رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 19 - 25 محرم 1420هـ 5 - 11 مايو 1999
العدد 1375

قراءة في كتاب "الطريق إلى النص" لسليمان حسين
الرواية العربية من المقولات الاجتماعية إلى الشعرية

كتب نزار فلّوح:

يقدم الباحث سليمان حسين في "الطريق إلى النص" باكورة أعماله النقدية التي يتناول فيها بالدراسة والتحليل نماذج من الإبداع الروائي العربي عامة والفلسطيني خاصة تتمثل في بعض أعمال، جبرا إبراهيم جبرا، وسحر خليفة، وسميح القاسم، وعبد الرحمن منيف، وعبد الكريم ناصيف·· وكان الكاتب قد قدّم بحثا للماجستير حول "الفن الروائي عند جبرا إبراهيم جبرا" وله إضافة إلى ذلك اهتمامات ومساهمات في بعض الفنون التشكيلية كالنحت والخط، مما يمكن أن يغني نظرته إلى العمل الأدبي الذي تتعانق فيه خيوط ومؤثرات فنية وابداعية وجمالية متعددة··

 

منهجيات متنوّعة

 

يحتل الإبداع الفلسطيني - كما نلاحظ - مركز اهتمام المؤلف، ولكنه يتناول هذا الإبداع في إطار النظرة الشاملة إلى الرواية العربية، محاولا الاعتماد على الذات في مقاربة النصّ للاهتداء إلى مضمراته وخفاياه الفنية، من خلال منهجيات تتنوع وفق إيحاءات النصّ وطبيعة بنيته الفكرية والفنية، ففي مقالته عن رواية "مذكرات امرأة غير واقعية" لسحر خليفة يبرز الكاتب الهوية الرئيسة للخطاب الروائي الذي يبحث عن إشكالية الواقع الاجتماعي والإنساني للمرأة في المجتمع، ملاحظا طغيان المقولات الاجتماعية السائدة والمتمثلة في الأنوثة المصادرة، وسيادة القيم العشيرية، وسيطرة الرؤية البورجوازية على موقف البطلة التي تجد نفسها - في النهاية - أسيرة الانكسار والاغتراب عن المجتمع والعالم··

 

انفتاح النص  على الراهن والمستقبل

 

وفي رواية "إلى الجحيم أيها الليلك" للشاعر سميح القاسم يتتبع الباحث انفتاح هذا النص على الواقع الراهن وعلى المستقبل من خلال رؤية ترميزية استشرافية ذات منحى تنبىء لاحتمالات تطور الصراع العربي - الصهيوني في أبعاده السياسية والحضارية المتشابكة، إذ يزخر هذا النص بالتساؤلات السياسية والتاريخية التي تدين منطق الواقع والتاريخ الذي يخضع - بدلا من حتميته الطبيعية - لتدخلات خارجية ناظمها سيطرة الشرّ على العالم، ولا يكتفي الخطاب - في رأي المؤلف - بتصوير الذات في علاقتها بالعالم، وفي رؤيتها لعالمها الداخلي، ولكنّه يصور الآخر - العدوّ في صورة تساؤل طفلي بريء، لينتهي من عرض مشاهد المواجهة بين الفلسطيني والصهيوني إلى البرهان على دحض إمكانية اللقاء بينهما، مهما تزينت احتمالات هذا اللقاء بإغراءات ورموز عاطفية وجنسية خادعة "الليلك"·

 

دلالات الرموز اللغوية

 

وتحت عنوان "ترميز الدلالة في خطاب جبرا إبراهيم جبرا الروائي" يحلل المؤلف الدلالات المختلفة للرموز اللغوية المستخدمة في روايات جبرا "كالصخرة والبحر والماء"، وامتداداتها الإيمائية البعيدة، فهذه الرموز تغتني في النصّ الروائي بدلالات جمالية ونفسية وحضارية ودينية ووطنية واجتماعية واسعة، تظهر في النصّ وفق مستويات متعددة الإيحاء، وتعكس غنى التنوع الإبداعي، والمساحة الثقافية والفنية الواسعة التي يتحرك عليها كاتب مثل جبرا، ففي رواية "صيادون في شارع ضيق" يحلل المؤلف ثنائية الواقع والمتخيل من خلال تبسيط مستويات الخطاب الروائي إلى اجتماعي وظيفي وحضاري فكري ثم الخطاب السياسي الممثل لحقبة الخمسينيات الزاخرة بالأحداث الوطنية والقومية، وقد كتب جبرا هذه الرواية بالإنكليزية "أصلا" بهدف شرح قضيته للآخر "الغرب"· الكتابة المشتركة  وحول تجربة الكتابة المشتركة التي خاضها الكاتبان جبرا، وعبد الرحمن منيف في رواية "عالم بلا خرائط" يعرض الباحث الإشكاليات التي أحاطت بهذه التجربة الخاصة، فيكشف عن خيوط  التباين الثقافي والفني الحاد بينهما، في فهم الواقع ونقله إلى العالم الروائي، وتمايز لغة كل منهما عن الأخرى، فلغة جبرا شاعرية موحية، ولغة منيف علمية مركزة، وهذا التباين في الآفاق العامة والخاصة لكلِّ من الكاتبين - رغم وجود سمات مشتركة بينهما - يؤكد بحسب رأي المؤلف - أن الإبداع  الأدبي والروائي خاصة  هو بالأساس إبداع فردي·

 

من الوصف إلى الإيحاء الشعري

 

يفرد مؤلف "الطريق إلى النصّ" حيزا من كتابه لدراسة مجتمع الأرض المحتلة، كما تبدى روائيا في تجارب المبدعين الفلسطينيين كنفاني وجبرا وسحر خليفة، فيقف عند تجرية متميزة لهذه الكاتبة في روايتها "الصبار" التي تقدم انحيازا فنيا للواقع يصل إلى حدّ الالتصاق اليومي الذي يتم التعبير عنه بأسلوب وثائقي تسجيلي، إذ يكشف عالم الرواية صورة العلاقات الاجتماعية السائدة، مبرزا شخصية الأم كرمز نضالي واجتماعي وإنساني، إلى جانب نماذج من الصراع والعداء الاجتماعي والأخلاقي في داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، تتطور إلى حالة انسلاخ وانفصام بين أجيال متعارضة فكرا ووعيا وسلوكا· وتُجَسِّد سحر خليفة في "الصبار" روائيا صورة العدوّ الصهيوني المسلح بأساليب الإرهاب والإذلال الهادفة إلى فرض حالة التهويد المستندة إلى الحلم التوراتي المزيف، والذي يجد في هشاشة الوضع العربي متنفسا لإمكانية تحقيقه، وعندما يبدأ حديث الأرض والانتماء والجذور يلاحظ المؤلف ارتقاء الحالة الروائية وانتقال اللغة من الوصف اليومي الإجرائي إلى الإيحاء الشعري المكثف· العنف الشعري وتحت عنوان "العنف الشعري في قصة حب مجوسية" لعبد الرحمن منيف، يحلل المؤلف أنماط هذا العنف الشعوري واتجاهاته نحو الذات ونحو الآخر، وصولا إلى ما يعادله ويشخصه فنيا في التعبير الروائي، من عنف الصورة وعنف اللغة، ويتوسل المؤلف للبحث عن ماهية هذا العنف وأبعاده مقاربات منهجية كمية وإحصائية تنتهي إلى دلالات محددة حول بنية النصّ الروائي وتركيباته اللغوية المختلفة ··

 

هوية نقدية ..مستقلة

 

يبدو المؤلف في مقاربته للأعمال التي تناولها مهتما بتحقيق هوية مستقلة للنقد الروائي العربي، بحيث لا يظل هذا النقد أسيرا لتأثيرات ما هو خارجي ووافد من الأفكار والتطبيقات النقدية، كما يعطي الباحث أولوية للنصّ الذي يطرح قضاياه ومشكلاته على القارىء ويوحي للناقد بطبيعة الطريق التي ينبغي أن يسلكها للوصول إلى حقيقته الجوهرية·

ويظل التوجه إلى البحث عن خصوصية نقدية عربية مشروعا جديدا بالتأمل والتفكير، ولكنه يبقى مشروطا بامتلاك أدواته وأساليبه الفاعلة، لتحقيق مسوغاته وأهدافه المنهجية على جميع المستويات·

طباعة  

أفق
 
إصدارات
 
يستثني "المصنف" من اعتداءات مؤسسة الدولة
مشروع قانون الحكومة لحماية حقوق المؤلف ..باتجاه مجلس الأمة

 
ساهم في إصدار مجلات جديدة ومطبوعات تكشف الستار عن مواهب الجيل الجديد
الشاعر "أبو سعاد" مؤسس مدرسة الحب والسلام في "العامية المصرية"

 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس