فيروس الحلم...
ركان الصفدي
(1)
كنا أطفالا فقراء نذهب الى المدرسة بثياب مرقعة، نلبس مما يخلفه لنا الكبار، وكنا نحافظ على أغراضنا بكل حرص، لأننا إذا فقدنا شيئا منها فقد لا نستطيع تعويضه إلا بعد "حفلة" ساخنة من الأهل·· ومع ذلك كنا أسعد أطفال الدنيا·
لم نشتر لعبة واحدة من السوق، فقد كنا نصنع ألعابنا بأنفسنا، كانت أجمل·· نحضر الأسلاك المعدنية من مخلفات ورشة بناء، ونصنع سيارة أو طيارة أو دبابة·· أو نحضر علب الكرتون الملقاة ونقص منها جنودا ونرسم عليها وجوها وخوذا وأزرارا ونحتل أرض الغرفة بفيلق من الجيش الكرتوني·· كنا نصنع مسرحا من الحجارة، ومعارك بدبابات من علب السردين، ونؤلف الأغاني والقصص، ونملأ الأرض مدنا وقرى، ونملأ الوقت أحلاما لا حدود لها···
هل الحاجة والحرمان والفقر هي التي جعلتنا نحقق اكتفاء ذاتيا من الحلم، أم أن مساحة الحلم كانت أوسع، أم أن الإنسان يحب ما ينتجه بنفسه أكثر مما يأتيه جاهزا؟ كل ما أعرفه أننا كنا سعداء أكثر من أطفال اليوم لأننا كنا نحلم أكثر منهم·
(2)
أراقب طفلي الصغير: حين آتيه بعلبة فاخرة من السوق يدهش ويحتفي بها فترة قصيرة ثم يلقيه ويهملها بعد ذلك·· ولكن حين يلعب بالرمل أو بما يصنعه من ألعاب ويؤلفه من عوالم مهما كانت عناصره بدائية، فإنه لا يحس بالوقت··· هل التكنولوجيا تقضم مساحة الحلم، أم أننا لم نصل بعد الى مرحلة الحلم التكنولوجي؟·
(3)
كم دهشت أننا لم نزل أطفالا حقيقيين، حين تناقشنا بحرارة وبتفاصيل ولمدة طويلة، فقد كنا أنا وعلي وصلاح معجبين بـ "المغامرين الخمسة"، واستعدنا الكثير من ذاكرتنا المبللة بندى قراءاتنا الأولى!
(4)
هل ضاقت مساحة الحلم في عصر الإنترنت، والاكتشافات اليومية التي نأت بنا بسرعة صاروخية عن أنفسنا بأدغالها ومستنقعاتها وأسرارها ومسراتها·
وإذا كان هذا صحيحا فما مصير فنون "الحلم"، كالشعر مثلا، هل ستؤول الى نهايتها أم أنها ستشحن إلكترونيا، أم سيظل "فيروس" الحلم يبعثر أنظمة العالم الالكتروني الصارمة والجافة كطفل نزق؟ لا أعتقد - شخصيا - أن فنون الحلم تزول، لا لأن التطور الإنساني مرتبط دائما بالحلم، ولكن لأن الحلم أبرز صفة في الإنسان وأرقاها، وهي طاقة تستمد قوتها من العقل والعاطفة معا، كما أنها مرتبطة بالجمال، إذ إن البشر لا يحلمون غالبا إلا بالأشياء الجميلة والمستقبل الأفضل والأمور الأكمل، كما يحلم المريض بالصحة والضعيف بالقوة·· والشعوب بالحرية!
(5)
مهما تقدمت البشرية فإنها ستظل تحتفط بكثير من طفولتها، لأن الطفولة مرحلة التساؤل الوجودي الأول واكتشاف العالم بالحواس··· الست، وهي بحاجة دائما الى التساؤل الطفولي هذا، ولكن الفرق بين الشعوب المتطورة والشعوب المتخلفة هو الفرق بين الطفل الذي يصنع ألعابه بنفسه والطفل الذي يشتريها من السوق، فمتى نصنع - نحن العرب ألعابنا؟
(6)
لا يكفي أن يحلم أحدنا، فالحلم سهل، ويستوي فيه الكبير والصغير والقوي والضعيف، غير أن النفوس العظيمة وحدها هي التي تترجم أحلامها الى أفعال، وهنا نسمي الحلم هدفا، أو طموحا، أما نحن - العرب - فإننا مثل ذلك الراعي الذي وجد قارورة عسل وأخذ يحلم أنه باعها واشترى بثمنها زوجين من الضأن ثم تكاثرا حتى صار عنده قطيع، ولما باعه بمال كثير استطاع أن يتزوج وينجب أولادا، وحين تخاصم الأولاد رفع عصاه ليؤدبهم فكسر قارورة العسل التي سالت على الراعي وأيقظته من حلمه "المعسول" على واقع مرير مهدور·
(7)
لن ننهض من قاعنا وهاويتنا إلا إذا عرفنا كيف نحلم ونحترم أحلامنا ونسعى الى تحقيقها··· وقبل كل ذلك لنرعَ أحلام أطفالنا!