رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 19 - 25 محرم 1420هـ 5 - 11 مايو 1999
العدد 1375

"الأطلسي" في عامه الخمسين: هل يكون شرطي العالم؟!

لم يضطر الحلف الأطلسي، الذي أنشىء قبل خمسين سنة لصد أي تهديد سوفييتي لأوروبا الغربية، إلى التورط قط في أي نزاع فوق القارة القديمة "قبل الأزمة الحالية" وللاحتفال بذكراه السنوية،خطط أعضاؤه الـ 19 طويلا حتى يجتمعوا في واشنطن في نهاية الأسبوع "الماضي" لكن هذه الدول تخوض الآن حربا في البلقان تحدد نتائجها مستقبل الحلف·

لقد حقق الحلف نجاحا باهرا في الحؤول دون نشوب حرب كبيرة في أوروبا وتجنب التورط في نزاعات أخرى ما عدا الخليج الثانية حيث كانت مصالحه الحيوية مهدّدة، ولم يكن مؤسسو الحلف ينوون قط أن يقوموا بدور الشرطي العالمي· بالنسبة إلى الولايات المتحدة، كان الانضمام إلى الحلف خطوة تاريخية يقف وراءها ثلاثة رجال هم الرئيس الأسبق هاري ترومان ووزيرا خارجيته الجنرال جورج مارشال ودين أتشيسون، فالولايات المتحدة لم تشارك منذ تحالفها مع فرنسا عام 1778 الذي دام عقدين في أي تحالف آخر في زمن السلم، ولم يتوقع أحد أن يدوم الحلف حتى سنة ألفين، لكنه اتسع الآن بضم ثلاثة بلدان ديمقراطية جديدة في وسط أوروبا، وهو يستعد الآن لتمديد عمره في القرن المقبل وإعادة صوغ استراتيجيته·

في جهوده لإقناع الكونغرس بتوقيع معاهدة "الناتو" أكد أتشيسون أن هذه المعاهدة، التي تعتبر الاعتداء على إحدى الدول الأعضاء اعتداء على جميع الأعضاء لا تلزم الولايات المتحدة حكما بالتورط في حرب، فقد بقيت سلطة إعلان الحرب في أيدي الكونغرس، وبرغم ذلك صرح أتشيسون بعد ذلك في الإذاعة أن "الشعب الذي يحترم نفسه يحافظ على التزامه في العقد" وحسب هذا الوزير كان الحلف يحتاج إلى خطة مشتركة وإلى جهد مشترك واستراتيجية مشتركة·

بغياب التهديد السوفييتي، صارت المهمة المشتركة للحلف في القرن الحادي والعشرين هي ضمان أمن أوروبا واستقرارها، وفي هذه السنة، قررت القوى الأوروبية العظمى ــ وهي في هذه الحال بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة أيضا ــ أن لا تسمح باندلاع حرب أهلية في كوسوفو ، وتحديدا منع صربيا من متابعة السياسة الوحشية بل الإجرامية ضد ألبان كوسوفو، وربما فكرت هذه القوى في الامتناع عن ذلك لكنها لم تستطع خوفا من أن تتسع رقعة الحرب الأهلية، وعندما يكون القائد الأعلى للقوات الأطلسي جنرالا أمريكيا لاتستطيع  الولايات المتحدة التخلف عن حلفائها في هذا الجهد·

لكن استعمال القوة في كوسوفو ليس نموذجا لتدخلات مقبلة في مناطق أخرى، فمن الجنون التدخل هنا وهناك لإصلاح ما يعتبر خطأ· وفي تحديد الدور المستقبلي للحلف، يجب على الولايات المتحدة باعتبارها زعيمته أن تحرص على عدم دفع الحلف إلى تأدية دور إنساني في تدخلات أخرى تتخطى المسرح الأوروبي إلا إذا كان هناك تهديد واضح للوحدة الأوروبية·

في حرب الخليج الثانية، عندما غزا العراق الكويت وهدّد توازن القوى في الخليج وتدفق النفط إلى الدول الأخرى، كان استعمال القوة مبررا وفي الواقع كان التهديد العراقي واسع النطاق بقدر جعل دولا أخرى غير منضمة إلى الحلف الأطلسي تشارك في المجابهة، وربما يحدث ذلك مرة أخرى في الشرق الأوسط وفي شمال أفريقيا·

لكن الحلف لا يستطيع أن يكون شرطي العالم، فالزعماء السياسيون في أوروبا وأمريكا يواجهون مهمة مضنية في إقناع التحالف بالتدخل في مواقف تنطوي على انتهاكات عظيمة لحقوق الإنسان كما في تيمور الشرقية "أندونيسيا" وبورما "ميانمار حاليا" أو التيبت الصيني" أو الكونغو· وهذا ما يجب أن تأخذه الولايات المتحدة بالاعتبار عندما تدفع حلفاءها الأوروبيين إلى المشاركة في مبادرات جديدة لمحارية أسلحة التدمير الشامل والإرهاب والتهديدات الصادرة من دول عاصية مثل العراق وليبيا·

وللنجاح في مهمته يجب على "الناتو" أن يحقق دوره الحالي باعتباره "منظمة أمنية أوروبية" تتدخل لمنع تغيير الحدود بالقوة وتعتبر التطهير بالمذابح عملا غير مسموح به وتنشر قواها العسكرية خارج شواطئها لصد قوى قد تعمل على زعزعة استقرار القارة القديمة· بناء على ذلك، ثمة حاجة إلى وضوح الغايات فالولايات المتحدة باعتبارها قوة أوروبية يجب أن تكون ميالة إلى مشاركة حلفائها في المحافظة على استقرار أوروبا، وخلافا لذلك يكون "الناتو" أشبه بجثة على حصان، وأي خطط لتوسيع دوره تكون محكومة بالفشل·

يجب  على الولايات المتحدة والقوى الأخرى في الناتو أن تلتفت إلى عبارات وزير الخارجية البريطاني في القرن السابق اللورد بالمرستون الذي نصح انكلترا بحكمة أن تكون "بطلة العدالة والحق أي متابعة هذا النهج باعتدال وحذر لا أن تصبح "دون كيشوت"العالم، فإذا جنح "الناتو" إلى شخصية "دون كيشوت" فهو يتحول الى قوة فرض سلام دولية·

واشنطن بوست

طباعة  

أزمة كوسوفو: متى الهجوم البري؟
 
أوجه الشبه والاختلاف بين الأزمتين اليوغوسلافية والعراقية