بقلم: أحمد يوسف النفيسي
هذه هي العلاقة
· هناك علاقة عضوية بين حرب الجهرة عام 1920 والمجلس الاستشاري لعام 1921، وبين حماية استقلال الكويت عام 1961 وصدور دستور عام 1962 والتهديدات التي تعرضت لها الكويت بسبب قيام الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية عام 1980-79، وعودة العمل بالدستور عام 1981، والغزو العراقي في 2 أغسطس 1990 وإعلان مؤتمر جدة 15 أكتوبر 1990 وتحرير الكويت في 26 فبراير عام 1991·
لم يجب أحد من النواب على بعض التساؤلات الخطيرة التي طرحها الشيخ سعد في الجلسة الخاصة التي دعاهم إليها للتفاهم والتي انعقدت في قاعة النواب في المجلس قبل أسبوع واحد من حله، وعدا ما قاله أحمد السعدون فقد تبعثر "الحوار"·· وانتهى من دون ردود، وظلت بعض التساؤلات الخطيرة عالقة تبحث عن توضيح يزيل ما لحق ببعض الثوابت الكويتية المتعلقة بحقوق الشعب الكويتي وإنجازاته التاريخية وكفاحه من أجل تحقيقها·
ما فائدة الديمقراطية وصدام يهدد الكويت؟
لقد دار حديث الشيخ سعد في جلسة "الحوار" تلك حول الممارسة الديمقراطية فوضعها بموضع إضعاف الكويت وأن ممارستها تترك الفرصة لأعداء الكويت بالانقضاض عليها وهم يتجادلون، وبالتالي ما فائدتها وصدام يهدد الكويت؟!
ليس هناك أبلغ من إجابة عن هذا التساؤل أكثر مما قاله الشيخ صباح الأحمد أمس الأول في لقائه مع رؤساء تحرير الصحف عندما قال إن البلد "ستضيع من دون ديمقراطية"· وهذا القول حقيقي وجوهري· فالكويت ضاعت بالفعل من دون ديمقراطية· فلقد أتى صدام واحتل الكويت حين جردت السلطات من يد الشعب وتم الاستفراد بالحكم، فتمزقت الوحدة الوطنية وتهرأت أحوال البلاد ونخرها الفساد فهزلت وأصبحت لقمة سائغة لصدام·
وعندما وقع الاحتلال وتقطعت بالكويتيين السبل وظهرت أصوات على الساحة العربية مثل صوت ياسر عرفات يدعو الى أن تصبح الكويت بالنسبة للعراق بمثابة إمارة موناكو بالنسبة لفرنسا، أي ذات حكم إداري محلي، وعندما ظهرت في أوروبا دعوة الرئيس الفرنسي ميتران الخطيرة باستفتاء الكويتيين لتقرير مصيرهم مما يلقي ظلالا كثيفة على شرعية النظام ويعطي مجالا لصدام بملء الكويت بشعب آخر يقوم بالاستفتاء، كان الرد الوحيد المتاح والمفحم هو اللجوء للشعب الكويتي فدُعي الى مؤتمر جدة الذي انعقد في 13 أكتوبر عام 1990 والذي جسد الوحدة والتلاحم الوطني الكويتي والذي كانت ركائزه ثلاثة قرارات جوهرية: الأول هو التصميم والتعاهد على تحرير الكويت كأولوية قصوى، والثاني تكريس القيادة الشرعية التاريخية للكويت، والثالث تكريس دستور عام 1962 كنظام للحكم يتفق عليه الكويتيون، وأن يكون ذلك منهجا للحكم في الكويت المحررة·
فلقد تلازم تحرير الكويت والشرعية التاريخية للحكم مع النظام الدستوري الذي جسده دستور عام 1962، والكويت في أحلك لحظات تاريخها، فهل هناك دلالة أبلغ على أهمية الديمقراطية والدستور بالنسبة للكويت؟ وأليس ما قاله الشيخ صباح الأحمد إن البلد "ستضيع من دون ديمقراطية"· قولا يصيب كبد الحقيقة؟
ولكن كيف ساهم إعلان جدة الذي صدر عن المؤتمر الشعبي في تحرير الكويت؟!
* * *
كان الجدل شديدا في الولايات المتحدة الأمريكية حول المساهمة في تحرير الكويت وكانت هناك أصوات ترتفع ضد الحرب ولم تكن أمريكا قد خرجت من عقدة حرب فيتنام، وكانوا يقولون إن النفط لا يساوي دماء الأمريكيين وإنه لماذا تذهب دماؤهم للدفاع عن أنظمة حكم عشائرية·
وعندما زار الكويت في سبتمبر عام (1992) عضو الكونغرس جون ميللر وهو عضو الحزب الجمهوري الحاكم في ذلك الوقت أكد في محاضرة له في جمعية الخريجين أن التمسك بالديمقراطية الدستورية الذي تم في المؤتمر الشعبي الكويتي في جدة عام 1990 كان مهما جدا لموقف الولايات المتحدة لاتخاذ قراراتها بالمساندة المطلقة والحرب لقضية الكويت وتحريرها وساهم في توفير العدد الكافي في الكونغرس لتأييد الرئيس جورج بوش·
هذا على صعيد الولايات المتحدة، أما في أوروبا فلقد كان لمبادرة ميتران أثرها السيئ على قضية تحرير الكويت وعلى الموقف السياسي الأوروبي منها· وفرنسا هي أيضا بلد محوري في الوحدة الأوروبية والقرار الأوروبي·
وفي مساء 15 أكتوبر من عام 1990 يوم انتهاء مؤتمر جدة، غادر الرئيس أحمد السعدون جدة الى بروكسل في بلجيكا تلبية لدعوة وجهها إليه البرلمان الأوروبي لحضور اجتماع مع أعضائه في يوم 16 أكتوبر· فوجد أن الأعضاء الذين كان قد قابل بعضهم في قطـر في سبتمبر ومن المتابعين لأحداث الديمقراطية وانتكاساتها في الكويت وللمطالبة بعودتها عبر التجمعات الشعبية عام 1990/1989، قد علموا بإعلان جدة فور صدوره فالتحموا في تأييد ومساندة تحريرها كما قام الرئيس السعدون بعد ذلك بزيارة فرنسا والتقى رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) لوران فابيوس الاشتراكي ومن حزب الرئيس ميتران (وهو بالمناسبة الرئيس الحالي للجمعية الوطنية)، حيث تداول معه في قرارات مؤتمر جدة والالتزام بالديمقراطية ودستور عام 1962 كنهج للكويت المحررة، وحسم الجدل في فرنسا لصالح التحرير وقبرت مبادرة ميتران للاستفتاء حول تقرير المصير·
* * *
نتذكر هاتين الواقعتين الحديثتين لندلل كم كانت الديمقراطية أساسية لتحرير الكويت وكم هي أساسية للحفاظ على أمنه من تهديدات صدام وليست عبئا عليه· فالأحداث تبين أن الكويت والتمسك بالديمقراطية هما أمران متلازمان عبر تاريخ الكويت الحديث وبوقائع لا يمكن إنكارها· ولعل قرار صاحب السمو بتوجيه أمره للحكومة بإصدار التشريعات اللازمة لإعطاء المرأة حقها السياسي لإشاعة روح المساواة والعدالة ووفاء لنساء الكويت شهيدات وأسيرات وأمهات وعاملات قدمن التضحيات الجليلة فداء للوطن، وتطبيقا لمبادئ حقوق الإنسان وتكريسا للديمقراطية التي نص عليها دستور عام 1962 وتعميقا لها نقول لعل هذا القرار قد اتخذ وعين الأمير أيضا وبشكل جوهري على أمن الكويت ومكانتها واحترامها بين الأمم المتحضرة والتي تشكل قواتها المسلحة وموقفها السياسي في الأمم المتحدة وعلى مستوى العالم الرادع الأساسي لطاغية العراق من العدوان على الكويت· فلقد طالبت الولايات المتحدة بالذات والدول الأوروبية ويشكل متكرر أن يكتمل تمثيل المجتمع في الديمقراطية الكويتية وأن لا تكون ديمقراطية للذكور فقط خصوصا أن النساء قد أصبحن قوة أساسية في البرلمانات الأمريكية الأوروبية وفي صنع القرار·
* * *
التاريخ···
في عام 1920 هاجمت قوات الإخوان المتعصبة قرية الجهرة بدعوى أن الكويتيين كفرة، ودافع الكويتيون عن وطنهم دفاع الأبطال في موقعة القصر الأحمر الشهيرة وانتصر الكويتيون بعد معركة مريرة قدموا فيها تضحيات باهظة، ورحل الإخوان الى عمق الصحراء·
كان يحكم الكويت وقتها الشيخ سالم المبارك الذي قادهم في تلك المعركة ولكنه توفي بعد ذلك بعام وانتقل الحكم الى الشيخ أحمد الجابر الذي كان وقت وفاته يزور الملك عبدالعزيز آل سعود فأُبلغ بنبأ الوفاة وهو يهم بالعودة فوصل الكويت على ظهر زورق أقله من الاحساء، فاستقبله أهل الكويت وذهب إليه أعيانها على ظهر الزورق مبايعين، وقدموا له أيضا وثيقة تاريخية مهمة· كانت الوثيقة تطالب بقيام مجلس استشاري من أهل الكويت مهمته تحديدا الفصل فيما ينشأ من خلافات بين آل الصباح حول تداول الإمارة، وتبادل الرأي في الأمور المهمة للبلاد· ولم يلاحظ أحد من المؤرخين أن تلك الوثيقة التاريخية التي قبلها الشيخ أحمد الجابر برحابة صدر وأنشأ بموجبها المجلس الاستشاري عام 1921 جاءت في أعقاب معركة الجهرة التي كادت تضيع فيها الكويت، وعلى خلفية حكم الشيخ سالم الذي يدور حول إدارته كلام كثير في تاريخ الكويت من كون انحيازه لتركيا المترنحة في الوقت الذي كانت فيه الكويت ترتبط بمعاهدة حماية مع بريطانيا العظمى وأصبحت تحتل بالنسبة إليها موقعا استراتيجيا مهما أو من حيث علاقته بالقوى الجديدة التي نشأت في الجزيرة وعلاقاته أيضا بالقبائل من دون تقييم صحيح لموازين القوى·
لقد أُربكت الكويت وأُربك اقتصادها واستقرارها، فكان قرار الشيخ أحمد الجابر بإنشاء المجلس الاستشاري رأبا لهذا الصدع· وهكذا رُبطت الديمقراطية بأمن الكويت عام 1921·
عبدالكريم قاسم!!
وعندما أُعلن استقلال الكويت في 21 يونيو من عام 1961 وأُنهيت اتفاقية الحماية البريطانية التي وقعها الشيخ مبارك عام 1899، أعلن الدكتاتور العراقي عبدالكريم قاسم أن الكويت جزء من العراق وأنها قضاء تابع للواء البصرة، وقام يهدد باحتلال الكويت مما جعل الكويتيين يتنادون للدفاع عن وطنهم وخرجوا في مسيرة تاريخية تلتف حول أميرهم عبدالله السالم وتطالب بالسلاح للدفاع عن الوطن·
ومع كل الحماس الذي كانت تتشبع به أجواء الوطن كان عبدالله السالم يدرك أن العراق هو قوة طاغية ليس بمقدور الكويتيين وحدهم صدها، فاستعان بالقوات البريطانية بعد أن أمّن وفد شعبي كويتي عدم اعتراض الرئيس جمال عبدالناصر على تواجدها في الكويت رغم حركة المد القومي الناصري التي تكتسح امتداد الوطن العربي من الخليج الى المحيط آنذاك·
ولكن عبدالله السالم أدرك أيضا أنه لا يستطيع الاحتفاظ بحماية القوات البريطانية الى الأبد، بالإضافة الى أنه لا يرغب في ذلك· وكان الطريق واضحا أمام ذلك القائد التاريخي لهذا الشعب الصغير، أنه لا طريق لأمن الكويت ووحدتها واستقرارها إلا بتلبية مطالب شعبها التاريخية بالمشاركة في الحكم وكسب احترام العالم المتحضر·
كانت هناك مشكلة الاعتراف الدولي بالكويت وقبولها عضوا في هيئة الأمم وإضفاء الشرعية الدولية على كيانها· فلقد كان القائد السوفييتي خوروشوف الذي كانت علاقاته قوية مع قاسم يقول إن هذه ليست بلادا وإن حكامها حكام عشائر· وكان البريطانيون قد أبلغوا الكويت أنهم لا يستطيعون أن يدافعوا عن الكويت في ظل نظام الحكم السابق·
وهكذا قاد عبدالله السالم الكويت الى الديمقراطية وإلى دستور عام 1962 وفي ذهنه الصافي وبصيرته الثاقبة قناعات ثابتة أن وحدة الكويت الوطنية واستقرارها وأمنها ودرعها أمام العالم هي الديمقراطية وهذا الدستور الذي كثر لغط البعض عليه هذه الأيام·
الثورة الإيرانية والحرب··!!
ولقد تعرضت الديمقراطية بعد عبدالله السالم لانتكاسات عديدة لسنا في مجال تفصيلها ولكن نذكر منها حادثتين: تزوير انتخابات عام 1967، ثم حل مجلس الأمة حلا غير دستوري وتعليق الدستور عام 1976·
ولقد ظُن أن الديمقراطية بصورتها التي رسمها دستور عام 1962 قد انتهت الى الأبد· ودخلنا في متاهات من محاولة تنقيح الدستور وإعادة رسمه ليتطابق مع رغبات تحاول الانقضاض على مكاسب الشعب الكويتي، ولكن وفجأة تغيرت الرياح في المنطقة· ففي عام 1979 زلزلت ثورة شعبية كاسحة عرش الطاووس في طهران، وسقط تاج الإمبراطور الإيراني المتغطرس· واكتسحت موجات جديدة لقوى جديدة المواقع القديمة وتمركزت القوى الثورية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في طهران بقيادة مرشدها الإمام الخميني·
وعلى الجانب الآخر وجد طاغية العراق صدام حسين من رعب أهل الخليج من الانفجار الثوري في إيران والذي أخذ يبعث بحمم تصدير الثورة لتصيب الجميع، سندا في شن حرب على الثورة الجديدة يلغي من خلالها اتفاقية شط العرب التي عقدها استسلاما مع الشاه المخلوع ويستولي على ما يستطيع من مكاسب ويفرض نفسه زعيما للأمة العربية خلفا لعبدالناصر· وهكذا أصبح المسرح الجغرافي السياسي يميد بدول المنطقة وأولها الكويت لأنها تقع على شفير البركان·
وقتها أدركت القوى المعتدية على الدستور وعلى حقوق الشعب الكويتي في الديمقراطية والمشاركة الحقيقية في الحكم أن لا أمل في إنقاذ البلاد أو الإبحار بها عبر هذه المحيطات الهائجة والعواصف العاتية بما في ذلك من توتير طائفي صاحب بعض الأطروحات المتطرفة التي شاعت في بداية الثورة الإيرانية وأخذ يهدد بتمزيق الوحدة إلا بالعودة الى العمل بدستور عام 1962 الذي يكفل الإطار العادل للوحدة الوطنية ويكفل للجميع التعبير المتوازن عن وجدانهم واحتياجاتهم وطموحاتهم مما يكفل الوحدة الوطنية الكويتية وتلاحم الكويتيين، ويشكل أساسا للدفاع عن الوطن وكسب احترام العالم لوقايته من المخاطر والاعتداءات الخارجية·
هذه هي العلاقة··
نعم·· هذه هي علاقة أمن الكويت بالديمقراطية، تلازم وتلاحم عضوي، منذ حرب الجهرة ومجلس الشورى لعام 1921، وحماية استقلال الكويت عام 1961 وتهديد قاسم العراق في عام 1961 ودستور دولة الكويت عام 1962، والثورة الإيرانية 1979 والحرب العراقية الإيرانية 1980 وعودة العمل بالدستور عام 1981، واحتلال الكويت 2 أغسطس 1990، وإعلان جدة 15 أكتوبر عام 1990 والتحالف الدولي لتحرير الكويت الذي تحقق في 26 فبراير عام 1991 وعودة مجلس الأمة عام 1992·
فهل هناك من يستطيع القول بعد ذلك ما فائدة الديمقراطية وصدام يهدد الكويت؟!