رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 18- 24 صفر 1420هـ - 2- 8 يونيو 1999
العدد 1379

قراءة في "الأب مفتتح سيرة ذاتية للولد"
جماليات العنوان في البناء والسرد لدى أحمد النبهان

مصطفى عطية جمعة:

للولوج في هذا العالم الشعري، يسعى الشاعر لبناء قصيدة تميزه، ويميّزها أيضا، يجب أن يجعل المسطور والفراغ، العنوان والقصيد، وسائل ومفاتيح للنص، إلا استغلق علينا فهمه· فحين نصطدم بالعنوان، ثم الأسطر، يتوجب علينا الجمع بينهما، ثم نبدأ بالأسطر الشعرية، نتعمّق دراميتها، ومن ثم يكون العنوان ماء رقاقاً ننتشي به ويرونيا·

"من هنا مرّت العربة

والحتوف

قال: ثم انتحى

كي يشير لهم

فاستباحت دماه السيوف"

لوحة درامية، جمعت الحسي "العربة والسيوف" واللاحسي "الحتوف" حين تصبح المشارق والمغارب عنوانا لواقع واحد، يتشابه ، معالمه والبطل المثالي في  وجه الطغاة، إنه ينتحي بهم ويشير لهم، ثم يكون طعاما للسيوف هكذا تكون "الجهات" في عالم الشاعر·· تتكرر وتتشابه، فيصطبغ بدلالة جديدة تضاد الدلالة المعتادة

وقد تتسع تلك الدلالة· من الحسي الجسدي إلى اللاحسي، حين يستحيل "العراء" إلى انكشاف وتعرِّ للذات الشعرية··

بيتي الطمي·· والنوم جارُ

مرّبي عاشق

عن النص المشهد، دائر حوله، مكتس بدلالته، ويبقى البطل الشعري سلبيا، ينتصر للعشق والحبّ في دلالته الواسعة، جاعلا كل الموجودات حولنا قابلة للتفكك والذوبان·

وفي قصيدة "علي الصافي" تصبح الدلالة الكلية كتبيان للوجهة الرؤيوية التي عليها شخص العنوان وشخص الشاعر، فنحن شخصية حامل العنوان المفتتح، ونظل عقب فراغنا من القصيدة في حالة جهل لصاحب هذا الاسم، لكن يتعاورنا هذاالفضاء الكوني في التقائه بالإنساني:

"يقدح القلب بالقلب

أقداحه الكائناتُ

رمي الريح خاتمه

فاستدارت إليه الفلاةُ"

فالشخص البطل "علي الصافي" مهموم بقدح قلبه مع القلوب، ثم تصبح الكائنات اقداحا له، بدلالة موسيقية من التجنيس بين "يقدح" و"اقداحه" حيث تدعّم الترابطية الإيقاعية في النص·

هنا يتداخل الكوني "الريح" بالشخصي "خاتمه" وتصبح الفلاة ساعية وراء البطل·· الدلالة الكلية محورها هذا البطل الذي ترفّع عن ذاته ليذوب في كونه·

وفي قصيدة "الشبق" تعود الضدية في المدلول، ليستحيل الشبق بما يشتمله من لذّة وتعلّق إلى شبق أسود لتلك المرأة التي تشكو موت ولدها، والآذان مصمتة والقلوب معشاة·

لم يستيقظ باب لم يجفل فقط اشتعلت في العتمة غابات··"

عبر تلك الصورة السيريالية، حين تشتعل الغابات بفعل مجهول، فتتجاوب الأخشاب مع شبقية المرأة السوداء إلى ولدها·

"غدا: ليلة البارحهْ

أطول من ليلة البارحهْ"

هكذا يكون الغد لدى الشاعر، وهكذا تتلون الألفاظ بألوان الدلالة عن تكرارها "ليلة البارحة" فتكرر بمعنى الأمس، ثم بمعنى الغد الذي سيستحيل أيضا وتصبح الحياة مكرورة في أيامها ولحظاتها، وهذا ما يؤكده الشاعر ثانية في قصيدته "الحياة":

"كن تسعة

صرن تسعة

لم تمت غير واحدة"

فالحياة في صيرورتها لا تعبأ بالموتى، حيث يصبح العدد، والمعدود، وجهين لديمومة الأيام، فيذوب الرقم الذي يتهافته الناس، وهنا يطل التكرار "تسعة، تسعة" بالدلالة المتجدّدة نفسها، وفق البناء الشعري··

"الليل"

"يجلس الآن قرب قوافله

ويفكّر

ماذا سيفعل في كل هذا النهار؟

وماذا سيأكل في وجبة اليوم من لحم قاتله؟

عبر سياق سردي قصصي، يشفّ لايصف، يشخص هذا المهموم في ليلة، فتتجلى سمات قاطع طريق جالس بالقرب من قوافله المنهوبة، يفكر أي القطع سيأكلها من لحم "قاتله" وتلك لفظة قلقة فالسياق النصي يعطي دلالة "المقتول" لا "القاتل" فكيف يتناول الشخص لحم قاتله، الأصل المقتول الذي يصبح سائغا لقاتله·

وتتجلى دلالة الليل، متخفية في العقل المكدود بفعل النهار، إنه ليل صداميّ عنوان القلق··

"الناعي" عنوان يفارق الدلالة السابقة في القصائد، التي غدت سمة أسلوبية لدى الشاعر، هنا "الناعي" الذي يسير في الازقة والحواري والشوارع ينعي الموتى، يتقمص الشاعر شخصيته، ببناء شعري، تميز بإيقاع عالي الصوت، عالي التكرارية بـ "أنا" التي توحي بتفرد الشاعر وسط العالم، ليتحول الناعي القديم إلى ناع "حداثي" يسير في شارع العشق:

أنا الناعي

أنا الشباك والصدُّ

أنا العشاق والسرّاق والقدح المراق

أنا ابن آوى"

الوحدة الصوتية هنا قائمة على تكرارية ضمير المتكلم "أنا"،والألفاظ المعرفة بـ "الـ "، والخبر المضموم، والتتابع بالأسماء المعطوفة، كل ذلك في وحدة وتناغم صوتي، يحمل الأضداد في عالمنا، بين العشاق والسرّاق والقدح المراق، إنها تشمل الحركية في "السرّاق" والمادية "القدح" والدهاء "ابن آوي"·· ليصبح النص مركزا للعالم، وتشتمل الشاعرية على ضدية اللفظ أيضا، فالصحاري "حبلى" تجمع القحط والمطر ، ترمز إلى الضياع والاتساع" وهكذا استحال الشاعر مع كونه·

"أنا الشعراء والشهداء، جئتك فامنحيني لومرة منفى لأعرف أنك البلد"

يكون المفتاح في الخاتدة، وتصبح المعشوقة هي الوطن، يصرّح بها الشاعر في نهاية تطوافه، بعدما أناب نفسه عن الشعراء وعن الشهداء·· وعن العالم·· والدرامية أو المشهدية المنقطعة، بالفراغات والمساحات البيضاء، تشي بتفّرد في البنائية، حيث تتوارى الصورة الشعرية وتصبح متدفقة طبيعية بلا تصنع أو ندوب، فقصيدة "همّت تقبّله" بعنوانها الذي جمع بين الفعلين الماضي والمضارع، كأنه يفتتح قصة، لا يعنون قصيدة، وليعطي بعدا جديدا في بناء القصيدة، حين يكون العنوان ضمن الأسطر لا خارجا عنها، وتكون اللفظة برهافة في تشابكها مع السياق:

"خطواتها

فخّ يحوم على قنيصته،

غياب يحرس النسيان·· يشتله"

"فخ يحوم" الصورة المركبة، المرئية باللامرئية، الخطوات بالذهني وهو "الفخ"، بالحركي "يحوم" تشي بتلك المؤامرة التي تحوكها الأنثى ضد البطل·· والأنثى هي الوطن، الوطن الدافق بالخير، المنجب للمطر، هذا على امتداد القصائد لقد تشبع من الدلالة الأنثوية المعتادة، ليتوحد  الكل في عالمه··

تشابكت مقلٌ·· محا

وطنا تعلّق في الوريد وكاد يقتله··"

وهكذا تتداخل الدرامية بالصورة·· بالشخوص بالحركة ، ليحدثوا بناء متفردا، لرؤية نصية أيضا متفردة·

طباعة  

"الملتقى الثقافي" ناقش قصائده في رابطة الأدباء
أحمد النبهان يلوّح بقافية الضوء وتفعيلات الألم في وجه واقع ملتبس

 
أحمد النبهان بين التصوير والتصنيع
 
ضوء
 
وخزة
 
نافذة
 
أجراس