كتب محرر الشؤون الخارجية:
هل يأخذ حلف شمال الأطلسي "استراحة" في حملته الجوية على يوغوسلافيا؟ وهل تتوقف الغارات مؤقتا لإفساح المجال أمام المفاوضات؟ هذا الاحتمال تحدث عنه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قبيل استقباله المبعوث الروسي الخاص الى البلقان فيكتور تشيرنوميردين في البيت الأبيض·
ليس كل ذلك مؤثرا على وقف الحملة الجوية، لكنه ينطوي على الاعتراف بأن إنجازات هذه الحملة على الصعيد السياسي ما زالت متواضعة، فالرئيس الأمريكي اشترط مقابل "الاستراحة" أن توقف القوات الصربية القمع بحق المدنيين في كوسوفو وأن تبدأ انسحابها من هذا الإقليم· وهذا ما لم يحصل منه شيء، بل إن الدلائل تؤكد أن القمع هو بقدر شراسة الغارات·
فما احتمالات نجاح تشيرنوميردين الذي يعتبر "صديق الغرب" في روسيا؟ وهل تستمر الحملة بالقوات الجوية وحدها مع استبعاد التدخل البري؟ وما فرص نجاح التكنولوجيا في ما أخفقت الدبلوماسية؟
ليس هناك خلافات جوهرية بين ما تطرحه موسكو والغرب بشأن كوسوفو إلا إذا قرر الغرب الاعتراف بالاستقلال التام لهذا الإقليم أو جعله "محمية دولية" والخلاف الأساسي بين الطرفين يتمحور حول من يقود قوة الأمن الدولية في الإقليم· فحتى الآن، لا تريد موسكو ومثلها بلغراد أن يحل حلف "الناتو" مكان الأمم المتحدة في رعاية اتفاق سلام· لكن من غير المحتمل أن تقبل الولايات المتحدة ذلك، لأن إمساك مجلس الأمن بزمام الأمور يجعل روسيا والصين (على سبيل الاحتمال) عقبة أمام أية خطوات عقابية يراها الحلف الأطلسي ضرورية بحق الصرب وهناك مثال العراق·
وفوق ذلك، أكد الميثاق الجديد للحلف الذي أقرته قمة واشنطن الأخيرة، حقه (من جانب واحد) في التدخل في أزمات تهدد القارة الأوروبية أو لصالح الدول الأخرى المنضوية فيه·
في هذه الأثناء، يتمثل مجال التراجع الوحيد أمام الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش، الذي تقوم سلطته على شعارات قومية متطرفة، في القبول بقوات دولية يكون قوامها مؤلفا من قوات روسية وقوات من جمهوريات مسلمة في الاتحاد السوفييتي السابق وقوات من دول اسكندنافية لم تشارك في الحرب، وربما قوات من اليونان التي ابتعدت عن حلفائها سياسيا وعسكريا· لكن إذا كان هذا الأمر يشكل تنازلا من ميلوسيفيتش، الذي لم يقبل حتى الآن غير مراقبين دوليين عزّل، فهو يشكل في الوقت نفسه تنازلا مستحيلا من جانب الحلف الأطلسي الذي يغامر بسمعته وبصدقيته·
من المرجح أن يلقى تشيرنوميردين ترحابا في واشنطن لعدة أسباب هي: أن القس جيسي جاكسون نجح في إطلاق سراح الجنود الأمريكيين الثلاثة في بلغراد، وأن الحرب الجوية ضد يوغوسلافيا أدت الى صعود غير مسبوق للتيارات الشيوعية والقومية والسلافية وكل من يعادي الغرب في روسيا، وأن الحملة الجوية برغم كل آثارها المدمرة في "دعائم" ميلوسيفيتش لم تستطع حتى الآن إسقاطه· وفي الوقت نفسه تبتعد احتمالات الحرب البرية، في حين تظهر بوادر عدم ارتياح في باريس وبون وروما وأثينا مع تواصل الحملة·
من المستحيل طبعا أن يربح ميلوسيفيتش في هذه الحرب لأنه الوحيد في القارة الأوروبية الذي يسبح عكس تيار جارف أطلقته نهاية الحرب الباردة· لكن هذا الرئيس القومي الذي تعلّم المناورة في الحرب البوسنية يحاول الاستفادة الآن من شيء مهم: إنه غياب استراتيجية واضحة لخصومه وإدراكه أنهم يخافون لأسباب داخلية في بلدانهم من شن حرب برية· وهذا يعني أن الحرب قد تطول كثيرا إذا أخفقت المبادرة الروسية· فماذا يفعل الغرب إذا دمر كل شيء لميلوسيفيتش ورفض هذا الأخير الاستسلام؟ هل ينتظر سنوات طويلة حتى ينفجر الغضب داخل الشعب اليوغوسلافي؟ وهل يمكن إبقاء اللاجئين طويلا في ألبانيا ومقدونيا المتهالكتين؟ في الواقع، يراهن ميلوسيفيتش على "عيب موروث" في هذه الحملة الجوية· إنه الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، والسعي الى "حل تكنولوجي" لمأزق سياسي - عسكري، فالقدرات العسكرية التي حشدها الحلف الأطلسي مذهلة حقا، وهي دمرت الجزء الأعظم للاتصالات والثكنات والدفاعات الجوية الصربية· لكنها في اليوم الأربعين للحملة لم تحقق أهدافها· ففي بدايتها يوم 29 مارس ما كان "الأطلسي" يتوقع أن تطول هذه المدة· ومع الوقت تغيرت الأهداف الأطلسية والوسائل· فبعدما كان المطلب سحب التعزيزات من كوسوفو، صار المراد الآن سحب جميع القوات وإعادة اللاجئين· وبعد حملة قصيرة الأمد كان مفترضا أن تثني ميلوسيفيتش صارت هناك مراحل ثلاث نحن الآن في أخيرتها غير الحاسمة· وباختصار، تعتبر الوسائل غير متطابقة مع الغايات· فهل كان التفوق التكنولوجي ينطوي على أوهام كثيرة وقليل من الحقائق؟
في هذا الصدد، لا تريد القوى الغربية والولايات المتحدة التورط في حرب برية لسببين جوهريين هما: تفادي خسائر القوات وإلحاق الأذى بالمدنيين في المعارك· ولهذا السبب اختار "الأطلسي" التصعيد الجوي· وحتى يرفع درجة التهديدات، استقدم طوافات "الأباتشي" قاتلة الدبابات تمهيدا لحملة علي القوات المدرعة في كوسوفو·
لكن التفوق التكنولوجي أمر واقع وليس وهما، فهو أثبت صحته في حرب تحرير الكويت عندما حطمت الغارات الجوية قدرات صدام تمهيدا لهجوم بري ناجح بوقت قياسي غير مسبوق· وهذا ما تحتاج إليه الحملة الجوية على يوغوسلافيا حتى تؤتي ثمارها·
فالرئيس اليوغوسلافي مصمم على البقاء في منصبه حتى النهاية، وإذا كانت قيادة أركانه معطلة واتصالاته مشتتة، فهو قادر على شن حرب عصابات لدى الصرب خبرة كبيرة فيها· ومثل هذه الحرب لا تنفع معها التكنولوجيا الجوية كثيرا· فما يهدد ميلوسيفيتش حقا هو سقوط كوسوفو بأيدي القوات الأطلسية البرية وبلوغها حدود صربيا نفسها· وعندئذ تشتد المعارضة القوية لميلوسيفيتش في جمهورية مونتينغرو (الجبل الأسود) وداخل صربيا لأنه يخسر عندئذ ورقة تشكل أحد مصادر شعبيته القومية·