رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 18- 24 صفر 1420هـ - 2- 8 يونيو 1999
العدد 1379

"الملتقى الثقافي" ناقش قصائده في رابطة الأدباء
أحمد النبهان يلوّح بقافية الضوء وتفعيلات الألم في وجه واقع ملتبس

تابع "الملتقى الثقافي" جلساته دورية في رابطة الأدباء، وناقش الأحد قبل الماضي نصوصا شعرية للشاعر أحمد النبهان الذي أصدر باكورة إنتاجه الشعري بعنوان "الأب مفتتح سيرة ذاتية للولد" وقدّم المشاركون في الجلسة مداخلات مكتوبة أضاؤوا فيها عالم النبهان الشعري، ولامسوا بعض أسرار عملية الإبداع لديه، كما جرت مناقشات أخرى حول بعض النقاط الخلافية· وننشر هنا بعض ماطرح من مداخلات مكتوبة استكمالا للفائدة·

 

قابيل وهابيل على المسافة بين الوجه والقناع

 

محمد يوسف

أحمد النبهان شاعر له عينان زائغتان·· عين مفتونة بـ/جنة الإيقاع والقافية المبرومة المجلفنة جلفنة ملف التحويل في الدينامو الكهربائي الذي ابتكره مايكل فاراداي·· وعين تحوم حوم الصقر حول نار القصيدة العارية من الإيقاع الشكلي والمغطاة بورق توت القافية المغناج·

هل يمانع أحد أن يكون النبهان باسطا جناحيه في الفردوس الإيقاعي المدندن أو المجلجل أو الخافت الهامس أو المصبوغ بألوان شطحات وجموحات الذاكرة والمخيلة الممسكة بفرشاة المس الجنوني السابح في تحولات تجليات الأشياء والكائنات··؟

لا أحد يمانع طبعا شريطة ألا يسمح أحمد النبهان للإيقاع أو القافية أن تراوغه·· فيباغت بأن نسغ الإيقاع أو القافية ما هو إلا لزوجة اللغة المخبأة في محارة الجلفنة·

فما الإيقاع سوى موسيقى·· وما القافية المغناج إلا موسيقى داخل الموسيقى··

لا بأس أن يحتشد أحمد النبهان بالموسيقى على أن تكون شفافيتها أرجح من كثافتها·· أي أن تكون الموسيقى غلالة لـ/جسد النص·· لا جسدا آخر يعقل جسد النص·

في شهادته التي قدمها منذ عدة أيام في دار الفنون بمؤسسة شومان في عمّان /الأردن·· يقول قاسم حداد: كنت ممن يشعرون بميل أليف نحو الإيقاع حتى أن كتابتي خارج الوزن لم تغادر الموسيقى بشكل ما، ولا أزال أشعر بلذة روحية غامضة في الكتابة وزنا· وأكاد أقول إن مدخل أي نص أو تجربة هو دائما لحظة كثيفة من الموسيقى· أظن أن للحس الموسيقي في التجربة صلة بالمكونين النفسي والاجتماعي المبكرين·

ويرجع قاسم حداد جذور الإيقاعية لديه الى:

- تراث الطقوس الحسينية من بكائيات ولطميات·

- المهن التي مارسها وعمل بها: الحدادة حيث كانت له عدته ومطارقه الخاصة فضلا عن العيش في سوق الحدادين، والبناء إذ عمل "فاعلا·· و·· كان الإيقاع "يتمثل في أغاني العمل وتكسير أنواع مختلفة من الأحجار البرية والبحرية"، والنجارة حيث عاش مع النجارين صناع السفن (القلاليف)·

- الولع المبكر بأغاني الغوص والبحر·

إن تعرف حداد على تجليات الحياة عبر هذه المهن والحرف حفز حفر النزوع الكامن في نفسه "لحرية خلق الإيقاع" وغرس "بذرة الشعور بحرية العلاقة مع لغة التعبير عن الذات مهما كانت آليتها حيث يصعد الإيقاع ويتعمق كمفهوم يتجاوز الفيزياء ليصبح أكثر شمولية ورحابة وعمقا"·

"لقد كنت محاطا بتجليات الإيقاع من كل جانب ماديا وروحيا، وفي شتى مراحل حياتي حتى إنني أجد في كل أشياء الحياة ضروبا من الموسيقى لا يمكن تفاديها"·

إنني أكاد أزعم أن أحمد النبهان له جذور إيقاعية ضاربة في تربة الاشتباك مع الآخر·· ومحاولة التحاور معه أحيانا، ومحاولة تقمص الآخر أحيانا أخرى·· وأكاد أزعم كذلك أن قصيدة "الناعي" هي النص الذي يدغم الذات بصفتها "أنا" والذات بصفتها "نحن"·· أي أنه يحاول إدغام الذات المفردة مع الذات الجمع ليضع قابيل وهابيل في قلب الحلبة على المسافة بين الوجه والقناع تحقيقا ليقين لا متحقق لشهوة سيزيفية كامنة!

هذه الشهوة السيزيفية تندلع فتهتك القناع وتخدش الوجه وتخمشه··

بأظافر من؟

ربما بأظافر قابيل القاتل!

وربما بأظافر هابيل القتيل!

وربما بأظافر سيزيف الرهينة بين الجاني والضحية!

وكأن أحمد النبهان يستنجد بـ/رامبو:

"أنا القاتل والقتيل··

أنا الجراح والسكين··

ماذا يلمع على جسد النص إذن: نصل السكين·· أم نصل الإيقاع؟

الجواب: النصلان معا··

"أنا الناعي

أنا الشباك والصد

أنا الأسلاف والسياف والغمد

أنا العشاق والسراق والقدح المراق

أنا ابن آوى

قرط عاشقة تهاوى·· غيبتي الجسد

أنا صفين في أكمامها أحد

أنا الأمد

····

أنا الشعراء والشهداء جئتك فامنحيني لو مرة منفى

لأعرف أنك البلد··

ها هي اللغة تراوغ الشاعر·· إذ تطلقه في كبسولة التجريدي المطلق·· (أنا الأمد)·· لترتد به الى التجسيدي النسبي: المنفى الذي يحلم به·· ويحتكم إليه حين يتلمس الطريق الى معرفة البلد··

والبلد هو الآخر واقع على الحافتين: التجريدي المطلق·· والتجسيدي النسبي··

لكن الذات الجمع هي الطاغية وإن كانت قد استترت وتخفت ورقطت نفسها بالإيقاع الصارخ في الذات الأنا··

كأن هناك جموعا وحشودا داخل الإيقاع·· وكأن هناك جماهير وناسا وبلاد الله خلق الله·· وكأن هناك الحاضرين الغائبين كما في مسرحية يوجين أونيسكو "الكراسي" فلمن إذن يحتشد المنشد ويجلجل الإيقاع؟

ومع إصرار أحمد النبهان على مخاطبة الأضداد·· يكتشف أن النصل اللامع لا يميز بين الماء والزبد·· ولا بين الماء والدم·· ولا بين رغوة الإيقاع·· ورغوة الفقاعة؟ ولذا فإن أحمد النبهان "يزعق" بكل عزمه نيابة عن الجموع والحشود حتى إذا سجت قافيته ألجأته اللغة أو لجأت به اللغة إلى المراوغ·· فراغ وزاغ ·· وكأنه زيغه··و "زوغانه" وقوعا في فخ التوسل·· وكمين الأمل المؤسس على قيام ربما خديجة·· منح (الخديج) شرعية المنفى··!

 أسئلة الفخ والكمين

عند مفصل الفخ والكمين تندلع الأسئلة:

- هل الشاعر الحقيقي هو هادم التواطؤ مع السلطة؟ ومن ثم فهو بالحتمية منفي؟!

وهل حتمية نفيه منحة أم محنة؟

إذا كانت منحة سقط الشعر والشاعر بالتواطؤ·· وإذا كانت محنة أباح الشاعر دمه بنفسه على طريقة الحلاج:

"اقتلوني تؤجروا؟"

لقد أحل لكم دمي فاقتلوني تؤجروا··

ثم··

ما هو المنفى؟

هل المنفى هو الوطن؟!

أم غواية "البلد" وشهوتها المنتعضة لنفي الشاعر هي "جسد" المنفى؟

تأسيسا على هذه الأسئلة·· فإن العلاقة بين "الوطن" والشاعر إذا كانت مبنية على جدلية التضاد والتصادم والانخلاع من التواؤم والانسجام التدجيني مع "البلد" والانسلاخ من التواطؤ المبني على اغتصاب فترة الاختلاف والتحريض والاستفزاز والتحدي·· ففي هذه الحالة فإن مفهوم مطالبة الشاعر "البلد" بـ/منحة منفى فكرة قائمة على موقف سلبي هش يحنط فكرة انتزاع المنفى والظفر بـ/النفي كأنه مومياء باردة جامدة الملامح··؟!

بشكل مكثف: إن انتزاع "منحة" المحنة تأجيج لرؤية الشاعر، واندلاع كيميو ــ فيزيائي لصيرورة وسيرورة هذه الرؤية·· وبدون جدلية الانتزاع يلمع نصل سكين التدجين على عنق رؤية الشاعر·

 

بوصلة قادرة على مشاكسة الرمز المخفي

 

لتنعقد نية أحمد النبهان على مفارقة ومجافاة المراوحة بين الفخ والكمين·· ليخرج وحده شاهرا "جسد" نصه الشعري وحيث يكون الشعر خبزه وملحه·· والخبز مع هذه الكينونة معجون بالدم·· والملح بللورات من الدموع··

ولذا فإن أحمد النبهان يحاول تحوير خبز الدم وملح الدموع الى بوصلة لـ/رؤيته الشعرية·

في "همت تقبله" تجمح قدرة البوصلة على مشاكسة الرمز المخفي في الصورة الشعرية لتفجير ثنائية الذكورية والأنوثية في تضفير جدي يفضح مخيلة خصبة تستدرجك الى النبع لتكتشف لحظة أن تهم بالارتشاف أن ملح الدموع سبقك الى الماء فاستعصى عليك الشرب فعدت ظامئا ظمأ العاشق الذي كاد يقتله الوطن الذي تعلق في الوريد·· و"الوردة" التي "همت تقبله"·

وما بين الظمأ الذكوري في "همت تقبله" والجسر الذي شيدته المخيلة لـ"الوردة" المخاتلة التي "تبلله" بـ/الجمر المتشكل من ذوب الكحل في أجفانها·· تباغتك الصورة الشعرية بـ/فلقة أخرى حيث يفلت من حديث "الوردة" المخاتلة و"الولد" المبلل بالحمر·· صبي·· كان يشبه في يديه صبية·· همت تقبله!!

فالصبي إذن خاطف ومخطوف·· قاطف ومقطوف·· والغواية عبر الصورة الشعرية في أوجهها·· لكنها مع "فعل" الهم يتهشم "الأوج" فلا يكتمل جموح الغواية·· وفي عدم اكتماله يقين لا متحقق لـ/شهوة سيزيفية كامنة أيضا··

وهكذا يظل أحمد النبهان مع "صخرة" الغواية محاولا الصعود بها الى ذروة الذات الجمع فتفلت من يديه وهو على مسافة حلم من الذروة فتنفلت منزلقة الى أسفل·· وهو وراءها في مسعى حثيث لترويضها··

أكاد أحرض أحمد النبهان أن يتخلى عن "سيزيفيته" مكبلا حتى تتمكن ذاته المفردة من ترويض صخرة الغواية وتصفية رؤيته الشعرية من الذوبان في الهاجس الجموعي·· لتكون "كينونة الذات" أكبر من "كينونة الآخر"·

مع كينونة الذات متسع للتحاور والتجاذب مع كينونة الآخر·· ومعها أيضا يخضر الإيقاع باليومي / والدرامي/ وتفاصيل الحياة الممتلئة المفعمة بالذرى الصغيرة الحميمة للعلاقات الشفافة بين الكائنات: الطيور/ الفراشات/ الحيوانات/ ودورة الدم والماء والأرض والطين والصلصال وتجليات الكائن البشري الذي يزرع النار الخضراء في هشيم النصل الحجيمي المسنون··

طباعة  

أحمد النبهان بين التصوير والتصنيع
 
قراءة في "الأب مفتتح سيرة ذاتية للولد"
جماليات العنوان في البناء والسرد لدى أحمد النبهان

 
ضوء
 
وخزة
 
نافذة
 
أجراس