رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 11- 17 صفر 1420هـ 26 مايو - 1 يونيو 1999
العدد 1378

إسرائيل مع باراك: إلى أين؟

الى أين تتجه إسرائيل بعد انتصار ايهود باراك الساحق؟ وما هي آفاق عملية السلام في الشرق الأوسط؟ هل يحمل باراك جدول عمل داخليا وخارجيا مختلفا عما كان لدى سلفه اليميني، أم يتابع السياسة نفسها، لا سيما إزاء العرب، إنما بوسائل مختلفة؟

قبل كل شيء، ينبغي الأخذ بالاعتبار أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية وغالبية الدول العربية كانت ترغب في إسقاط نتانياهو· فهذا الأخير جمّد عملية السلام وتراجع مرارا عن عهود ومواثيق، وضخ دما جديدا قويا في الأصولية اليهودية في الدولة العبرية·

حسب صحيفة "واشنطن بوست" تنفست الإدارة الأمريكية الصعداء أمام هذا التغيير الكبير، فهي تعتبر أن باراك لم يحصل من الناخبين على مجرد تفويض للحكم، إنما على تفويض قوي جدا·

لذلك، عبر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، الذي طالما أحبطه بنيامين نتانياهو، عن "أحر تهانيه" لزعيم حزب العمل· وحسب الصحيفة نفسها، تعهد الرئيس الأمريكي لباراك "العمل بحماسة من أجل إقامة سلام عادل شامل يعزز أمن إسرائيل" وأكد له تطلعه الى العمل عن كثب معه·

من حق الولايات المتحدة أن تشعر بالارتياح، فجدول أعمال نتانياهو كان يعوق جدولها في الشرق الأوسط· أفلم يكن نتانياهو سببا رئيسا لتعزيز حجة القابلين بالمعايير الأمريكية المزدوجة في الشرق الأوسط؟ فإذا كانت واشنطن تسعى الى تطبيع بين إسرائيل والعرب، كان نتانياهو يفكر بعقلية "القلعة" مناديا بإقامة أسوار حول الدولة العبرية بدلا من مد أيادي المصافحة·

وانتصار باراك، ربما يفسح المجال لاستئناف المفاوضات مع سوريا من النقطة التي بلغتها في فبراير عام 1996· وهذه المفاوضات كفيلة نظريا بحل الملفين اللبناني والسوري· وإذا أضيف الى ذلك تنشيط المسار الفلسطيني نحو الاتفاق علي الوضع النهائي في غضون سنة واحدة، يكون بإمكان كلينتون أن يترك لنائبه آل غور، المرشح لانتخابات الرئاسة المقبلة، إرثا يغنيه عن توسل تعاطف الناخبين اليهود الأمريكيين·

إذا كان التفاؤل الأمريكي مبررا، فماذا عن التفاؤل العربي إزاء هذا الحدث؟

قبل كل شيء، يمثل سقوط نتانياهو تلاشي عقبة قوية أمام عملية السلام· والتغيير الحاصل لا بد أن يكون إيجابيا، لكن ما مدى هذه الإيجابية؟ فزعيم حزب العمل تعهد مرارا بالمحافظة على القدس بجزئيها الشرقي المحتل والغربي عاصمة أبدية لإسرائيل·

وهو موصوف بأنه زعيم "صقور" حزب العمل لا مثل المفاوض يوسي بيلين· وباراك أعلن رغبته في إبقاء إسرائيل "دولة صهيونية حديثة للجميع"، ولم يقدم للناخبين العرب الإسرائيليين تنازلات معلنة· لكن في الوقت نفسه يؤكد باراك أنه سيواصل نهج سلفه العمالي اسحق رابين الذي صاغ إعلان أوسلو مع منظمة التحرير عام 1993، وأبرم اتفاقية وادي عربة للسلام مع الأردن عام 1994، وقطع وعدا لسوريا بمناقشة مبدأ الانسحاب من مرتفعات الجولان في مفاوضات واي بلانتيشن عام 1996· وإلى ذلك يكرر باراك شعار رابين وهو أن عمق الانسحاب من الجولان لا بد أن يكون موازيا لعمق السلام مع سوريا، أي أن الانسحاب الكامل يجب أن يكون موازيا لتطبيع كامل للعلاقات (وإن اقتصر ذلك على العلاقات الرسمية)·

حتى لحظة انتصار باراك لوحظت أشياء كثيرة، فالولايات المتحدة عملت ما في وسعها لمنع ياسر عرفات من إعلان الدولة المستقلة في الرابع من مايو خشية أن يستفيد نتانياهو شعبيا، وهي نجحت· ولوحظ أيضا أن السلطة الفلسطينية بذلت أقصى ما تستطيع لمنع حركة "حماس" من تنفيذ عمليات انتحارية أو غير انتحارية ضد إسرائيل· وأن واشنطن ضغطت لتبريد الوضع في جنوب لبنان أو لإبقاء الصراع ضمن حدود تمنعه من الجنوح الى انفجار شامل·

هكذا نجح الرهان الأمريكي على إسقاط نتانياهو، فهل ينجح الرهان على إحياء عملية السلام؟ هناك مؤشرات ذات مغزى، فانتصار باراك كان موازيا لانتصار كبير في الكنيست، أي أن رئيس الوزراء المقبل سيعمل بغالبية مريحة· وإذا كان حزب "شاس" الديني زاد عدد مقاعده الى 14، فهذا الحزب لا يعارض مبدأ مبادلة الأراضي بالسلام· وهو كان شريكا حكوميا لرابين، وحتى لو رغب باراك، الذي كان شعاره الوحدة، في ضم وزراء يمينيين الى حكومته، فهو سيفعل إنما من موقع القدير، لا من موقع الضعيف المضطر الى المساومة·

هذا خارجيا، لكن ماذا عن دولة إسرائيل التي تجمع يهودا من مختلف المشارب؟ فانتصار باراك ضربة للقوى الدينية·

ففي الحملة الانتخابية، تبادلت الأطراف المتنازعة اتهامات تذكر بالمواقف السياسية قبيل اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، حتى أن نتانياهو حذر مواطنيه من أن باراك سيعمل على تضييع إسرائيل· ووزير الداخلية ايلي سويسا المنتمي الى حزب "شاس" اتهم اليهود الروس بأنهم "مزيفون ومخادعون وقوادون" ورئيس مجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية بنحاس فاليرشتاين اتهم باراك بأنه ينوي تنفيذ تطهير عرقي بحق المستوطنين في الضفة وقطاع غزة· أما الممثلة تيكي دايان فوصفت مؤيدي نتانياهو، وفيهم غالبية من اليهود الشرقيين الفقراء الناقمين على اليهود الغربيين، بأنهم "رعاع وسفلة"·

وفي هذه الأثناء، كانت تتصاعد شعبية يوسف لابيد زعيم حزب "التغيير" العلماني الذي يهاجم بعنف نفوذ اليهود المتطرفين في الحكومة والمجتمع·

في أي حال هناك قطبان متنازعان في إسرائيل، اليهود المتشددون الذين يريدون تطبيق الشريعة اليهودية ويرفضون أي تعايش أو مساومة مع اليهود العلمانيين والعرب· وهناك اليهود والعلمانيون الذين يرون بأن الدولة التي يحكمها سياسيون منتخبون لا حاخامات هي بداية تاريخية للخروج من ماضي التشتت والاندماج بالآخرين· وعلائم الخطر ازدادت في الحملة الأخيرة، ففضلا عن قتل رابين في عام 1995 برصاص المتطرف ايغال عامير، تلقى باراك تهديدات بالقتل، وشهدت الحملة الانتخابية 250 حادث عراك وتضارب حسب مصادر الشرطة، لقي ناشط من ليكود مصرعه في أحدها·

ما كانت الانقسامات لتظهر بهذه الضراوة قبل بدء عملية السلام، ومن المرجح أن تستشري مع اندفاعها· فهناك أساس المستوطنات وإزالتها، وهناك القدس الشرقية التي لم يعترف أي طرف دولي بسيادة إسرائيل عليها، فضلا عن القضايا الداخلية مثل التمويل الحكومي للمدارس التلمودية وإعفاء طلاب هذه المدارس من الخدمة العسكرية·

هل يتنازل باراك عن القدس الشرقية؟ حتى الآن هو يرفض· لكن مناحيم بيغن اليميني كان يدعو قبله الى "إسرائيل الكبرى" ثم سحب جيشه من شبه جزيرة سيناء كلها· وحتى نتانياهو نادى بـ"السلام مقابل الأمن" لكنه انسحب جزئيا من الخليل ونفذ في أي حال المرحلة الأولى لاتفاق واي ريفر المعقود في أكتوبر الماضي·

طباعة  

الخطوط العامة لحكومة باراك: استبعاد المتدينين واستكمال السلام
 
كوسوفو: الرأي العام الغربي يتململ من طول التدخل وبطء الدبلوماسية