حين اتجه ملايين السوريين في فبراير الماضي لإعادة انتخاب رئيسهم الحاكم منذ 29 سنة لولاية خامسة، كان الشعار الذي ترددت أصداؤه في العاصمة هو "الأسد، الأسد الى الأبد"·
لكن حافظ الأسد يكمل عامه السبعين هذه السنة وهو يبدو ضعيف البنية بملامح خالية من التعبير أحيانا كما يقول زواره· ففي الأشهر الستة الماضية ألقى خطبتين في البرلمان· وحسب ما يقول الدبلوماسيون، تحول تركيزه الى تمهيد الطريق لخلافة ابنه بشار· وعندما سئل أحد الدبلوماسيين الغربيين عن جدول أعمال الرئيس السوري قال: "كلمة واحدة، هي الخلافة، فهي أصبحت الفيلتر الذي يرشح كل شيء"·
مع إعلان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون تصميمه في الأشهر المقبلة على دفع عملية السلام بين سوريا وإسرائيل، أفضى تركيز الأسد على قضية الخلافة الى إثارة قلق الدبلوماسيين· فهم يقولون إنه ربما يكون غير راغب في تقديم تنازلات خوفا من انتقادات تطوق ابنه، وأنه لو شعر بأنه على ما يرام، يتصور الدبلوماسيون أنه قد يتحمس لضمان السلام باعتباره إرثا له·
عانى الأسد مشكلات في القلب ومرض السكري، وأجريت له عملية جراحية في البروستاتا عام 1997· ويقال إنه أصيب بأنفلونزا في ديسمبر الماضي عندما ألقى خطبة في البرلمان قبل 30 دقيقة من موعدها، وأن بحة الصوت أجبرته على إلغاء خطبة ثانية في فبراير· لكن في المرة الثانية توجه الرئيس السوري الى البرلمان حتى يتقبل تهاني النواب بانتخابه· ومذ ذاك، نادرا ما رآه الناس علانية·
وقال أحد الدبلوماسيين: "تتذكرون صورته مثل أبي الهول وعلى وجهه ما يشبه رقعة الشطرنج إذا رأيتموه الآن لن تصدقوا كيف صار"·
هناك دلائل تشير الى أن الأسد يجرب منذ نحو سنتين أن يكون ابنه بشار خليفة له· وهذا الأخير البالغ الرابعة والثلاثين من العمر هو طبيب عيون عاد الى سوريا من بريطانيا بعدما توفي أخوه الأكبر باسل، الوريث السابق، في حادث سيارة عام 1994·
ثم انخرط بشار في الحياة العسكرية وبحلول عام 1997 أخذ يظهر في صور تظهر الأسد (الأب) باعتباره "المثال" وبشار باعتباره "المستقبل"· ثم تحرك الرئيس السوري العام الماضي لإطاحة المنافسين القويين لابنه وهما نائبه السابق شقيقه رفعت ثم رئيس الأركان السابق حكمت الشهابي· ويقال إن أيا منهما لم يكن يقيم علاقة جيدة مع بشار·
ثم أعطى الأسد لابنه الترقية الرابعة في غضون خمس سنوات فصار عقيدا وكلفه الإشراف على العلاقات مع لبنان· وهذه المهمة الأخيرة كانت موكلة الى نائب الرئيس عبدالحليم خدام·
ويقول السوريون والدبلوماسيون الغربيون إن الرئيس السوري عمل من وراء الكواليس على ترقية ضباط الجيش وضباط الاستخبارات الموالين لبشار حتى يكون قاعدة سلطة قوية·
لكن الأسد يبقى قلقا مع ذلك، فدستور سوريا العائد الى سنة 1973 يعطي حزب البعث الحاكم الحق في تسمية خليفة الرئيس، ويقول الدبلوماسيون إن الأسد يخشى من أن بعض القياديين لا يرون بشار قادرا على أن يكون زعيمهم القومي· ويضيف أحد هؤلاء الدبلوماسيين أنه يعتقد أن أحدا لا يرى بشار جاهزا للحكم· وهو يتوقع حدوث صراع على السلطة في حال وفاة الأسد وبقاء الوضع الحالي·
وتعتبر قضية الخلافة في سوريا حساسة لأن الأسد وهو طيار سابق في السلاح الجوي أكد منذ انقلابه العسكري عام 1970 أن اختيار الزعماء السوريين حق يعود الى الشعب· وعندما سأله صحفي فرنسي السنة الماضية عما إذا كان يرغب في أن يكون ابنه خليفته أعطى الأسد جوابا غامضا عندما قال إن لابنه مثل بقية السوريين الحق في أن ينشط في السياسة·
وكان بشار متحفظا مثل أبيه بشأن هذه القضية· ففي تصريح لصحيفة لبنانية في فبراير الماضي سئل عما إذا كان يسعى الى أي منصب رسمي فأجاب بالنفي، لكنه قال: "إذا طلبت مني قيادة الحزب أن أقدم خدماتي في أي منصب لن أقول لا· فأنا مستعد"·
لكن بشار أخذ يضطلع بمسؤوليات أكبر، فقد سافر الى الأردن في مارس الماضي ليلتقي الملك عبدالله الذي خلف والده الراحل الملك حسين· وعن ذلك قال منذر الموصلي وهو نائب في البرلمان يناصر ابن الرئيس السوري "إنه امتحان أو اختبار لبشار حتى يثبت نفسه· لكني أعتقد أنه واثق في نفسه وأن الرئيس واثق فيه"·
بلغ الشعور بأن عملية نقل السلطة جارية فعلا الى حد أن كثيرين في دمشق توقعوا حدوث تظاهرة تأييد لبشار في دمشق·
وهذا الأمر قد يرقى الى حد تدفق الناس الي الشوارع مطالبين بإعطاء مزيد من السلطة لبشار وربما إعطائه المنصب الذي شغر بإقالة عمه رفعت·
لكن بعض السوريين، ومنهم عضو البرلمان رياض سيف ينتقدون هذه الفكرة· فقد قال إن هذا العرض يبدو "سخيفا عفا عليه الزمن" مثل الاحتفالات التي طالت أسابيع هذه السنة فرحا بانتخاب الأسد المرشح الوحيد· وبرغم ذلك يؤكد سيف وآخرون أن محبة الأسد حقيقية لا زائفة· ثمة عائق يمنع بشار الأسد من تولي السلطة وهو أن الدستور ينص على أن يكون الرئيس في الأربعين وهذه سن لن يبلغها بشار حتى سنة 2005· لكن الدبلوماسيين يتوقعون أن ينال تعديل الدستور تأييدا لأن بشار أثبت نشاطه في هيئة صنع القرار في الحزب الذي ينتظر أن يكون عضوا في قيادته هذه السنة·
من التقوا بشار الأسد يصفونه بأنه شخص هادئ كان راغبا في متابعة تخصصه الطبي، لكن عودته الى سوريا أحدثت له تغييرا مفاجئا· ففي أواخر عام 1994 تخرج من أكاديمية حمص العسكرية ضابطا برتبة نقيب في سلاح الدبابات· وفي غضون شهرين رقي الى رتبة رائد في الحرس الجمهوري مواصلا خطى شقيقه في محاربة الفساد· وفي عام 1997 صار عقيدا وقائدا للحرس الجمهوري، وفي السنة الماضية رقي الى عقيد ركن·
ويتولى بشار الأسد رئاسة الجمعية المعلوماتية السورية، ويقول القريبون منه إنه صار أثناء دراسته في لندن متأثرا بالغرب· غير أن مقابلة أجرتها معه صحيفة "الكفاح العربي" اللبنانية في فبراير الماضي أظهرت أنه يسير على خطى والده في انتقادات الاتفاقات التي أبرمتها مصر والأردن والفلسطينيون مع إسرائيل· لم يتمتع بشار بالشعبية التي حازها شقيقه وهو بطل في الفروسية وضابط ما زالت صورته وهو ملتح تظهر في جميع أنحاء دمشق· منذ سنوات، كانت الشخصيات السورية البارزة تخشى من أن يكون بشار الأسد قادرا بما يكفي على الوقوف في وجه عمه رفعت الذي أرسل الدبابات الى دمشق عام 1984 في تحرك مضاد لأخيه الرئيس، واحتفظ بمنصب نائب الرئيس برغم نفيه الى الخارج· لكن إقالة رفعت والشهابي الذي تولى رئاسة الأركان طيلة 27 سنة ربما أزالت عائقين من طريقه· وفي الوقت نفسه، يقول الدبلوماسيون إن بشار أخذ يقيم تحالفات قوية بما في ذلك مع نائب رئيس الاستخبارات آصف شوكت زوج شقيقته بشرى الأسد·
(نيويورك تايمز)