· القصيدة بنت المجتمع والبيئة تأخذ شكلهما وتكون صداهما
· "قصيدة التفعيلة" صدى مرحلة التحرر القومي والاجتماعي
· هناك أشكال أخرى لم يكتب لها النجاح لأنها كانت.. عبثاً شكلانياً!
كتب المحرر الثقافي:
الشكل والمضمون في القصيدة مقولة نقدية شغلت النقاد قديما وحديثا، ومنهم من فصل روح القصيدة عن جسدها، ومنهم من جعلهما متلازمين أبدا· والناظر إلى القصيدة العربية في تحولاتها عبر الزمن يجدّ أنّ تلازم هذين العنصرين واضح كل الوضوح، فقد كانت القصيدة الجاهلية والأموية بنت البيئة الاجتماعية التي أفرزتها، فبيت الشعر "بكسر الشين" هو بيت الشعر "بفتح الشين" نفسه، له شطران أو مصراعان ويقوم على أعمدة وأوتاد وأطناب، وكل بيت منفصل عن الآخر كما تتناثر الأخبية في البيئة الصحراوية، واللغة التي تتحرك فيه كساكن ذلك البيت الذي يعيش بين نبات البيئة ورمالها وحيوانها وألوانها وأصواتها، وكانت القافية الواحدة تعبيرا عن هاجس الوحدة والترابط الاجتماعي الذي يؤلف نسيج القبيلة، حتى إنّ البحور الشعرية التي نظم على أنغامها الشعراء كانت أشبه بوقع أقدامهم وخبب خيولهم ووخد جمالهم ودبيب ماشيتهم، أليس هناك تشابه بين حركة الجمل وبين حركة إيقاع "الطويل" مثلا، وأعتقد أن دراسات صوتية وحركية لهذه المسألة ستصل بنا إلى نتائج مهمة·
القصيدة والحضارة
في نهايات العصر الأموي، وكان المجتمع قد تغيّر نوعا من الناحية الحضارية، وأصبح للموسيقى حضور لافت في حياة الناس، خرج علينا الوليد بن يزيد، الخليفة الشاعر، بلون جديد من الشعر، اعتمد على البحور المجزوءة والقصيرة، بل إنه اخترع بحرا جديدا هو "المجتث" الذي سيذيع استخدامه في العصر العباسي، وبالطبع ترافق ذلك مع تغير في الموضوعات إذ لم تعد القصيدة إلاّ متنفسا للذات والهمّ الذاتي، انحسر فيها الجانب "الموضوعي" أو ما هو خارج الذات، فلم يعد الشاعر ناطقا باسم القبيلة وإنما باسمه وحده، كما أن الموضوع الإنساني من حيث العلاقات والعواطف طغى على الوصف والسرد·
أسس الوليد بن يزيد سلالة فنية تمثلت بتلميذيه الفنيين مطيع بن إياس ووالبة بن الحباب، والأخير كان الأستاذ المباشر لأبي نواس، وكانت جدلية الذات والآخر قد اضطرمت بحدة أكبر، وخاض هؤلاء الشعراء ولا سيما جيل أبي نواس معركة التجديد وأعلنوا انقطاعهم الواعي عن عمود الشعر وعن شكل القصيدة القديمة شكلا ومضمونا: وهجس بعضهم - مثل أبي العتاهية - ببحور جديدة غير خليلية، ولعل أبا نواس هو مخترع البحر العباسي "المقتضب" فهو - على حد تخميننا - أول من استخدمه·
أشكال جديدة
وظهرت في هذا العصر أشكال جديدة للقصيدة كالمخمسات والمربعات والمسمطات والدوبيت·· إلخ وكان أبرز ممثليها أبا العتاهية الذي نظم قصيدة طويلة على المثنوي ضمنها رؤيته إلى الحياة والوجود، ثم ظهرت المنظومات القصصية والتاريخية على النمط نفسه وهكذا ووضع حد لقداسة وحدة القافية في القصيدة، غير أن تطوّر الكتابة النثرية واتجاهها نحو السجع والمحسنات البديعية عرقل - في رأينا - تطور الشعر نحو أشكال تحرر أخرى، إذ إن المزاج الزخرفي الذي أفرزته طبيعة المجتمع المترف " في المأكل والملبس والمسكن" جعلت الشعر يعود إلى الغرق بقيود شكلية كان قد تحرر من أمثالها سابقا·
أما في الأندلس فقد كانت الموشحات ثورة شكلانية، فهي - من حيث هي فنّ شعري جديد - عصفت بالقوانين الخليلية للوزن والقافية وأسست قوانين جديدة وأحيانا بحورا شعرية جديدة· غير أن الموشحات كانت قصائد غنائية بحتة لم تتسع للتجربة الإنسانية بمداها الواسع، ولذلك كان أثرها الفني محدودا ولا سيّما أنها لم تكن ثورة تحررية فقد كانت قيودها من الكثرة بحيث لا تصلح معها أن تكون قصيدة المستقبل·
