كتب محرر الشؤون الانتخابية:
ربما كان إعلان النائب السابق (المرشح) طلال السعيد بأنه قد قابل 140 ألف مراجع وأنجز 42 ألف معاملة للناخبين من مختلف المناطق من دون أن يسأل من أية منطقة انتخابية جاءوا، أبلغ دليل على الإفساد المدبر الذي مارسته السلطة التنفيذية لترويض الناخبين وكسر الأنفة في نفوسهم لينتخبوا نوابا بعينهم على عكس قناعاتهم بالمصلحة العامة أو مستقبل البلاد· ويتحدث الناس في هذه المعركة الانتخابية المفاجئة والتي بدأت مبكرا كأن كل شيء أُعد سلفا وحُضّر له منذ فترة طويلة، يتحدثون عن الصورة الانتخابية التي بدأت تتشكل ملامحها، فيلاحظون كيف أن الانتخابات الفرعية المجرّمة قانونا قد مورست وبسرعة البرق لحظة إعلان حل المجلس كأن الجميع كانوا على أتم الاستعداد وينتظرون فقط طلقة بدء السباق·
ويلاحظ المراقبون أن جميع الانتخابات القبلية الفرعية قد أصبحت تدار بالكمبيوتر والقرعة الالكترونية لاختيار عينة كبيرة من كل قبيلة في كل منطقة انتخابية تصوت لاختيار من يتقدم للترشيح من بين أبنائها، كما أنها تجري على نمط واحد·
ويقول العالمون إن السبب هو أن الذي أعد لها مسبقا وخطط لإدارتها هي جهة واحدة، وهي جهة أمنية فنية تديرها أطراف من السلطة، هي التي دأبت طوال تاريخها على العمل على تخريب الانتخابات ورعاية عناصر التخلف بعد أن مهدت لتلك الانتخابات بفتح أبواب وخزائن الدولة لتلك العناصر لكي تبتز حاجات الناس وتعلمهم أنهم إذا أرادوا الوصول الى أي شيء من حقوقهم أو ارتكاب أية مخالفة أو تجاوز للقانون فما عليهم إلا أن يلتصقوا ويصوتوا لتلك العناصر·
ولذلك يُخترق قانون تجريم الانتخابات الفرعية علنا وأمام الجميع ولا أحد يتحرك· بل إن الجرأة والثقة من تواطؤ السلطة في موضوع الانتخابات القبلية الفرعية دفعت بعض المنظمين الى أن يعلنوا في الصحافة دعوة من يريد من أبناء قبيلتهم للترشيح للانتخابات·
ويجمع المراقبون السياسيون أن التحضير لحل المجلس كان يجري منذ بداية انعقاده وانتخاب أحمد السعدون رئيسا له، فرغم أن للحكومة أغلبية طيعة بيدها إلا أن الرئاسة وعناصر القوى الديمقراطية الناشطة فيه لم تجعله بالمواصفات المطلوبة لرئيس الحكومة وهي مواصفات مجلس يكون بمثابة ختم مطاطي مثل المجلس الوطني· ويتفقون على أن التحضيرات كانت تجري على مستويين، مستوى الحل غير الدستوري المنشود من قبل رئيس الحكومة، ومستوى الحل الدستوري الذي تقبل القوى المعادية للديمقراطية فيه على مضض على أن تحضر نفسها بصندوق الانتخابات وتوزيع المنافع وخدمات الدولة على مرشحيها كي يضمنوا طريقهم الى المجلس الجديد·
وتقول أوساط مطلعة إن استجواب الكليب والتلويح باستجوابات أخرى مثل استجواب وزير الصحة وغيره هي عمليات تمويه وشد أنظار عن الاستجواب الرئيسي الذي كان سيطرح وهو استجواب وزير المالية علي السالم حول إلغاء صفقة الشركة الكويتية للاستثمار التي كلفت الخزينة العامة الخاوية 22 مليون دينار ذهبت هدرا ومن دون مبرر قيل إن وراءها أحد أقطاب السلطة·
وتقول الأوساط السياسية المطلعة إن الخوف الذي ربما شمل أكثر من جهة تضافرت لحل مجلس هو في الحقيقة أداة طيعة في يد الحكومة كان بسبب أن بعض العناصر (بعضها من المستجوبين وبعضها خارجهم) تدفع لمحاسبة عنصر أساسي من السلطة، وأنه ربما يتحول هذا الدفع الى تحقيق برلماني خطير يخرج "المخبأ والمخفي" بين هيئة الاستثمار والحكومة والمؤسسات المالية المعنية والبنك المركزي أو كما يقال "الخنين والخايس"، وذلك مثل "الشيء المخفي" الذي كان سيخرجه قرار مجلس 1985 بتكليف النائب حمد الجوعان بالكشف على سجلات البنك المركزي والذي تسبب في حل المجلس آنذاك حلا غير دستوري أو كان القشة التي قصمت ظهر البعير·
التحضيرات التي جرت للانتخابات سواء أكان الحل دستوريا أو غير دستوري واحدة، لهذا نرى رغم أن الحل جاء دستوريا فإن القوانين تخرق بالانتخابات الفرعية أمام مرأى وبصر السلطة من دون أن ترفع إصبعا واحدا·
ويقول المراقبون إن ملامح التحضيرات يمكن استقراؤها من عدة أحداث·
فمثلا كان التسابق للتسجيل كمؤيدين لاستجواب وطرح الثقة في وزير الأوقاف أحمد الكليب وهو عنصر محسوب على الشيخ سعد من قبل أقرب المقربين إليه في المجلس مثل دميثير ومنيزل والقفيدي والخضاري وغيرهم تحضيرا لتلميع هؤلاء للانتخابات مثلما هو مشاركة في التحضير لحل المجلس، ويحسب من ذلك أيضا أن تخلي الإخوان المسلمين عن موقفهم المدافع عن الوزير والذي كنت تستطيع أن تقرأه يوميا في الأعمدة التي يحررها في الصحافة المحلية أعضاؤهم المنتمون للتنظيم وأنصارهم، رغم أن الوزير سخر مئات الملايين التي تزخر بها خزائن الوقف من أموال المسلمين من أهل الكويت ليهيمنوا عليها ويتفردوا بالانتفاع بها وظائف وإدارةً واستغلالاً، هذا التخلي يحدث لأنهم أصبحوا على علم بموضوع حل المجلس حيث أبلغهم "حليفهم" وكي لا يفوتهم قصب سبق الاستجواب ويدانون إدانة كاملة من قبل خصومهم بالتخلي عن الدفاع عن القرآن الشريف من أجل حفنة من الدنانير الوقفية·
وكان من التحضير للانتخابات هذا التوظيف غير المسبوق الذي قام به وزير التربية الذي ربما كان لا يعلم بالأسباب الدافعة من ورائه إلا أنه كان كما قال ينفذ رغبات وأوامر عليا أي من رئيس الوزراء· فالعملية تمت بسرية تامة وفاجأت الجميع ولكنها انكشفت بعد إتمامها رغم أنها شملت خمسة آلاف وظيفة، والعملية لم يجر عليها اعتراض من وزير التخطيط والخدمة المدنية إلا بعد أن اكتملت، ذرا للرماد في العيون، ولا نعرف فيما إذا كان بقية الوزراء "الشعبيين" يعرفون ما كان يجري·
فالعملية ضخمة ومرتبة وموقتة ووزعت الأنصبة فيها على نواب بعينهم كل على قدره وحاجته الانتخابية ليضمنوا إنجاحه، ولكي تعرف من هم مرشحو الحكومة عليك أن تطلع على قائمة المستفيدين من التوظيف الذي يقول بعض المواطنين المهتمين أنه يمكن وصفه بـ"الإجرامي" لأنه يهدر أموال الدولة ويضع عليها التزامات مستقبلية ضخمة وهي في أمس الحاجة، وفي الوقت نفسه يهدر طاقات هؤلاء الشباب التي كان يجب أن تدرب وتوجه للإنتاج أو القوات المسلحة، والتي يشغل 80% من قواها غير الكويتيين·
وتقول أوساط المراقبين السياسيين إنه رغم أن كثيرا يمكن قوله عما تم، فإن هناك الكثير ما ستكشف عنه الأيام حيث يصبح الخبر الذي يباع اليوم بفلوس غدا "ببلاش"، ولكنها تلاحظ، أن حركة الإخوان المسلمين قد بدأت معركتها الانتخابية بالهجوم على القوى الأخرى، فرغم أن إسماعيل الشطي لا ينفي أنه أحد كتّاب الأعمدة، وما اشتهر عنه، وآخر ما كتب فيه هي جريدة الوطن، فإنه يفتح النار على أحمد السعدون والنيباري فيقول "لماذا تأخذون على مبارك الدويلة عمله في التجارة مع أن السعدون والنيباري يعملان في التجارة؟"· ولم يقل إن أحمد السعدون أو النيباري لا يتعاملان مع الحكومة بينما الدويلة له سجل حافل من التعامل والانتفاع من الحكومة التي سكت عن مهاجمتها رغم كلام التهويش عن مدفع "بالادين"· ثم يقول إن النيباري "طعنني رغم إنني (ساعدته)"·· كما ينصح الشيخ ناصر صباح الأحمد أن يحافظ على وحدة الأسرة لأن ناصر الصباح انتقد السلطة التنفيذية· وتقول هذه الأوساط إذا كان السياسيون وخصوصا في ظروف معركة انتخابية ينتقون تعبيراتهم بعناية، فهذا يعني أن اسماعيل الشطي وحركة الإخوان المسلمين قد حددت حلفاءها وخصوما وفتحوا النار بدون مبرر على قوى كثيرة، وعلى إسماعيل·· والآخرين تحمل النتائج·