نريد غيفارا واحداً...
ركان الصفدي
(1)
يعاني المثقف العربي مرضا مزمنا اسمه "الاغتراب"، لم تستطع مصحات العالم شفاءه منه، ولم يستطع جرّاح ماهر كعلي عقلة عرسان أن يستأصله من دماغه على الرغم من جيش المستشارين والخبراء الذين يحفون به· ولا نعني الاغتراب خارج الوطن، فقد يكون المنفى أدفأ حضنا من الوطن نفسه، بل لعل المثقف العربي لا يجد حريته إلا في منفاه، وإلا لما رأينا آلاف المثقفين العرب يهاجرون كقبيلة بني هلال الى أوروبا·· أما الاغتراب الذي نعنيه فهو إحساس المثقف بأنه وحده وسط أهله وذويه وأصدقائه ومواطنيه، فهناك بون شاسع بين الأفكار والأحلام والأماني وبين الواقع الموجود، مما يجعل المثقف العربي كائنا "مأزوما": لا يستطيع العيش في واقعه المثقل بالتخلف والجهل والجمود والسكونية والسطحية، ولا يستطيع أن يحقق طموحا ثقافيا مما نذر قلمه وحبره لأجله، وهكذا يسقط المثقف العربي في دوامة اللاجدوى وعبثية الوجود·
··· يكفي أن نجري استفتاء شعبيا لنعرف أن الصفحات الثقافية في الصحف العربية لا يقرؤها إلا ثلاثة أشخاص "اعتباريين": الصحفي الثقافي، المثقف المعنيّ، رجل الأمن المعنيّ (الرقيب)·
(2)
هناك ثلاثة تيارات قادت الثقافة العربية: تيار بنائي، مثّله المصلحون ولاسيما في بداية النهضة، ونعد منهم العقاد وأحمد أمين· وتيار هدْميّ، مثله الحداثيون على اختلاف أنواعهم، ونعدّ منهم طه حسين وأدونيس· وتيار استعراضي مثله كتاب لا هدف لهم ولا قضية، ونعد منهم أنيس منصور وفيفي عبده·
(3)
ضجرنا من المألوف والسائد: الشعر يتكرر شكلا ومضمونا كشارة الأخبار، والرواية هي هي مثل مسلسلاتنا التلفزيونية الرتيبة المملة، والمسرح هو هو مثل وجه المرحوم كيم إيل سونغ، والنقد العربي يجتر مقولاته التي نما عليها الطحلب مثل خطابات سياسيينا العرب··· باختصار، نريد انقلابا، ثورة، عملية نوعية كخطف طائرة، أو تفجير مقر مارينز اتحاد الكتاب العرب، أو اغتيال أحد عملاء الصحافة الأدبية، أو مظاهرة عارمة تحتل سفارة البنيوية أو التفكيكية أو التركيبية أو الإلكترونية أو الفيديوكليبية···
(4)
ربما لا حل لثقافتنا إلا إذا أصبح المثقف غيفاريّا، بمعنى أن على كل مثقف عربي أن يصنع ثورته، أن يهشم زجاج الواقع كطفل شيطان، أن يلقي حجرا ليحرك هذا المستنقع الراكد الآسن الذي نسميه "الواقع العربي"·
نريد غيفارا واحدا في كل قطر عربي يشعلنا، يهشم أنف مؤتمراتنا واحتفالاتنا وعنترياتنا الصحافية والمنبرية··· غيفارا يثورنا للحظة تاريخية، ثم نقتله في غابة ونغني له ونعلق صوره على جدار يأسنا وعتمة أرواحنا·
نريد غيفارا واحدا يحطم زنزانة الأيديولوجيا (على اختلاف أنواعها) المحددة بأربعة جدران وأرض رخوة وسماء إسمنتية، وينطلق من أجل عالم محدد بأربع جهات وأرض صلبة وسماء لا قرار لها··· نريد واحدا في كل بلد عربي، يخرج على كل ما نملك من أمجاد مزيفة، وقيم وتقاليد وعادات وشعارات وأحكام، كما يخرج قاطع الطريق الصعلوك، فيعمل فيها قتلا ونهبا وحرقا، ثم يجلس على حجر يدخن سيكارته ويتأمل هشاشة هذا العالم الذي نتصوره قويا ومحكما ومتماسكا·
(5)
نريد ثقافة أجرأ من البيان الدادائي، وأنبل من الواقعية الاشتراكية، وأعمق من السريالية، وأدق من البنيوية، وأكثر إنسانية من الوجودية··· أو نريد منفى جماعيا، أو تهجيرا جماعيا للمثقفين مع معونات إنسانية كالتي تقدم الى المهجرين الأوروبيين لا الأفارقة والآسيويين والعرب· أو نريد بورصة وشركات ثقافية مساهمة واستثمارات ثقافية خارج الحدود، ونربط نتاجنا الثقافي بسلة عملات محترمة (على ألا يكون بينها الدولار كي لا تفقد ثقافتنا هويتها)··· أو نريد انتحارا جماعيا·
(6)
الثقافة العربية ستدخل القرن الحادي والعشرين بعد سنة وأشهر ولكن بغترة وعقال وربطة عنق وقميص رياضي وشورت سباحة وحذاء نسائي،
ولكن لن تجد في استقبالها·· أحداً!