رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 19 - 25 محرم 1420هـ 5 - 11 مايو 1999
العدد 1375

أزمة كوسوفو: متى الهجوم البري؟

قرر الغرب تنفيذ عملية "القوة الحليفة" (ضد يوغوسلافيا) غداة إخفاق مفاوضات رامبوييه وباريس التي رعتها "مجموعة الاتصال" (ألمانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا وروسيا) فقد وافق وفد ألبان كوسوفو على خطة التسوية وهي استقلال ذاتي متقدم لإقليمهم يراجع في غضون ثلاث سنوات، وانسحاب الجزء الأعظم للقوات الصربية، ونزع سلاح جيش تحرير كوسوفو ونشر قوة دولية، لكن السلطات اليوغوسلافية وعلى رأسها الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش رفضت برغم تهديدها بالغارات الجوية هذه الخطة· وبعد نحو أربعة أسابيع من العمليات الحربية أي حصيلة يمكن انتزاعها من "القوة الحليفة"؟ وأي أسئلة تطرح نفسها؟

الأهداف المعلنة

حسب ما أعلن في واشنطن وبون ولندن وباريس قبل إطلاقها، كان ينبغي أن تكون عملية "القوة الحليفة" قصيرة تحقق الأهداف السياسية التالية: تراجع ميلوسيفيتش عن رفضه خطة التسوية الغربية (اعتقادا من الغرب وتحديدا واشنطن أن أسبوعا من الضربات يكفي لذلك) وإعطاء ميلوسيفيتش ذريعة (تفادي) "عدوان خارجي" إن كان يحتاج الى أن يبرر في داخل يوغسلافيا قبوله هذه الخطة، ومنعه من مواصلة التطهير العرقي في كوسوفو، والتأثير في نفوس العسكريين الصرب وعامة الناس حتى يضغطوا بدورهم على رئيسهم·

من أجل تنفيذ هذه الأهداف، كانت تقوم هذه العملية على ثلاث مراحل كما يوضح المشرف عليها الجنرال الأمريكي ويسلي كلارك القائد الأعلى لقوات الحلف الأطلسي في أوروبا· فهو يقول إن الخطة أعدت بعناية لما كان الحلفاء يهددون منذ سبعة أشهر قبلها باللجوء الى القوة ضد يوغوسلافيا· والمرحلة الأولى كانت تتطلع الى تدمير قدرات الدفاع الجوي لدى الجيش اليوغوسلافي· والمرحلة الثانية مخصصة لتصفية قدرات هذا الجيش والوحدات شبه العسكرية لمنعها من تنفيذ عمليات ضد جيش تحرير كوسوفو· أما المرحلة الثالثة فغايتها التدمير الكامل لأية قدرة دفاعية لدى يوغوسلافيا· لم يكن تقديم الأهداف السياسية - العسكرية خاليا من التناقضات· فبعدما كان القادة السياسيون يبادرون بالقول في الأسبوع الأخير لمارس الماضي إن القضية ستحسم بسرعة - ومنهم وزير الخارجية الفرنسي أوبير فيدرين الذي تحدث عن مسألة أيام - كان القادة العسكريون يتطلعون الى حملة قد تمتد لعشرة أسابيع·

 

النتائج

 

من أجل حجب المعلومات عن العدو، لم يعط الحلف الأطلسي غير إشارات عامة الى نتائج القصف أي ما يتصل بالغارات الجوية والضربات بالصواريخ العابرة· وفي أواسط أبريل كانت القوات الغربية قد نفذت نحو ستة آلاف طلعة جوية· وكان هناك هدف واحد للطلعات فهي لم تكن مخصصة جميعا لأعمال القصف، إنما نفذت الطائرات بعض الطلعات لحماية الطائرات المغيرة أو للامداد بالوقود أو لتقييم نتائج القصف· وكانت شدة الحملة تبدو ضعيفة· فعلى سبيل المثال، نفذت الطائرات الحليفة في يوم واحد ألفي غارة على العراق في شتاء عام 1991· وهذه المرة يعمل الحلف الأطلسي ضمن عائقين: فهو يريد أن يتفادى إصابة المدنيين، وتجنب خسارة أي طيار· وعلاوة على ذلك، اضطر بعض الطيارين الى العودة من طلعاتهم من دون أن يستطيعوا اطلاق صواريخهم أو إلقاء قنابلهم بسبب الطقس السيئ· وفي هذه الحملة خسر الحلف طائرة "ستيلث" (الشبح) واحدة أنقذ طيارها وثلاثة جنود أمريكيين أسرتهم القوات الصربية على الحدود المقدونية·

 

خسائر الجيش الصربي

 

حسب بيانات الناطق باسم الحلف الأطلسي، تمكنت "القوة الحليفة من تدمير وتحييد جزء مهم من الدفاع الجوي اليوغوسلافي· فالغارات طالت المطارات العسكرية في المدن المهمة للاتحاد اليوغوسلافي (في صربيا كما في مونتينغرو وكوسوفو) ومصانع إصلاح الطائرات المدنية والعسكرية والشبكة المتكاملة لبطاريات الصواريخ المضادة للطائرات· واستطاعت الغارات تعطيل سبع من أصل 15 طائرة "ميغ -29" إما بإسقاطها (اثنتان في الجو) أو بتدميرها على الأرض· لكن الدلائل تؤكد أن وسائط الدفاع الجوي اليوغوسلافية لم تتعطل كلها·

ثم انقضت الطائرات الأطلسية على البنية التحتية التي تقدم الدعم اللوجستي لعمليات القوات الصربية في كوسوفو: أي مصافي النفط والجسور والتكنات ومخازن الذخائر وشبكة الاتصالات· أما مراكز قيادة الميليشيا في كوسوفو ومباني وزارتي الداخلية الصربية والاتحادية فقد تم تدميرها بواسطة الصواريخ العابرة في ليلتي الثاني والثالث من أبريل·

 

كيفية الخروج من الأزمة

 

في مواجهة احتمال التورط في مجابهة طويلة، صاغ الغربيون استراتيجية دبلوماسية تحاول تعديل المعطيات· فالفكرة التي قدمها الأوروبيون ونالت موافقة واشنطن تقوم على رفع القضية الى الأمم المتحدة لغاية هي أن يتبنى مجلس الأمن قرارا ملزما يجعل الأمم المتحدة تتبنى مطالب الغربيين· وتتمثل فضيلة هذا الاتجاه الذي يلزمه موافقة الروس في عزل ميلوسيفيتش وفي الحؤول دون اندلاع حرب عالمية· وقد اعتبرت معارضة موسكو لاستعمال القوة عقبة قوية أمام هذه الفكرة، فكل تدخل عسكري بري لا يعطى بموافقة الأمم المتحدة تراه موسكو "خطا أحمر" لا تسمح بتخطيه·

كان الأفضل أن يكسب الغرب الروس الى جانبه· فهؤلاء كانوا يرغبون في المساهمة في التسوية، لكن ميلوسيفيتش لم يساعدهم قط· وهكذا رأينا أن موسكو ذهبت الى حد التحذير من مغبة التدخل البري ضده· وهكذا لم تعد للمحاولة الدبلوماسية أي جدوى·

 

هل ينبغي متابعة الغارات؟ وإلى متى؟

 

بسرعة كبيرة، عمد القادة السياسيون والعسكريون الى تغيير تعريف الأهداف المحددة لعملية "القوة الحليفة"· فالجنرال كلارك أعلن أن الحلف سيعمل على تدمير كل ما يملكه ميلوسيفيتش· ففضلا عن الأهداف العسكرية، طالت الغارات عددا من الأهداف الصناعية - الاتصالات، قطاع الطاقة، التلفزيون، الإذاعة، الطرق والجسور وغيرها وكل ما قد يستفيد منه الجيش اليوغوسلافي· وهكذا صارت فلسفة العملية أشد غموضا وتعمقت غاياتها السياسية أي الحاق أضرار بالجيش اليوغوسلافي تجعل ميلوسيفيتش ضعيفا وأكثر استعدادا للرضوخ للشروط المفروضة عليه بشأن كوسوفو·

نحن نتذكر أنه بعد ستة أسابيع من الغارات الجوية على العراق في عام 1991 لم تعد القوات الحليفة تحتاج الى غير أربعة أيام من الهجوم البري حتى تطرد القوات العراقية من الكويت· وفي الآونة الأخيرة، أكدت مصادر عسكرية أمريكية أن الغارات ضد صربيا قد تستمر أطول من ذلك، وربما حتى منتصف الصيف·

حتى نهاية أبريل، كان يفترض أن يتضاعف الأسطول الجوي الحليف حتى يبلغ نحو ألف طائرة، وأن تضم القوات البرية المنتشرة في مواقع مختلفة في ألبانيا ومقدونيا نحو 30 ألف جندي· وتتضمن الطائرات الجديدة طوافات "أباتشي" الأمريكية للهجوم الأرضي وتدمير الدبابات وطائرات "إتش - 10" قاتلة المدرعات وعددا من الطائرات المتخصصة في العمليات ضد القوات البرية· وهكذا تحول "الارمادا" الأطلسية ألبانيا قاعدة خلفية للحلف تمكنه من الانطلاق الى الهجوم على القوات الصربية في كوسوفو·

لوموند

طباعة  

"الأطلسي" في عامه الخمسين: هل يكون شرطي العالم؟!
 
أوجه الشبه والاختلاف بين الأزمتين اليوغوسلافية والعراقية