رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 11- 17 صفر 1420هـ 26 مايو - 1 يونيو 1999
العدد 1378

أفق

في مرايا الطّفولة

 

نزار فلوح

1 - وجوهنا أم وجوههم···؟

بين طفولة الشاعر ووعظية الناظم مسافة افتراق هي كالفجوة بين دهشة الحلم وضجر الواقع اليومي، فالكلمة الطازجة والصورة البكر تفتحان عيوننا وحواسنا على عوالم كأننا لم نرها من قبل، بينما تمر الموعظة بنا وقد اكتست نظماً إنشائياً على شاكلتها الرتيبة، تمر مروراً باهتاً أرهقته روح التكرار والدوران على المنوال نفسه··· راودتني هذه الخواطر وأنا أتجول في معرض رسوم الأطفال الذي نظمه مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية في قاعة المركز الثقافي العربي بدمشق، وعبثاً كنت أبحث عن ظلال الطفولة ومرح أولوانها ودهشة البراءة فيها، ذلك لأن معظم تلك الرسوم التي نفذت بأصابع الطفولة إنما رسمت وفقت تقنين وتفصيل مسبقين أملتهما معادلات وشروط ذهنية وإبداعية أقرب إلى عالم الكبار وقيمه الأخلاقية العامة، وقد ظهر ذلك في شتى الموضوعات التي حاولت رسوم الأطفال التعبير عنها من وطنية وقومية وإنسانية وطبيعة وذاتية، فوسمت هذه الرسوم في غالبيتها منهجية تقليدية مستمدة من نزعة مدرسية تلقينية مباشرة، أما اللوحات القليلة التي حاولت أن تنجو من هذا الإطار فقد ضاعت معالمها - للأسف - وسط ذلك الكم الهائل من الرسم المدرسي المقترح سلفاً في موضوعاته وعوالمه وآليات تحقيقه الجمالية·

لا تعني ملاحظتنا السابقة مطالبة الطفل الموهوب أن يجترح المعجزات الفنية، أو أن يتجاوز ما هو قادر عليه أصلاً، بل ندافع هنا عن حق الطفل في امتلاك فسحته الإبداعية الخاصة التي تضمن له صوته المميز ولغته الخاصة، بحيث ينظر في مرآته فيرى ذاته وحلمه·· قيمه ودهشته لغتة وأمانيه لم تدجنها ذوات الآخرين وقيمهم المستمدة من عالم الكبار الذي تشوهه أخلاقيات التعامل اليومي وقسوة شروط العيش التي تفرز أنماطاً من التفكير والسلوك لا تأخذ بيد الطفل في دروب الإبداع والانطلاق والتفتح المحايد البريء، خصوصا أن عالم طفولة اليوم لم يعد ساذجاً وبسيطاً كما نراه من قبل، فأطفال اليوم الذي يفتحون أعينهم علي الحياة في عالم معقد وغني بمعطياته الإنسانية والحضارية والتكنولوجية والإعلامية لن تنطلي على أذهانهم المعادلات الجاهزة التي يفصلها لهم الكبار على مقياس قيمهم وشعاراتهم·

لابد من وجود منظومة قيم خاصة بعالم الطفل الثقافي والتربوي والإبداعي وأن تحظى تقنيات إيصال هذه القيم إلى الأطفال فنياً ولغوياً وإعلامياً وتربوياً بمزيد من الجهد والبحث والتأمل، فعند مخاطبة الطفل يجدر بنا - ماوسعنا - أن نخلع ذواتنا الصارمة، ونتخلى عن منظورنا القيمي الجاهز لتكون المساحة الخاصة بالطفل أكثر حرية وانعتاقاً، وعلى غرار الدعوة المعروفة للشاعر سليمان العيسى الذي يقول: "دعوا الطفل يغني بل غنوا معه أيها الكبار··" نعود إلى بدء ما ذكرناه حول معرض رسوم الأطفال فنقول: "دعوا الأطفال يرسمون ويلونون "يخربشون"··· خذوا بأيديهم·· قدموا لهم أقلاماً وأوراقاً وألواناً·· ولكن لا تفرضوا خطوطكم وظلالكم القاسية على أناملهم الطرية وأوراقهم المسكونة بالحلم·

 

2 - الملعب المستباح...!

 

لاتزال تجربة الإبداع الموجه للطفل في محيطنا الثقافي العربي تعاني كثيراً من المآخذ والثغرات، يتمثل أبرزها بحالة عدم التخصص التي تجعل ميدان الكتابة للطفل ساحة سهلة مستباحة لكل من يجد في نفسه القدرة على تكوين جملة اسمية أو فعلية، أو نظم موعظة إنشائية ومباشرة، فاستسهال الخوض في تجربة الكتابة للطفل أمر ملحوظ حيث يمارس كثيرون هذا النوع من الكتابة على هامش أنشطتهم الثقافية والكتابية الأخرى، وكأنها في نظرهم شأن كمالي يقومون به لتزجية أوقات فراغهم، أو يستجيب آخرون استجابة انفعالية عابرة لفورة موسمية، من دون أن يكونوا معنيين حقاً بهموم ثقافة الطفل وتجربة الكتابة له، كما وجدنا في الكم الهائل الذي نشر بمناسبة "العام الدولي للطفل" ولم تتحقق شروط النجاح إلا في أقل القليل منه، فقد قرأنا لأدباء كبار تجارب لم يحالفها النجاح، وذلك لأن هذا الحقل من الإبداع ينطوي على خصوصية دقيقة ويحتاج إلى استعداد خاص وملكة متميزة لا يمكن تحديد شروطها بوصفة جاهزة، فأديب الأطفال لا يتخرج في جامعة ولا يتلقى شروط الكتابة على مقاعد الدرس، بل يبدغ في حقل الكتابة الطفلية من دون أن ننتظره أو نتوقع وجوده·

في تجربة الشعر العربي الكلاسيكي - مثلاً - كتب أحمد شوقي ومن بعده عبدالكريم الكرمي (أبوسلمى) منظومات شعرية للأطفال، وكذلك فعل شاعرنا الكبير سليمان العيسى فقدم تجربة شعرية هامة حققت نجاحها ومشروعيتها من أوجه عديدة، بينما لم يبادر إلى مخاطبة الأطفال مبدعون آخرون كبار مثل الأخطل الصغير أو الجواهري - مثلاً - فما السر في ذلك؟ لعله - كما نظن - الاستعداد الخاص الذي أشرنا إلىه قبل قليل، فخوض تجربةالكتابة للطفل ليست عملاً سهلاً ولا مغامرة طائشة، لذلك لمعت في حقل أدب الطفل الوطني والقومي والعالمي أسماء محددة من دون غيرها، بينما أخفقت تجارب كتابية موجهة للأطفال بأقلام كتاب وشعراء حققوا لأنفسهم مكانة في خارطة الإبداع، ولكن هذه المكانة لم تؤهلهم لدخول عالم الطفولة والتجول في دروبه الخاصة·

من هنا فإن بعض الكتاب الذين استجابوا لنداء الملكة والاستعداد الذاتي الخاص لديهم، وأخلصوا كلياً لتجربة الكتابة للطفل لقيت أعمالهم نجاحاً وإعجاباً من قبل قراء الأطفال أكثر من محاولات أخرى لأدباء اعتقدوا أن سلم الشهرة الذي يمتلكونه يؤهلهم لتسلق هذا الجدار، فكانت النتيجة انصراف الأطفال وعدم إقبالهم على هذه المحاولات، فقد كتب هؤلاء أدباً عن الطفولة بمعنى يستوحي الطفولة ويتغنى بها، ولكنه لا يقدم نصاً موجهاً للطفل نفسه، وشتان بين التجربتين، فالأولى منها تبقى تعبيراً وجدانياً خالصاً نقرؤه - نحن الكبار - قراءة غنائية على سبيل الحنين والتذكر، بينما نهضت الثانية إلى إبداع نص خاص بالطفل يخاطب عقله وأحاسيسه، ويساعده في تأسيس ذاكرته النفسية والجمالية، هذا فضلاً عن تقديم المتعة الغنائية والسردية والتشويق الخيالي، والإيحاء التربوي بقيم الصدق والخير  والجمال وغيرها من القيم النبيلة التي ينشدها الطفل في تفتحه وانطلاقه·

طباعة  

قراءة في تحولات شكل القصيدة العربية
ماذا بعد "قصيدة النثر".. وما ملامح قصيدة المستقبل؟!

 
رحيل "شيخ القصاصين" فهد الدويري
 
إصدارات
 
إذا كان الغموض هدفا.. فلنكتب إذن بحروف سرية
حنا حزبون.. هل يضحك على القراء أم على معدي الصفحات الثقافية؟

 
ثنائية الرجل الثلجي
 
اخبار ثقافية
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس