رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 19 - 25 محرم 1420هـ 5 - 11 مايو 1999
العدد 1375

ساهم في إصدار مجلات جديدة ومطبوعات تكشف الستار عن مواهب الجيل الجديد
الشاعر "أبو سعاد" مؤسس مدرسة الحب والسلام في "العامية المصرية"

·         شاعر الحرمان يفجر نهر الحب والعطاء لكل الزهور النابتة على ضفاف النيل

·         غنائية القصيدة تتجاوز الحدود وتخترق التعتيم الإعلامي وتتواصل مع الجماهير

·         قصائد عذبة المذاق.. ثرية بالمشاعر الفياضة.. والمواقف الإنسانية

 

كتب علي عبدالفتاح:

محمد إبراهيم مصطفى "أبو سعاد" شاعر الحب والحرمان الذي تحدى واقعه وظروف النشر الصعبة واستطاع أن يؤسس مدرسة حديثة تحقق مشروعا كبيرا في عالم الصحافة والإبداع في شعر العامية· دعا أبو سعاد الشباب من شعراء وصحافيين وأدباء وفنانين تشكيليين ومصورين إلى التوحد معا لتحقيق التواصل مع الجماهير الظامئة إلى الشعر المعبر عن أحلامها وواقعها في صدق وفن راق·

التف الشباب حوله فأقام لهم الأمسيات والندوات وأصدر المطبوعات والمجلات بجهود ذاتية ومساندة أصدقائه المؤمنين بدوره وقضيته·

 

شاعر الحرمان

 

وإذا قرأت قصائد "أبو سعاد" فستكتشف رغم ذلك أنه شاعر الحب الذي يغني للحرمان والفراق وعذابات الروح وانكسارها على كف القدر والقهر:

مشوار طول عليه

كان ليه فيه نصيب

وسنين مرت عليه

ونا فيها يا ناس غريب

وكثير أبعت سلام

أشواق من غير كلام

كان ليه بس الفراق

مليت من الاشتياق

على طول وبتوحشوني

وشاعر الحرمان تطارده أوهام الحب ويحلم بالتواصل مع الحبيب الغائب ويناديه في منامه ولكن حين يصحو تتبخر الأحلام ويواجه الواقع المؤلم بإحباطاته وكآباته التي لا تنتهي، وقد يكون الحلم هنا هروبا من هذا الألم الذي يطارد الشاعر سواء في صحوه أو منامه·

كنت جنبك من شويه

قبل ما أصحى من منامي

شفت طيف بين أيديه

يسمع الهمس في كلامي

قلت له عن حبي كله

قالي طيفك روح وقوله

يا حبيب العمر قولي

الأماني والأغاني

امتى بس نشوفها تاني

ح أحضن الأيام وأغني

لو حبيب العمر جاني

واللي فاتنا يكون له ذكرى

والفرح نعيشه بكره

 

القصيدة الجديدة

 

وأبو سعاد شاعر وصحافي ومعد برامج ثقافية بالإذاعة والتلفزيون، ويعتبر أيضا أحد رواد المدرسة الحديثة في شعر العامية المصرية، هذه المدرسة التي تزعمها شاعران كبيران وهبا حياتهما للشعر والنضال هما: فؤاد حداد وصلاح جاهين·· فقد استطاعا صياغة قصيدة جديدة تعبر عن وجدان الجماهير في فترة الخمسينيات والستينيات وتسجل مسيرة الحركة الوطنية التي تفجرت بدايتها ضد الاحتلال الانكليزي ثم ثانيا مع احتفالية أعياد ثورة 23 يوليو عام 1952 حتى تأزم الموقف السياسي والاجتماعي عند مواجهة هزيمة 1967·

ومن موقف الهزيمة جاء صوت شجي لشاعر من جنوب مصر يحاول أن يكشف النهار على وجه مصر الحزين حين كتب قصيدة "عدى النهار" وهذا الشاعر هو عبد الرحمن الأبنودي·

وبرحيل فؤاد حداد وصلاح جاهين أصبح صوت الأبنودي هو التجسيد المؤثر والعاطفة المتقدة في الوجدان الجماهيري سواء المصري أو العربي·· وإذا كان حداد باعث النهضة الحديثة للقصيدة العامية وأميرها بلا منازع وإذا كان صلاح جاهين مفجر ينابيع العشق للنهر والحرية والنهار الجديد فقد أصبح عبد الرحمن الأبنودي النغم الأصيل النابع من أعماق الحقول وسنابل القمح الخضراء·

وازدهرت القصيدة بجهود الأبنودي الإبداعية التي نهلت من منابع صلاح وحداد وأضافت لمسات رقيقة تترجم لغة المشاعر والأحاسيس وتمزجها بعشق الحياة والوطن والأرض والإنسان بصورة عامة·

واحتوى الأبنودي القصيدة الغنائية وبث في شرايينها الحياة والأمل والطموح الروحي والتغلب على المحن ومقاومة اليأس والتغني بأمجاد وانتصار الإنسان على الصعاب وتحديه للقهر والعبودية·

 

روح التفاؤل

 

وإذا كانت هذه المدرسة الحديثة في شعر العامية ما زالت تواصل مسيرتها وتغرف من بحر العاطفة الجياشة والمشاعر الوطنية الملتهبة فقد أكدت تواصلها حين انتمي إليها شعراء مجددون في أغراض القصيدة وأفكارها ومضمونها الثوري والإنساني، ومن هؤلاء الشاعر محمد إبراهيم مصطفى الذي لقب ب "أبو سعاد"·

قرأ أبو سعاد في طفولته الشعر وعشق الأدب وتأثر بالرواد الكبار في شعر العامية ومنهم بالطبع فؤاد حداد وصلاح جاهين ولكنه من قبلهما قرأ للشاعر المناضل عبد الله النديم وأعجب بتاريخ نضاله وقصائده الساخرة من السلطة الغاشمة والاحتلال الانكليزي في مصر خلال تلك الفترة التي عاش فيها النديم·

وكذلك قرأ أبو سعاد للشاعر المناضل بيرم التونسي وهجائياته السياسية وثورته من أجل شعبه وترحاله الطويل من منفى إلى آخر يغني للحرية والنضال  والحب والحياة·

ولايستطيع أبو سعاد أن ينسى تأثره الشديد بغنائيات فنان الشعب سيد درويش وكيف كانت القصيدة تقلق مضاجع السلطة الحاكمة في تلك الأيام·· هذا بالإضافة إلى قراءاته في ديوان العرب والقصائد القديمة وقصص البطولة والحب العذري والروح التي تبحث عن غمامة عشق تحلق عليها في انسجام·

وبدأت القصيدة تتشكل في وجدانه تنشد روح التفاؤل وتتطلع إلى السمو الروحي وإن كانت تتخذ من الموقف الإنساني شرارتها الأولى في الانطلاق الإبداعي·· ولم تعد القصيدة مجرد شكوى للعواطف وضجر من آلام العشق وعذابات الهجر والخيانة· تلك نماذج تقليدية لم تكن ترضي طموحات أبو سعاد في كتابة قصيدة جديدة تمزج بين دم الأصالة وروح المعاصرة ولا تفقد وهجها وحرارتها الباطنية·· فبدأ يعبر عن نغمات تدندن في فضاء أعماق تتميز بالغنائية والرؤيا المثالية للمرأة وتقديس مشاعر الحب والحنان والتعاطف والموقف الإنساني·

 

نغمات الحب

 

وهذا ما يجعل قصائد أبو سعاد أكثر تميزا وتأثيرا في الوجدان العربي·· فقد أضاف للقصيدة عنصرين: تصوير المرأة في شعره بصور محلقة شفافة ومثالية للغاية والجانب الآخر يتمثل في الغنائية الفياضة للقصيدة·

ومن هنا تبدو صورة الحب حالمة تنحو إلى سمو الذات وبراءة الروح وإيثار ضراوة الحرمان بعيدا عن اللمسات الحسية أو شهوات الجسد، وتعتبر هذه الصور من الحالات النادرة في قصائد الحب السائدة أو المعاصرة·· ومن هنا تكون فرادة القصيدة وأصالتها الوجدانية حيث رقة المشاعر ورهافة الأحاسيس·

ولذلك تتجلى الرومانسية بصخب أحزانها وسكون عذابها وهدير دمعها وضربات أمواجها في ضفاف النفس التواقة لحلم ناء لا يأتي أو يتحقق· والرومانسية تتجه دائما إلى إعلاء الروح عن سفاسف الحياة والتغني بالمجد الذاتي وبطولة النفس حتى وإن كان ذلك في الخيال ولكنه قد يخفف عبء الحياة وقسوتها عن الشاعر الإنسان العاشق للأرض والحياة·

وقد يواجه الشاعر أبو سعاد ذاته في وحدتها وعزلتها عن الواقع ويهرب إلى عالمه الخيالي المثالي ويغرق في بحار همومه ولايجد من يواسيه ويتعاطف مع قضيته وأزمته فليس إلا الدموع عزاء والحزن سلوى فيقول:

والدنيا لو ضاقت بيه

ألاقيني بابكي وبتألم

ودموعي اللي بتملا عنيه

تواسيني من غير ما أتكلم

وراح أصبر على كل جروحي

ولا سلم لليأس وحيره

وبصبري راح أطمئن روحي

وحتفرج من فرصة كبيرة

 

غنائية القصيدة

 

يهتم أبو سعاد اهتماما بالغا بمستوى غنائية القصيدة، ونقصد بالغنائية تلك النزعة في الشعر بصفة عامة تدفع الشاعر إلى التعبير عن انفعالاته بطريقة أخاذة تستميل النفوس من حيث الفكرة التي تخاطب العقل والشعور الذي يناجي القلب وموسيقى الشعر التي تتردد في الأذن والصورة الشعرية التي تتمثل في الخيال·

وللغنائية وسيلتا تعبير: الوسيلة الاعترافية التي تنقل المشاعر الذاتية إلى القارىء، والوسيلة الخطابية التي تعبر عن مشاعر عامة كالتغني بحب  الوطن أو بالنصر أو التأمل في الموت والطبيعة والقدر·

واقرأ معي بعض النصوص والمقاطع الغنائية للشاعر "أبو سعاد":

أشواك الحب اللي بتجرح قلب العشاق

عماله بتكبر وبتسرح ويا الأشواق

والطيف الحاير في خيالي مشغول  على طول

بيدور ياما على حبي والهجر عزول

وفي نص شعري آخر تتجلى الغنائية بعذوبتها وبقدر هائل من البساطة وسلاسة المعاني وهذا ما يجعل الشاعر قريبا من جمهوره وعشاق شعره·· أن يكون الموقف الشعري في المقدمة إنساني النزعة قادر على تحليل المشاهد اليومية إلى إحساس راق وذوق رفيع ليمتد من قلب الشاعر ويحيط بمشاعر الناس ومشاكلهم وقضاياهم في الحياة وفي كل مكان من الأرض·

لو دق الحب يا قلبي

على بابك أوعى تخبي

افتح له وخليك صاحي

راح تشرب من كأس حبي

لو دق الحب يا قلبي

كفاية سنين في الغربة

دي عذاب الحرمان صعبة

راح نضحك ويا الدنيا

وحنفرح حبة بحبة

لو دق الحب يا قلبي

 

البيئة الشعبية

 

ونلمح في قصائده أيضا قدرا كبيرا من البيئة الشعبية التي تتميز بفيض المشاعر وتقدير قيم الحب والرحمة والتعبير عن أعمق معاني الود والاحترام للمرأة، وهذه الصور الشعبية نابعة من طبيعة القصيدة التي تتخذ من قاموسها اللغوي ومنهجها الاجتماعي أسلوبا في تشكيل المعاني وتكوين العبارات الشعرية·

في الحارة وفي قلب البيت

على بعدك ياما استنيت

باستنى تزورني ولو مرة

وتجيني وتقول أنا جيت

حبيتك ودموعي داريتها

في الحارة وفي قلب البيت

باستنى تبعت مراسيلك

ياتجيني يابشوقي أجيلك

دي الغربة لياليها طويلة

من حبي وقلبي أناديلك

خليني على بالك كلمة

أو ذكرى مع صورة جميلة

حستنى وياك القسمة

ونصيبنا مالناش فيه حيلة

 

الروح الإنسانية

 

وأهم ما يميز شاعرية "أبو سعاد" تلك الروح الإنسانية التي تضفي على مكانته الأدبية رمزا كبيرا لشخصيته ودوره الريادي في شعر العامية·· فهو شاعر استطاع أن يكون له مدرسة تلاميذها هؤلاء الشعراء الذين كتب عليهم المعاناة لتحقيق التواصل مع الجماهير ولكنهم يواجهون تعتيما  إعلاميا من قبل الإعلام الرسمي في مصر أو حتى منافذ النشر الخاصة·

ووقف أبو سعاد يفكر في تلك القضية الخطيرة فلم يعد هناك هذا الأستاذ الذي يلتف حوله التلاميذ مثلما كانت مدرسة طه حسين والعقاد ومحمد مندور ومصطفى أمين وعلي أمين وبيرم التونسي وصلاح جاهين·

انهارت المدارس الأدبية وسيطرت الحسية والمادية على مواقف رواد الشعر حتى إننا لا نسمع عن لقاء جماهيري بين أحمد عبد المعطي حجازي والجيل الجديد من الشعراء، لقد أغلق كل كاتب وشاعر كبير الباب على نفسه واحتمى بشاعريته ومناطق نفوذه·

أما الشاعر أبو سعاد فقد قرر أن يكسر حاجز التعتيم على الجيل الشعري الجديد وبدأ في إقامة الندوات والأمسيات الشعرية ودعوة الشباب من شعراء ونقاد وأدباء ومطربين ومطربات إلى الحوار والمشاركة ونقد الشعر والتغني به·

وبدأ أبو سعاد بإصدار مجموعة من المجالات الثقافية والأدبية لنشر قصائد الشعراء ومقالات النقاد وقصص الأدباء من الشباب وبذلك بدأت تتشكل تحت يديه مدرسة قائمة بذاتها يعتبر أحد روادها، ومن هذه المجلات مجلة "البستان" التي ما زالت تصدر تحت اشرافه بل إنه كان حافزا كبيرا للجماعات الشعرية الأخرى في المحافظات والأقاليم النائية عن القاهرة ليصدروا مطبوعات ومجلات تهتم بالشباب والجيل الجديد·

ومن جهة أخرى خلال عمله في أكثر من صحيفة مصرية وعربية كتب عن شعراء وأدباء كثيرين وشارك في ندوات أقامها أو دعا إليها ليلقي الضوء على جهود مجموعة من الأدباء الشرفاء الذين يبدعون في صمت·

ومن خلال موقعه في الإذاعة والتلفزيون اهتم بالبحث عن المواهب الجديدة والحديث عنها وتقديم حوارات معها ودراسات حول شعرها·

ورغم هذا الجهد والنضال الإنساني الطويل من أجل قضية هذا الشاعر ومحاولته تجاوز الحواجز مع تلاميذه إلا أنه في قرارة ذاته لم يزل يسافر باتجاه الشمس باحثا عن غيمة وردية تغدق عليه الحب وتبحر به في نهر الحنان فيقول:

ولا عين تراعيني بحنية

وكلام الناس أثر فيه

بتلومني وأنت اللي ناسيني

ولا مرة أشوفك بعنيه

الحب اللي مسهر عيني آياعيني عليه

كان نفسي أجيله ويجيني لكن أعمل إيه

على طول يهجرني ويعاند ويلوع فيه

والغربة بتقسى وبتباعد من غير حنية

هكذا يمضي الشاعر أبو سعاد فوق أشواك الحب ينزف قلبه وتنصهر روحه ولكنه يذوب مع محبيه من الشعراء والأدباء ويغرق في بيئته الشعبية الصامدة أمام تحديات الزمن رغم دموعه وعذابه الكبير· وقد صدر للشاعر هذه الأعمال الشعرية: ابن الحروف·· بياع الورد·· جمهورية الستات·· كلام وأفلام·· كلام في الميزان·· مواهب وأضواء·· أدباء القاهرة والأقاليم·· هذا بالإضافة إلى مئات المقالات في الشعر العامي وقضايا الأدب والحياة التي نشرت في الصحف والمجلات العربية··

تحية حب وعميق التقدير لهذا الشاعر الرائد الذي ما زال يواصل عطاءه رغم الصعاب التي تواجهه ولكنه يمضي واثقا من ذاته وحوله مدرسة من تلاميذه وأصدقائه يواصلون الغناء للوطن والحب والإنسان·

طباعة  

أفق
 
إصدارات
 
يستثني "المصنف" من اعتداءات مؤسسة الدولة
مشروع قانون الحكومة لحماية حقوق المؤلف ..باتجاه مجلس الأمة

 
قراءة في كتاب "الطريق إلى النص" لسليمان حسين
الرواية العربية من المقولات الاجتماعية إلى الشعرية

 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس