رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 19 - 25 محرم 1420هـ 5 - 11 مايو 1999
العدد 1375

أوجه الشبه والاختلاف بين الأزمتين اليوغوسلافية والعراقية

الضربات الجوية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في يوغوسلافيا لو حققت جميع أهدافها المحددة، فإن الولايات المتحدة ستواجه خطراً حقيقته أن الأزمة اليوغوسلافية قد تثبت في المدى البعيد أنها غير محسومة وغير مرضية بقدر النصر الحاسم ظاهرياً لقوات التحالف الدولي في حرب الخليج الثانية عام 1991·

يعترف مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون بأن بلدان المنظمة الأطلسية الـ 19 تواجه مشكلة مشابهة لما واجهه تحالف الدول الـ 32 في عاصفة الصحراء أي الفجوة بين هدف قصير المدى هو إنهاء اعتداء طاغية على بلد أدعت حكومته (أي بغداد) سيادتها عليه وبين تحدٍ بعيد المدى في الوقوف والتعامل مع نظام عدواني يملك سجلاً طويلاً في التطهير العرقي وانتهاك حقوق الإنسان· بعبارة أخرى يمكن أن يكون الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش صدام حسين آخر· وربما انتهى الأمر بواشنطن إلى العمل من أجل استبداله باعتبار ذلك الوسيلة الوحيدة لضمان السلام في المنطقة (البلقانية) على نحو ما صار إسقاط الرئيس العراقي هدفاً معلناً للولايات المتحدة·

في هذا الصدد تساءل مسؤول في الإدارة الأمريكية: "نحن أجبرنا دكتاتوراً عدوانياً على الخروج من الكويت حتى نتركه في بغداد ليكون خطراً على جميع من يحيطونه، فهل نجبر الآن دكتاتوراً عدوانياً آخر على الخروج من كوسوفو ثم نتركه في بلغراد؟ هذا ما سنصل إليه على الأرجح، وهذا ما سيمثل قراراً صعباً"·

هكذا يمكن أن تؤدي أزمة كوسوفو إلى الورطة نفسها التي أفضت إلى الوجود الأمريكي الطويل في منطقة الخليج· وفي هذا الشأن، قال ريتشارد هاس مدير قسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي أيام الرئيس جورج بوش وأحد العاملين في معهد بروكينغز غير الحزبي حالياً إن أي ترتيب توافقي بين ألبان كوسوفو والصرب غير متصوَّر طالما بقي ميلوسيفيتش في السلطة، حتى أن التخلص منه قد يثبت أنه مستحيل· إن القوات البرية قد لا تستطيع حل هذه الأُحجية السياسية الموروثة إلا إذا وصلت إلى بلغراد العاصمة اليوغوسلافية - الصربية وهذا احتمال غير مرجّح على نحو ما كان تحرك القوات الأمريكية باتجاه بغداد عقب تحرير دولة الكويت· ففي كلا الحالين كان التفويض الأولي محدوداً وهو استعادة الحكم الذاتي لكوسوفو واسترجاع سيادة الكويت·

برغم الفروق المهمة بين الأزمتين اليوغوسلافية والعراقية، تعتبر أوجه الشبه بين هاتين الأزمتين - وهما التحديان الأعظمان للولايات المتحدة بعد الحرب الباردة - غريبة وقوية في غالب الأحيان· أما وجه الشبه الأبرز فهو التعاون التكتيكي بين هاتين الدولتين وهما تواجهان ضغوطاً متزايدة نتيجة القصف الجوي والعقوبات الاقتصادية· فمع اكتمال عقد الأزمة في يوغوسلافيا وتصعيد الولايات المتحدة غاراتها الجوية على العراق أجرت بلغراد وبغداد سلسلة من الاتصالات السرية في الأشهر الستة الماضية وتبادلتا المعلومات بشأن أنظمة الدفاع الجوي، والاستراتيجيات الواجب استعمالها لمجابهة الغارات الجوية الغربية، وكل ذلك استناداً إلى مسؤول أمريكي رفيع ومسؤولين في حلف الناتو·

وحسب ذلك، زار مسؤولون من الجيش ووزارة الدفاع اليوغوسلافي العراق ومنشآته الخاصة بالدفاع الجوي في فبراير ومطلع مارس الماضيين· وناقش اليوغوسلاف مع العراقيين سبل تهريب قطع الغيار اللازمة لنظم الدفاع الجوي العراقية في تحد لأقسى عقوبات تفرض على دولة حتى الآن، استناداً إلى المسؤولين الأمريكيين·

في المقابل ، اطلع المسؤولون في نظام صدام حسين ضيوفهم اليوغسلاف على الخبرات والتكتيكات العراقية في التصدي للغارات الجوية الأمريكية والبريطانية المتفرقة منذ ثماني سنوات التي تشهد تصعيداً منذ نهاية عملية ثعلب الصحراء في ديسمبر الماضي· ويقول مسؤولون بريطانيون إن اليوغوسلاف اعتمدوا في الشهر الماضي بعض التكتيكات العراقية أثناء الغارات مثل نقل نظم الدفاع الجوي المهمة إلى مناطق مدنية قد يتردد حلف الناتو في قصفها· فمنذ حرب الخليج الثانية، تعلم العراق أيضاً كيف يخادع نظام التجسس الأمريكي بالأقمار الاصطناعية إما بتمويه معداته أو بنصب أشراك خداعية تمنع الأقمار من التقاط صور حقيقية أو تضللْ المحللين فلا يعرفون حقيقة ما يرون وهذا استناداً إلى جوديت يابهي وهو محلل كبير في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن· وقد عرف العراقيون أيضاً مواقيت تحرك الأقمار الصناعية الأمريكية فاستغلوا ذلك في عمليات الإخفاء والتمويه، وكل ذلك يفيد اليوغوسلاف أيضاً·

ويوضح المسؤول الأمريكي أن قطب الجذب في هذه العلاقة هو أن لكلا البلدين نظماً ومعدات عسكرية متشابهة وإنهما يواجهان التهديد نفسه من الغرب· فكلاهما يعاني عقوبات دولية تمنع حصوله على المواد·

ويضيف هذا المسؤول أن مناورات البلدين متشابهة أيضاً· فكلاهما يشدد على إسقاط طائرات أمريكية واعتقال أسرى حرب من الأمريكيين، ويقولون إنهما يعتقدان أن الرغبة الأمريكية في القتال ضعيفة وقصيرة المدي· ويمتد التشابه أيضاً إلى التعامل الدبلوماسي للبلدين مع الغرب أيضاً· وفي هذا الصدد قال الدبلوماسي الأمريكي جيمس بلاك الذي عمل في العراق وأوروبا إن كلاً من البلدين يعتقد أنه ضحية وأن العالم يحاربه وهما يعززان قوتيهما بالوقوف في وجه أعظم قوة على وجه الأرض وينويان المحافظة على ذلك بحزم· فصدام قد يكتب ما يقوله ميلوسيفيتش في الأيام المقبلة"· ترقى الاتصالات بين بغداد وبلغراد إلى عقود ماضية، فقد بدأ التعاون العسكري بينهما في السبعينيات عندما ساهمت بلغراد في بناء ثكنات الجيش العراقي وفي الثمانينيات عندما كانت يوغوسلافيا في حينها أحد المصدرين الرئيسين للأسلحة السوفييتية الصنع· وإبان الحرب العراقية - الإيرانية ساهمت يوغوسلافيا في بناء المطارات العسكرية العراقية ومراكز القيادة تحت الأرضية·

والمفارقة أن هذه العلاقات تلقت حسب المسؤولين الأمريكيين الكبار مباركة قوية من الأمم المتحدة·

فيوغوسلافيا أبرمت عقوداً قيمتها 20 مليون دولار لبيع بغداد أغذية وفق البرنامج الإنساني الدولي الذي يسمح لبغداد ببيع النفط مقابل الغذاء·

لكن هناك فروقاً جوهرية بين الأزمتين· ففي المقام الأول لم تمارس إدارة الرئيس جورج بوش أي ضغوط من أجل تقديم صدام أمام المحكمة باعتباره مجرم حرب·· لكن الناتو سمَّى تسعة جنرالات في نظام ميلوسيفيتش يقول إنهم تورطوا في انتهاكات لحقوق الإنسان·

ويقول أحد المسؤولين الأمريكيين: "رفضنا شرعية صدام بواسطة الكلام فحسب، ولم نفعل سوى ضجيج بشأن محاكمته باعتباره مجرم حرب، والآن نحن نستعمل احتمال اتهام ميلوسيفيتش أمام محكمة دولية باعتباره وسيلة"· لكن وجه الاختلاف الأهم الذي قد يعفي الولايات المتحدة من التورط في مجابهة طويلة الأمد هو الموقع والبيئة السياسية· وفي هذا الصدد قال المسؤول: "صربيا ليست العراق، فهي في قلب أوروبا، والصرب يرون أن كل من يعيشون حولهم يقيمون في سلام في بلدان اتجهت نحو الديمقراطية منذ عقد مضى· وميلوسيفيتش قد يسيطر على موجات الأثير لكن ليست على الأفكار والصور التي قد تتسرب عبرها· وذات يوم قد تعتري الصرب رغبة في التخلص منه· وخلافاً لذلك، أين للعراق مثل هؤلاء الجيران والنماذج؟ تركيا، إيران، المملكة العربية السعودية أو الكويت أو الأردن· فالعراقيون يعيشون في منطقة ليس فيها مثل هذه الحوافز أو السوابق التي تدفع إلى العمل"·

لوس انجلس تايمز

طباعة  

"الأطلسي" في عامه الخمسين: هل يكون شرطي العالم؟!
 
أزمة كوسوفو: متى الهجوم البري؟