ومن جانب آخر كان النثر يتطور في اتجاهين، اتجاه زخرفي اعتمد على الزينة اللفظية والمحسنات الظاهرية، واتجاه آخر ينحو منحى رمزيا وهو نثر المتصوفة الذي أخذ يلامس منطقة الشعر غير أنّ المرحلة كانت قد مالت نحو الشكل الأول الذي كان صورة عن المجتمع الغارق في مدينة غلب عليها الزيف والتظاهر والتبرج والبطر·
القصيدة المعاصرة
كان على القصيدة العربية أن تنام في سبات طويل حتى العصر الحديث لتستيقظ على أصداء العصر، والثورات الفنية في أوروبا التي كانت نتاجا لتطورات اجتماعية وفكرية وفنية مختلفة فأعاد أحمد شوقي ومن قبله البارودي إلى القصيدة العربية رونقها، ولكنه في الوقت نفسه هيأها لرياح التغيير، ولا سيمّا في شعره القصصي والمسرحي، غير أن الرومانسيين العرب جبران والمهجريين وجماعة أبولو و"الديوان" أحدثوا أوّل ثورة شكلية في القصيدة العربية، وهي أشبه بما فعل الوليد بن يزيد قديما ، فقد تغيرت على أيديهم اللغة والأوزان والقوافي معا، وتخلصت القصيدة من رتابتها وضيقها وانفتحت على الذات الإنسانية الرحبة والإيقاعات الملّونة والسلسة والحيوية·
الشعر الحديث
لم يكن "الشعر الحديث" أو قصيدة التفعيلة نبتا غريبا كما كانت توصم به حين ظهورها، وإنما كانت نتيجة لهذه التحولات التي أصابت القصيدة قديما وحديثا، كما كانت نتيجة للوعي الفني المتأثر بالنظريات الفكرية والنقدية الاوروبية، غير أنّ استعداد القصيدة العربية لهذه التحولات عكس حاجتها إليها، فكان هذا "اللقاح" الأوروبي قد لاقى أزهارا عربية متلّهفة وجاهزة ومهيأة·
كانت قصيدة التفعيلة التي أحدثها السّياب والملائكة وآخرون صدى فنيا لمرحلة التحرر القومي، والنضال ضد أشكال الاستعمار والاستغلال، فقد ارتبطت منذ بداياتها بوعي سياسي خاص، ولم تكن نقلة شكلية فحسب، إذ قلّما تجد قصيدة من مرحلة الرّواد لم يكن الوطن أو المجتمع موضوعا لها، والحرية راية خفاقة فيها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بل إنّ بعضهم نظر إلى الحياة والفن نظرة شمولية ولم يفصل الوعي الفني عن الوعي الاجتماعي·
وبما أن قصيدة التفعيلة كانت متحررة إلى أبعد حد، فقد كانت مفتوحة على تجارب لا حصر لها، حتى كأن لكل شاعر حديث مذهبا فنيا خاصا به، فمن تيار السيّاب بغناه الرمزي والرومانسي والأسطوري إلى عالم أدونيس المعرفي الفلسفي إلى إنسانية البيّاتي وغجريته إلى الحس التاريخي والأسطوري والإنساني في قصيدة محمود درويش·· إلا أننا يمكننا تلمس خطوط عامة لقصيدة التفعيلة في العقود الأخيرة، فهي إما غنائية "كما في شعر نزار قباني" أو تأمّلية رؤيوية "أدونيس" أو غنائية تأملية "محمود درويش" أو تجريبية "وفيها توظف فنون أخرى كالمسرح والسيناريو ···"·
كما أن القصيدة الحديثة تنوّعت بين القصيدة الواضحة المباشرة، والقصيدة الموحية غير المباشرة، والقصيدة الغامضة، ومن حيث الشكل فمنها ما اعتمد على تفعيلة واحدة وقواف متعددة "كمعظم الشعر الحديث" ومنها ما أعتمد على تنويع التفعيلة والقوافي "وهي تجارب قليلة" ومنها ما أعتمد على التفعيلية دون القافية "سعدي يوسف مثلا" وهناك أشكال أخرى لا نستطيع حصرها، إلاّ أننا نقول إن قصيدة التفعيلة الطويلة والقصيرة والمقطعة والمدورة لم تستفد بعد تجاربها، وهي تغتني يوما فيوما على أيدي شعراء أصلاء، كما أنها حسمت معركتها الفنية مع القصيدة العمودية بصورة شبه نهائية
قصيدة النثر
في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات ظهرت قصيدة جديدة حار أصحابها والنقاد معهم في تسميتها فهي قصيدة لا وزن لها ولا قافية، إنها كالنثر ولكنها كالشعر أيضا، فسماها بعضهم "قصيدة النثر" على ما في هذه التسمية من تناقض، وسماها بعضهم "الشعر الحر" ولعلها الأنسب والمعبر أكثر عن ماهيتها، وبعضهم من خصوم الشعر الحديث أطلق عليها اسم "النثيرة" "مقابل "القصيدة"· وهذه القصيدة التي رفع لواءها أورخان ميسر ومحمد الماغوط وغيرهما شقت طريقها بصعوبة أيضا، غير أنها استطاعت في العقدين الأخيرين أن تحقق النجاح وأن تنتزع الاعتراف بشرعيتها في الساحة الشعرية العربية·
ما يهمنا في "قصيدة النثر" أنها كانت التطور الشكلي الأخير في القصيدة العربية وقد اعتمدت بالدرجة الأولى على اللغة الشعرية، والصورة الفنية، والرعشة الذهنية الخاصة فاستغنت عن الوزن بالعلاقات اللغوية الخاصة والكثافة الشعرية، وعن القافية بالمفارقة واللحظة الشعرية والوقفة الشعورية، وهي بالتالي التصقت أكثر بالشاعر ذاتا مبدعة، لم يعد هناك قوانين محددة وواضحة لكتابة قصيدة النثر، وإنما اعتمدت كل الاعتماد على أصالة صاحبها، وشعرية لغته، ولم تعد تستعير جمالياتها من "الموضوعي" كالقصيدة العمودية وحتى "قصيدة التفعيلة" إلاّ ما دخل ضمن رؤيتها الفنية "كالبياض والهامش والخط·· إلخ"
وهناك أشكال أخرى لم يكتب لها النجاح حتى الآن لأنها كانت تجارب شكلانية بحتة كالقصيدة المصورة والإلكترونية والحروفية وغيرها، وهي أشبه بتجارب شعراء عصر الانحطاط الذين كانوا يكتبون قصيدة تقرأ من فوق إلى تحت أو العكس، أو قصيدة دون نقاط إلى غير ذلك من بهلوانيات وعبثيات شكلانية غير مرتبطة برؤيا شاملة "على عكس الدوائية التي ارتبطت بمفهوم شامل عن انحطام الوجود الإنساني وانكسار مصداقيته الأخلاقية"·
قصيدة المستقبل
والسؤال الآن: ما مصير القصيدة العربية في القرن المقبل؟ وماذا بعد قصيدة النثر؟ هل نضرب في الرمل ونتنبأ بالمجهول، أم هناك مؤشرات ودلائل على ملامح قصيدة العرب المستقبلية؟
لن يستطيع أحد التنبؤ بشكل قصيدة المستقبل، وإنما تظل صورتها في إطار التساؤلات والتكهن واستشراف الآتي، إلا أننا نؤمن أنّ القصيدة العربية ستتغير حتما في شكلها ومضمونها اعتمادا على المعطيات الآتية·
أولا: قيل إن الشعر العربي بدأ من سجع الكهان والتراتيل الدينية وهي أشكال نثرية تعتمد على الإيقاع المؤثر فهل نحن الآن في مرحلة جنينية لظهور قصيدة موزونة أخرى، ليست على النمط "الخليلي" وليست على إيقاع الجَمل وإنما على إيقاع العصر ومنجزاته الحديثة "لن تكون السيارة طبعا إحداها" فمن يدري قد تكون تلك القصيدة مكونة من شطرين أو ثلاثة أو أكثر، أو شطر واحد، والتفعيلة فيها هي الحركة والسكون فقط؟!
ثانيا: هل تجمع قصيدة المستقبل الأشكال الثلاثة كلها "كما هي في بعض التجارب الحالية" لتصبح قصيدة ذات وظائف مختلفة ومستويات متعددة "كالوقفات العمودية النغمية في قصيدة محمود درويش، والوقفات النثرية في قصيدة أدونيس"؟
ثالثا - هل تصبح تلك القصيدة مرئية ومسموعة "وتظهر مؤشرات حالية" وهذا يتطلب تغييرا في العناصر والأدوات والأشكال والوظائف؟
رابعا - هل ستعلن وفاة الشعر وتعطى لغته ووظيفته لفنون أخرى كالقصة القصيرة والرواية والمسرحية والسينما؟
خامسا - هل ستعود دورة الحياة وتعود القصيدة العمودية (كما بدأت تعود في أوروبا "ما بعد الحداثة" بعض الأشكال القديمة) أم أن العرب سيخرجون من التاريخ والجغرافيا هم وقصيدتهم؟!
تلك هي تساؤلات قد لا تقود إلى إجابات محددة، كما أنها ليست بالضرورة التساؤلات الأخيرة، فلعل أهم تساؤل لم نتساءله هو الذي يأتي "سادسا" وهو: هل قصيدة المستقبل قصيدة جديدة كل الجدّة لا تشبه كل الأنواع التي ذكرنا؟