاذ البهي الخولي والأستاذ الدكتور عبدالحميد متولي والشيخ مصطفى السباعي رئيس جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وعبدالقادر عودة أحد قيادات الإخوان المسلمين في مصر والذي أعدم في عام "المحنة الثانية" كما يسميها "الإخوان" وهو عام 1965، هذا الفريق تصدى لتفنيد آراء المدرسة التي تحرّم المرأة حقوقها السياسية حيث بين أن كل الأحاديث التي اُستُند إليها هي أحاديث آحاد وأحاديث الآحاد مجمع على أن أحكامها ظنية وليست قطعية وأن قوامة الرجال على النساء تختص بالشؤون العائلية فقط ولو كان حكمها عاما لما استطاعت المرأة أن تتصرف بأموالها دون الرجوع لزوجها أو أبيها أو أخيها أو معيلها، كما بينوا مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" هو مبدأ موجه الى المسلمين عامة رجالا ونساء وما دام رجال القانون قد أجمعوا على أن أعمال السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ما هي إلا أوامر بالمعروف ونهي عن المنكر فإن المرأة يحق لها دخول المعترك السياسي من هذا الباب باب تكليفها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما بينوا أيضا وأضافة الى كل ما تقدم أنه لا يوجد نص صريح يسلب المرأة أهليتها للعمل النيابي·
ومن المهم أن نذكر هنا أن دراسة الدكتور عثمان عبدالملك هذه كتبت في بداية الثمانينيات لذلك فهي لم تتضمن آراء جديدة مناصرة للحقوق السياسية للمرأة من أبرزها رأي الشيخ محمد الغزالي رحمه الله وفتوى الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي أحد أبرز قيادات حركة الإخوان المسلمين التي نشرها في كتابه "فتاوى معاصرة"·
وإذا كانت الدراسات التي تركز على الحقوق السياسية للمرأة تناقشها فقط من زاوية الشريعة الإسلامية فإن الدكتور الصالح أضاف الى مبحث حقوقها في الشريعة مبحثي حقوقها في القانون ودراسة تلك الحقوق في إطار ظروف البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن هنا فإن الدراسة تعتبر متميزة عن غيرها ومتفردة·
والطليعة تنشر الجزء الثاني من مساهمة منها في تنوير الرأي العام·
عرضنا في القسم الأول من هذا المقال لموقف الإسلامية من حق المرأة في الانتخاب والترشيح، وتبين لنا أن الرأي الراجح في فقه الشريعة هو المؤيد لحق المرأة في الانتخاب والترشيح ونعرض في هذا القسم لحق المرأة في الانتخاب والترشيح في إطار التنظيم القانوني للدول، ومن خلال الظروف الاجتماعية، ونعرض لهذين الموضوعين على التوالي:
حق المرأة في الانتخاب والترشيح في إطار النظام القانوني للدولة
ربط المشرع الدستوري الكويتي بين حق الانتخاب وحق الترشيح والحق في تولي الوزارة بصورة يمكننا القول إن الاعتراف للمرأة بحق الانتخاب، يترتب عليه الاعتراف لها بحق الترشيح والحق في تولي الوزارة ذلك أنه لم ينص على الذكورة كشرط من شروط المرشح أو الوزير، وكل ما في الأمر أنه قد اشترط في الفقرة ب من المادة 82 من الدستور، أن تتوافر في المرشح لعضوية مجلس الأمة شروط الناخب، ثم ماثل بين شروط الوزير والمرشح عندما نص في المادة 125 من الدستور على أنه "يشترط في من يولى الوزارة الشروط المنصوص عليها في المادة 82 من الدستور" وهي المادة الخاصة بشروط المرشح لعضوية مجلس الأمة، ومن ثم صح القول إن الاعتراف للمرأة بحق الانتخاب يترتب عليها الاعتراف لها بحق الترشيح لعضوية مجلس الأمة والحق في تولي الوزارة، كما إن حرمانها من حق الانتخاب يترتب عليه نتيجة عكسية هي حرمانها من الحق في الترشيح والحق في تولي الوزارة لذلك فإن دراستنا سوف تقتصر على مناقشة حقها في الانتخاب لأنه هو المدخل الطبيعي - حسب التنظيم القانوني في دولة الكويت - للاعتراف لها بحق الترشيح وحق تولي الوزارة·
ونعرض في بندين:
أولا- لموقف قانون الانتخاب من حق المرأة في الانتخاب والترشيح·
ثانيا - لمدى دستورية حكم المادة الأولى من قانون الانتخاب·
أولا: موقف قانون الانتخاب من حق المرأة في الانتخاب والترشيح:
تنص المادة الأولى من قانون الانتخاب رقم 35 لسنة 1962، معدلة بالقانون رقم 76 الصادر في 1966/6/28، على ان "لكل كويتي كويتي من الذكور بالغا من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية كاملة حق الانتخاب··"
ويستفاد من هذا النص أن المشروع العادي قد قصر الحق في الانتخاب على الذكور دون الاناث، فيكون بذلك قد حرم المرأة من أهم حقوقها السياسية وهو الحق في الانتخاب والترشيح والحق في تولي الوزارة، ذلك أن الدستور قد اشترط أن تتوافر في المرشح لعضوية مجلس الأمة شروط الناخب ومنها الذكورة حسب ما نص عليه قانون الانتخاب، كما أن الدستور قد ماثل بين شروط الوزير وشروط النائب، كما سبق وأن أشرنا إليها·
ثانيا: مدى دستورية حكم نص المادة الأولى من قانون الانتخاب:
تبين لنا مما سبق أن قانون الانتخاب قد حرم المرأة من حق الانتخاب والترشيح وتولي الوزارة· فما هو مدى دستورية حرمان المرأة من هذه الحقوق السياسية الجوهرية؟
لاشك لدينا في أن ذلك لا يتفق ونصوص الدستور، وأنه ينطوي على مخالفة للمبادىء الأساسية التي قررتها المواد 6،7،29،80 من دستور الكويت، وتفصيل ذلك كما يلي:
أ - مخالفة المبدأ الديمقراطي الذي كرسته المادة 6 من الدستور:
تنص المادة السادسة من الدستور على أن "نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور"·
وهكذا نجد أن الدستور الكويتي قد كرس المبدأ الديمقراطي·· والديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب، فالشعب هو صاحب السيادة فباسمه ــ في هذا النظام ــ تحكم مؤسساته، وباسمه ينطق حكامه·
ولما كان الدستور الكويتي قد تبنى الديمقراطية النيابية واعتمد الانتخاب كوسيلة أساسية لتحقيقها·· فإن ممارسة المرأة لحق الانتخاب يكون امرأة يقتضيه المبدأ الديمقراطي الذي كرسه الدستور في مادته السادسة، مادام هذا الدستور لم يتضمن نصا صريحا أو ضمنيا يأبى التفرقة بين أبناء الأمة، ويتنافى مع حرمان المجتمع لنصف عدد أعضائه من ممارسة هذا الحق، ويرمي في المقام الأول إلى إشراك أكبر عدد من المحكومين في ممارسة السلطة وإدارة دفة الحكم·
كما أن الديمقراطية التقليدية التي تبناها دستور الكويت تقوم على أساس المذهب الفردي، وحق كل فرد في التمتع بالاشتراك في الشؤون العامة باعتباره إنسانا، ومادامت المرأة إنسانا فلا يقبل أن تحرم من حق من حقوق الإنسان التي قررها الدستور للمواطنين·
ويستفاد من كل ذلك أن نص المادة الأولى من قانون الانتخاب الذي قصر الانتخاب على الرجال دون النساء يتعارض مع التطبيق الصحيح للمبدأ الديمقراطي الذي أكدته المادة 6 من الدستور الكويتي، لأنه يجعل من الديمقراطية مجرد اسم مفرغ من مضمونه الحقيقي الذي أراده له المشرع الدستوري·
ب - مخالفة مبدأ المساواة الذي تؤكده المادتان 7، 29 من الدستور:
تنص المادة 7 من الدستور على أن "العدل والمساواة دعامات المجتمع" كما تنص المادة 29 من الدستور على أن "الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين"·
وتقول المذكورة التفسيرية للدستور في تعليقها على المادة 29 "نصت هذه المادة على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بصفة عامة، ثم خصت بالذكر أهم تطبيقات هذا المبدأ بقولها "لا تمييز في ذلك بسبب الجنس أو الأصل"·
ويتضح من ذلك أن الدستور قد قرر وأكد مبدأ مساواة المواطنين في الحقوق بصفة عامة في المجالين المدني والسياسي، أي المساواة بينهم في الحقوق المدنية والحقوق السياسية·
ولذلك فإن الدستور قد عاد وكرر التأكيد على هذا الأمر بنص حاسم صريح حين قرر في مادته 29 أنه لا مجال للتمييز بين الأفراد في الحقوق والواجبات بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين· ومن ثم فإن ما أطلقه الدستور من مساواة بين الأفراد في الحقوق لا يقيده قانون ما دام المشرع العادي لم يفوض من الدستور بنص خاص في هذا التقيد أو التحديد·· ولا ريب في أن تحقيق هذه المساواة القائمة على عدم التمييز بسبب الجنس لن يتم إلا بالاعتراف للمرأة مثل الرجل بالحقوق السياسية سواء بسواء، وعلى رأس هذه الحقوق حقها في الانتخاب والترشيح·
وعلى أساس من ذلك يكون نص المادة الأولى من قانون الانتخاب الذي حرم المرأة من جوهر حقوقها مصابا بعدم الدستورية ويتعين إلغاؤه أو تعديله بما يتفق بحكم الدستور، باعتباره القانون الأعلى، الذي تستمد منه السيادة، وهو بهذه المثابة سيد القوانين جميعا بحسبانه كفيل الحقوق والحريات ومناط الحياة الدستورية ونظام عقدها·
ج - التعارض ومبدأ الانتخاب العام الذي قررته المادة 80 من الدستور:
نصت المادة 80 من الدستور على مبدأ الانتخاب العام بقولها: "يتألف مجلس الأمة من خمسين عضوا ينتخبون بطريق الانتخاب العام السري المباشر"·
وجاءت المادة الأولى من القانون فقصرت الانتخاب على الرجال دون النساء - كما سبق القول - فما هو مدى اتفاق حرمان النساء من حق الانتخاب ومبدأ الاقتراع العام الذي قرره الدستور؟
نشير بادىء ذي بدء إلى أنه حتى عهد بعيد، كان حرمان النساء من حق الانتخاب لا يعد متعارضا مع مبدأ الاقتراع العام، لذلك كانت غالبية الدساتير وقوانين الانتخاب تحرم المرأة من هذا الحق وتقصره على الرجل وحده، وقد ذهب فريق من فقهاء القانون الدستوري، وهم محاطون بجو مشبع بالتمييز ضد المرأة، إلى تقرير أن حرمانها من حق الانتخاب يعد غير متعارض مع مبدأ الانتخاب العام، مستندين في ذلك إلى حجج تتنافى والمبدأ الديمقراطي، وأدلة غير ثابتة لا تقبلها شرعة العقل والمنطلق، ونرى من العبث الاهتمام بمناقشتها ·
أما اليوم فقد لمست غالبية الدول المتحضرة قوة المرأة الكامنة، والدور الذي تقوم به في جميع الميادين، فاعترفت لها بحقوقها السياسية، وفي مقدمتها حقها في الانتخاب والترشيح، وباتت غالبية هذه الدول تعتبر حرمان المرأة من هذه الحقوق منافيا للديمقراطية ولمبدأ الانتخاب العام·
وكانت أسبق البلاد إلى ذلك ولاية ويومينج WYOMING في الولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1869، وتبعتها ولايات أخرى ابتداء من عام 1980، حتى تم تعديل الدستور الفيدرالي سنة 1920، ذلك التعديل الذي نص على تحريم تقييد حق الانتخاب بشرط الجنس وسوى بين المرأة والرجل في الحقوق الانتخابية·
وقد مارست المرأة حق الانتخاب في النرويج منذ عام 1907، وفي استراليا منذ عام 1914 وفي الدنمارك عام 1915، وفي انجلترا عام 1918، وروسيا عام 1918، وفي روديسيا عام 1919، وفي السويد عام 1920، وفي نيوزيلاندا عام 1921، وهولندا عام 1921، وفي تركيا عام 1934، وفي فرنسا عام 1944، وتعترف الديمقراطيات الشعبية عموما للمرأة بحق الانتخاب وتتمتع في المغرب بهذا الحق بموجب المادة 8 من الدستور المغربي، وتقرره لها المادة 38 من دستور سورية لعام 1950، وفي تونس تتمتع المرأة بكافة حقوقها السياسية منذ عام 1959، وفي الجزائر اعترف للمرأة بحق الانتخاب، وفي مصر تتمتع بحق الانتخاب والترشيح منذ القانون رقم 3 لسنة 1956، وتبنت ليبيا نفس المبدأ بموجب القانون رقم 6 لسنة 1964، وتتمتع المرأة السودانية بهذا الحق منذ صدور القانون رقم 3 لسنة 1965·
ومن ذلك يتضح أن التطور قد سار في صالح التصويت النسائي، وأن الغالبية الساحقة من دول عصرنا الحاضر تقرر للنساء الحقوق السياسية مثل الرجل سواء بسواء كما أن مبدأ الاقتراع العام قد تغير مفهومه وأصبح الانتخاب العام يعني ذلك الانتخاب الذي لا يتطلب شرطا يؤدي إلى حرمان فئة من المواطنين من ممارسة حقها الانتخابي بصورة دائمة بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو غيرها من الأسباب، ذلك أن المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق الانتخابية أصبحت تمثل اليوم قاعدة القانون العام في معظم الدول الديمقراطية، وإن مبدأ المساواة قد استقر في ضمير الإنسان المعاصر، حتى أن المادة الأولى من إعلان القضاء على التمييز ضد المرأة تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 7 نوفمبر سنة 1967، قد اعتبرت التمييز ضد المرأة بإنكار أو تقييد تساويها في الحقوق مع الرجل في هذا المجال يمثل إجحافا أساسيا ويكون جريمة مخلة بالكرامة الإنسانية·
وهكذا نجد أن حرمان المرأة من حق الانتخاب يتنافى والمفهوم المعاصر لمبدأ الاقتراع العام الذي لا يعترف بالتفرقة بين المتعلم والأمي، أو بين الغني والفقير، ولم يعد يسمح بالتفرقة من باب أولى بين الرجل والمرأة بسبب اختلاف الجنس، فمبدأ الاقتراع العام الذي لا يقيد الانتخاب بشرط الكفاءة لا يعقل ولا يمكن أن يقيده بشرط الجنس·
ودستور الكويت قد وضع في وقت نضج فيه هذا المفهوم لمبدأ الاقتراع العام، ومن ثم فإن المشرع الدستوري عندما فوض المشرع العام العادي بناء على إحالة من المادة 80 من الدستور، في أن يتولى بيان شروط الاقتراع العام وأن يقرر تلك الشروط بما لا يتعارض مع مفهومه، الذي يتنافى وتقييد الانتخاب بشرط الجنس كما سبق القول·
وعلى أساس من ذلك نص المادة الأولى من قانون الانتخاب الذي حرم النساء من حقهم في الانتخاب والترشيح مخالف لنص المادة 80 من الدستور المقرر لمبدأ الاقتراع العام الذي لم يعد يسمح بالتفرقة بين الرجل والمرأة في مجال الحقوق الانتخابية، ولا يمكن أن يقبل تقييد هذه الحقوق بشرط الجنس·
ونشير نحن في هذا الصدد إلى أنه قد جرت في أحضان مجلس الأمة الكويتي محاولتان لتعديل المادة الأولى من قانون الانتخاب والاعتراف للمرأة الكويتية بحقوقها الانتخابية وقد باءت كلتا المحاولتين بالفشل·
وكانت المحاولة الأولى إثر مذكرة تقدمت بها نورية السداني بوصفها رئيسة لجنة يوم المرأة العربية بالكويت، حول توصيات المؤتمر النسائي الأول الذي عقد بتاريخ 15 ديسمبر سنة 1971، ولقد أحال رئيس مجلس الأمة تلك المذكرة بتاريخ 1972/1/3 إلى لجنة الشكاوي والعرائض التي وافقت على التوصيات الواردة فيها ومن بينها الاعتراف للمرأة بحق الانتخاب والترشيح، وطلبت من المجلس اقرارها لما لها من أهمية تتعلق بالمرأة الكويتية·
ولقد خصص مجلس الأمة لنقاش تلك المذكرة وتقرير اللجنة حولها ثلاث جلسات، وذلك خلال دور الانعقاد الرابع من الفصل التشريعي الثالث اعتباراً من الجلسة رقم 318 بتاريخ 1973/2/24، والجلسة رقم 320 المنعقدة بتاريخ 1973/12/1 والجلسة رقم 321 المنعقدة بتاريخ 1973/12/8··· وبعد نقاش مستفيض قرر المجلس عدم الاعتراف للمرأة بحق الانتخاب أو الترشيح·
أما المحاولة الثانية فكانت إثر اقتراح بقانون تقدم به "النائب أحمد الطخيم يتضمن تعديل المادة الأولى بحق الانتخاب والاعتراف للمرأة بحقوقها الانتخابية، وقد ناقش مجلس الأمة هذا الاقتراح ورفضه في جلسته المنعقدة بتاريخ 1982/1/19 حيث أيد المشروع 7 نواب وعارضه 27 نائباً، والتزمت الحكومة في المناقشات جانب الحياد، وامتنعت عن التصويت من موقف وصفه المراقبون بأنه موقف من يرغب في رصد كافة الآراء والاتجاهات، وقد نال المعارضون من المرأة ودافع عنها المؤيدون بكثير من الحجج ولكن من دون جدوى·
- ولو افترضنان جدلاً أن حرمان المرأة من حقوقها الانتخابية لا يتعارض مع الدستور الكويتي، وإن هذا الدستور قد فوض المشرع العادي بتقرير تلك الحقوق من عدمه وإعطاء سلطة تقديرية مطلقة في هذا الشأن من دون قيد أو شرط فهل كانت ظروف البيئة الاجتماعية هي التي دفعت بالمجلس إلى رفض الاعتراف للمرة بحق الانتخاب والترشيح؟ أم أن هنالك سبباً حقيقياً آخر يكمن وراء موقف مجلس الأمة المناوئ للاعتراف للمرأة بحقوقها الانتخابية ويتوارى وراء جميع الحجج التي يسوقها المعارضون لتلك الحقوق؟
نسارع إلى القول إن ظروف المجتمع الكويتي مواتية للاعتراف للمرأة بحقوقها الانتخابية، وإن من المصلحة الاعتراف لها بتلك الحقوق·
فإذا كان أهم اعتراض على تقرير التصويت النسائي يستند إلى أننا في مجتمع إسلامي، وأن الشريعة الإسلامية لا تعترف للمرأة بتلك الحقوق·· فلقد رأينا في القسم الأول من هذه الدراسة أن الرأي الراجح في الفقه الإسلامي يؤيد الاعتراف للمرأة بحق الانتخاب والترشيح، وأن الشريعة لا يمكن أن تكون حائلاً بين المرأة وبين تمتعها بحقوقها الانتخابية·
- وإذا كان الاعتراض على تقرير حق المرأة في الانخاب والترشيح يستند إلى التمييز بين دور المرأة ودور الرجل في الحياة، وأن المرأة يجب أن يتحدد دورها في وظائف معينة، فإن هذا الاعتراض مردود عليه بأن المجتمع الكويتي في واقعه لا يعترف بهذا القسيم للعمل بين الرجل والمرة وأن الرجال والنساء سواء بسواء يذهبون إلى مجالات العمل المختلفة من دون تمييز، وأن المرأة تعمل في جميع المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وقد تدرجت في سلم الوظائف العامة حتى درجة وكيل وزارة، بل إن من الرجال من يعملون في ميادين عمل كانت حسب القيم التقليدي محجوزة للنساء كالتمريض وخياطة الملابس، وربما كان عدد الطباخين عمال المطبخ والمخبز أكثر اليوم من عدد الطباخات والعاملات في هذا المجال·
وإنا لنشهد اليوم في كل مكان تغييراً في أنواع العمل التقليدية وهذا بدوره يحتاج في كثير من الأحيان إلى اشتراك المرأة والرجل في إنجازه·
وعليه فلا يصح بعد كل ذلك أن يحتج الرجل على المرأة بمبدأ التقسيم الطبيعي للعمل ويتخذ منه ذريعة واضحة الإيهام لحرمانها من حقوقها السياسية·
وإذا كان الاعتراض هو أن الاعتراف للمرأة بحق الانتخاب سيخلق سبباً للشقاق والعراك داخل العائلة، ويؤدي إلى عدم انسجام أفرادها، فإن ذلك مردود عليه بأن حق المرأة في الانتخاب، وهي لا تستعمله في العادة إلا مرة كل أربع سنين، لا يخلق الاضطرابات العائلية التي قيل بها، ذلك أن ميول العائلة السياسية ووجهتها في استعمال حق الانتخاب تكون في الغالب موحدة، نظراً لوحدة أو تقارب الثقافة والتربية والمصالح أعضاء العائلة الواحدة·
الأديان لاتعارض حق المرأة السياسي
وإذا كان الاعتراض هو أن الاعتراف للمرأة بحق الانتخاب والترشيح يتعارض والتقاليد الاجتماعية، لأن ذلك مردود عليه بأن الأديان السماوية وفي مقدمتها الشريعة الإسلامية، وهي عقيدة الغالبية الساحقة من الكويتيين، لا تعارض تمتع المرأة بحقوقها السياسية، هذا فضلاً عن أن دولاً عربية إسلامية قد اعترفت للمرأة بحق الانتخاب والترشيح، وأن التقاليد لا تختلف كثيراً في الكويت عن باقي الدول العربية والإسلامية التي اعترفت للمرأة بممارسة حقوقها السياسية·
وإذا كان الاعتراض أن المرأة لم تبلغ من الثقافة والنضج السياسية درجة تؤهلها لممارسـة هذه الحقوق، فإن ذلك مردود عليه بأن الاحصاءات تثبت أن إجمالي عدد خريجات جامعة الكويت في الفترة من سنة 1971/1970 إلى الفصل الدراسي الأول من العام 1980/79 قد بلغ 2228 خريجة كويتية الجنسية مقابل 1296 خريجاً كويتياً من الذكور عن نفس الفترة، أي أن النسبة هي %64 إناث مقابل %26 ذكور·
كما أن الاحصاءات تشير إلى أن المرأة تمثل حتى الآن نسبة قدرها %63 تقريباً من إجمالي خريجي معاهد التعليم الفني بينما يمثل الخريجون الذكور %37·
ولا شك في أن المؤشرات السابقة توضح مدى إمكانات المرأة الكويتية كمواطنة في المساهمة في رسم سياسات الدولة·
وإذا كان الاعتراض هو أن الظروف التي تجري فيها الحملة الانتخابية في الكويت غير ملائمة لممارسة المرأة حق الانتخاب والترشيح، فإن ذلك مردود عليه بأنه من الضروري تنظيم هذه الدعاية تنظيماً قانونياً يسمح للمرأة بأن تمارس حقوقها الانتخابية، بظروف ملائمة مواتية لنا في انتخابات الجمعيات التعاونية وجمعيات النفع العام التي تشارك المرأة في انتخاب أعضاء مجالس إدارتها وتمارس الترشيح لعضويتها خير مثال·
وعلى أية حال فلا يجوز أن تكون صعوبة وسيلة ممارسة الحق سبباً لجحد الحق ذاته وإنكاره من أساسه·
وقد نسي مجلس الأمة الذي انكر على المرأة التمتع بحق الانتخاب والترشيح أن المرأة في مجتمعنا المكافح من أجل الغد الأفضل مطالبة بواجبات كثيرة يفرضها عليها وضعها بوصفها تمثل نصف هذا المجتمع وأن النظرة المتدنية لها ستجعل رهطا من مواطني هذا البلد يعيشون فيه وكأنهم غرباء عنه، لا يفهمهم ولا يفهمونه، ومن ثم تهدر أولويات الاهتمامات الاستراتيجية من كفاحنا من أجل رقينا الحضاري·
كما نسي مجلس الأمة أن اشتراك النساء في الحياة السياسية في البلاد التي أقرت لهن بذلك، لم يؤد إلى مخاطر أو نتائج ضارة، بل على عكس ذلك، كان اشراكهن في الحياة السياسية خيراً وسلاماً، أدى إلى تحسين التشريع خصوصاً فيما يتعلق بالمسائل "الأدبية والإنسانية" وتشغيل الأطفال والنساء، والمسائل الصحيحة والأخلاقية ومحاربة المسكرات والفجور وإعانة العجزة والفقراء، هذا فضلاً عن الإفادة من روح المرأة السامي وحبها للهدوء وكرهها للمغامرة في مجال السياسة وميلها إلى الاقتصاد·
ولعله لم يفت على مجلس الأمة أن عدم اكتراثه بدراسة مسألة الاعتراف للمرأة بحقوقها السياسية، وهي مسألة عظيمة الأهمية، وتسرعه برفض الاعتراف لها بحقوقها السياسية، بعد مناقشة سريعة نال فيها بعض الأعضاء من كرامة المرأة أدى إلى سخط الرأي العام الكويتي الذي ما كان يخفى عليه السبب الحقيقي الذي يكمن وراء حجج الرافضين من أعضاء المجلس لحق المرأة في الانتخاب والترشيح وهو تشبع هؤلاء الأعضاء بروح التمييز ضد المرأة من ناحية، وخشيتهم من أن مشاركة المرأة في الحياة السياسية قد يؤدي إلى المساس بالاقطاعية السياسية المتمركزة في أحضان مجلس الأمة، وكسر احتكارها لمقاعد البرلمان، وقد يؤدي هذا الموقف لبعض أعضاء مجلس الأمة أن ينظر إليه نظرة استنكار من شأنه أن يؤدي إلى فقد المجلس لشعبيته بل وإلى الشعور بالتنكر والكراهية للنظام النيابي·
ولا شك في تقديرنا أن الوقت قد حان لكي تمارس المرأة الكويتية حقوقها السياسية وعلى رأسها حقها في الانتخاب والترشيح، ذلك أنه فضلاً عن كل ما سبق ذكره من مبررات لهذه الممارسة نجد أن تعاظم الدور الذي تقوم به المرأة الكويتية في مختلف المجالات قد أسقط مقولة إن المرأة هي "المأذون، البيت، الطفل"·
فالمرأة لديها ما تعطيه إلى المجتمع السياسي عن طريق المشاركة في الحياة وتكوين الإرادة العامة، كما أن ممارسة المرأة للحقوق السياسية سوف يعود بالفائدة عليها ويخلصها من كثير من العقد النفسية التي تربت على حرمانها من ممارستها، والتي تكون آثارها خطيرة على المرأة وعلى المجتمع·
وجدير بالذكر أن نشير في نهاية المطاف، إلى أن هنالك فئة في الكويت تنظر إلى المرأة من خلال ركام من التقاليد الزائفة، تنسبها إلى الدين والدين منها براء، تقاليد بالية نمت كالعفن في الماء الراكد في فترة الانحطاط الفكري منذ القرن الثاني عشر الميلادي، وغذتها فترات الاستعمار من أجل زيادة شد الوثاق على أقدام هذه الأمة التي تتململ من أجل النهضة والتقدم منذ أمد طويل·
وإنه لمن العدالة والمنطق ألا ننظر للمرأة على أنها مواطن ناقص، لا يرد ذكره إلا مقروناً بالشهوة والمعصية والشيطان·
إن المرأة أم للأجيال تقع الجنة تحت أقدامها، وإنسان عاقل، جزء من الأمة يجب أن يستشار·