يقدر تعداد من خسرهم غرب وأواسط أفريقيا من البشر ما بين 24 الى 37 مليونا· وقد ظن الأفارقة أن الرجال البيض من المتوحشين، آكلي لحوم البشر، وأنهم يقصدون توريدهم الى أمريكا لأكل لحمهم·
انتشرت الحمى الصفراء أولا في باربادوس عام 1647 (والتي بدأ الانجليز في استيطانها عام 1727) وأعقبت مشروعات تطوير العالم الجديد، الإزالة المتسارعة والبشعة للغابات وزراعة الأراضي البكر التي نشأت بقصب السكر، وتقطين الزنوج الذين جلبوا من أفريقيا في تلك الحقول ثم بيع السكر المنتج في انجلترا·
هلك من هذا الوباء الأول - الذي استمر حتى عام 1650 - %15 من السكان· ضربت الحمى الصفراء ثانية عام 1691 واستمرت لعدة سنوات وهلك منها "السادة، والخدم والعبيد"، وهرب بعضهم الى كارولينا الجنوبية·
وقد توقفت هجرة البيض من بريطانيا بعد بدء الثورة الصناعية وتوافر الأعمال لفقراء الانجليز في بلادهم (هاجر من أوروبا ما يبلغ تعدادهم 50 مليون نسمة بين 1914-1840، ورحل غالبيتهم الى أمريكا)، ولم تعد هناك حاجة الى خطف الزنوج من أفريقيا وترحيلهم عنوة الى العالم الجديد·
سمح ملاك مزارع القصب للزنوج بمعاشرة كل من يرغبون من النساء السود لمتعتهم ماداموا ينتجون عددا كبيرا من الأطفال ويعملون عملا مرضيا للسادة أصحاب المزارع ولا يمرضون·
وبعد النجاح الباهر لإنتاج السكر من باربادوس انتقل الى جزيرة جاماياكا ثم الى المستعمرة الفرنسية في سان دومينيج (هايتي)، ثم الى البرازيل والى جزيرة كوبا، وقام بالعمل في هذه الأماكن عبيد من زنوج أفريقيا، بعد أن أفنت الأمراض (الجدري) ووحشية المستوطنين الإسبان السكان الأصليين للبلاد، ثم حلت الملاريا الخبيثة والحمى الصفراء محل الجدري كأداة لقتل السكان الجدد من البيض والسود·
استمر ورود الزنوج العبيد من أفريقيا الى الولايات الجنوبية من الولايات المتحدة الأمريكية، واستمروا يزرعون حقول القطن المترامية الأطراف التي كانت تزود مصانع مانشستر وأولدهام باحتياجاتها من القطن·
اشترت الولايات المتحدة الأراضي الفرنسية الشاسعة في لويزيانا من فرنسا عام 1803 (لتستخدم فرنسا النقود في دعم حملتها ضد هايتي)، وضمت الولايات المتحدة غربي فلوريدا من أسبانيا خلال الحرب الانجليزية الأمريكية بين عام 1815-1812 وأفرغتها من سكانها، وتم استزراع القطن بواسطة العبيد في هذه الأجزاء التي اكتسبتها الولايات المتحدة·
زاد ملاك الأراضي البيض من سطوتهم وازداد قهرهم لعبيدهم من الزنوج، وبدأ الشماليون في المناداة بتحرير العبيد من سطوة البيض، وتصاعدت أوبئة الحمى الصفراء حوالي سنة 1850 وأصابت المدن الكبرى في الجنوب نيو أورليانز وممفيس وشارلستون، وكثيرا من المراكز المحلية التي كانت تزود ملاك الأراضي بالخدمات اللازمة، وأسبغت تلك الأوبئة سمعة سيئة على الولايات الجنوبية· وقد ادعى الأطباء الجنوبيون أن الحمى الصفراء هي مرض الزنوج - المنحطين عرقيا عن البيض - وأنهم ناقلوه للجنس الأبيض (الحقيقة أن دفء أماكن سكن الزنوج، من تزاحمهم وضيق المكان عليهم ودفء المكان بالنيران التي يوقدونها للتدفئة، كان يهيئ الظروف المثلى لتوالد بعوضة الإيدس الناقلة للحمى الصفراء)·
ومع ذلك كانت نسبة الإصابة بالحمى الصفراء أقل كثيرا بين الزنوج عن البيض، وشدة إصابة البيض أشد ضراوة بكثير عن الزنوج (لأن أطفال الزنوج المصابين بلدغ البعوض الناقل للمرض من طفولتهم المبكرة يكتسبون قدرا كبيرا من الحصانة)·
مع اندثار صناعة السكر في جاميكا عام 1838 استولت جزيرة كوبا على المسرح وصارت كبرى المناطق في العالم الموردة للسكر· بالرغم من حظر تجارة الرقيق استمرت كوبا في جلبهم من أفريقيا حتى عام 1886·
صار سكان العاصمة - كوبا - خليطا من الأفارقة والأوروبيين الجنوبيين من الأسبان والبرتغاليين وسكان جزر الكاناري، وازدهرت هافانا وصارت ثانية مدن الأمريكتين - بعد نيويورك - جذبا للناس من كل صوب وحدب· وقد حدث تمرد بين سكان كوبا عام 1868، وثاروا على حكم مدريد، وصارت الجزيرة شبه مستقلة عن التاج الأسباني عام 1898 في أواسط الأربعينيات من القرن التاسع عشر، مدت الولايات المتحدة نفوذها واستولت على الثلث الشمالي من المكسيك، ثم اتجهت لابتلاع جزيرة كوبا الخاضعة لأسبانيا عندما ضربت الحمى الصفراء نيواورليانز وممفيس وبقية مدن الجنوب عام 1878، وعلم الجميع أن الوباء قد وفد من كوبا·
* * *
وبعد الوباء الذي اجتاح جنوب الولايات المتحدة عام 1898 زحفت الولايات المتحدة على كوبا واحتلتها عام 1898 واحتلت كذلك جزر الفلبين وبورتوريكو - المستعمرتين الأسبانيتين واللتين تنتجان السكر أيضا، وتأكد أن الأرباح التي تجني من صناعة السكر سوف تسقط كلها في يد الأمريكيين·
وقد أجرى والتريد رئيس البعثة الطبية للبحرية الأمريكية تجاربه على الآدميين وأكد نظرية كارلوس فينلي، وبالفعل طهر الأمريكيون كوبا ثم برزخ بنما من البعوض (والحمى الصفراء والملاريا) ثم أكملوا حفر قناة بنما التي وصلت المحيط الهادي بالمحيط الأطلنطي بعد أن فشل المهندسون الفرنسيون في إكمالها ودفعوا ثمنا باهظا لذلك بخسارتهم لخمسين ألف نسمة من المهندسين والعامل الذين سقطوا صرعى الحمى الصفراء والملاريا الخبيثة·
بدأت بريطانيا تتجه الى توسيع رقعة مستعمراتها في أفريقيا· بعد النجاح الذي أحرزته من احتلالها لمصر عام 1882 اتجهت جنوبا وتطلعت لاحتلال السودان، ثم اتجهت لجنوب أفريقيا واستولت على مناجم الماس الغنية في كيمبرلي وعلى مناجم الذهب، واستغلت ثروات أنجولا في غرب أفريقيا نظرا لصلالتها الطيبة مع النظام الحاكم في البرتغال· ثم اتجهت لنيجيريا واستغلت منتجاتها من المواد الأولية: القطن، زيت النخيل وغيرها، مما تحتاج الصناعة في أوروبا·
صار لقطن غرب أفريقيا أهمية عظمى في السنوات الأربع التي انقطع فيها ورود القطن من الولايات المتحدة في أثناء حربها الأهلية بين عامي 1865-1861· ثم اتجهت بريطانيا الى ساحل الذهب (غانا حاليا) لاستغلال مناجمها الغنية بالذهب، وزودتها بالميكنة اللازمة وجلبت عشرات الآلاف من العمال الأفارقة للعمل في تلك المناجم، ووضعت قوات بريطانية هائلة لحماية هذه المناجم·
غزا البريطانيون بعد ذلك بواسطة الرشاشات سريعة الطلقات والمدافع والبنادق الضخمة مزيدا من أراضي أفريقيا، فاحتلت بريطانيا بنين وأراضي الهوسا وأراضي المسلمين ذات الحضارة جنوب الصحراء الكبرى· وهزمت كذلك قوات المهدي في السودان وحوض النيل الأزرق (بواسطة الجنرال كتشنر)·
وهكذا صارت بلاد أفريقيا كلها نهبا للمستعمرين الأوروبيين - باستثناء ليبيريا - التي نقل إليها بعض العمال من الزنوج الأمريكيين بعد نهاية الحرب الأهلية الأمريكية - وصارت ليبيريا الى الآن من توابع الولايات المتحدة·
وبعد السيطرة الكاملة على أفريقيا بدأت الحكومة البريطانية الانتباه الى أمراض المناطق الحارة، وأقنع مانسون وزارة المستعمرات بإرسال بعثات لدراسة الملاريا وأنشئت أول مدرسة لطب المناطق الحارة في ليفربول عام 1899·
بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة ألمانيا أجبرت فرنسا وانجلترا أهالي أفريقيا (وسائر المستعمرات) على التجنيد في قواتها المسلحة، وهرب الكثيرون من المستعمرات الفرنسية وسلموا أنفسهم للانجليز، وتسبب هذا في زيادة الإصابة بالملاريا بعد تغيير السكان لأوطانهم الأصلية وإصابتهم بفصائل جديدة من الطفيليات لم تكن لديهم أي حصانة تجاهها·
كانت أعداد السكان تتزايد بسرعة في أوروبا (بمعدلات تصل الى %6-5 في العام)· ولكنها كانت ثابتة لا تتزايد في أفريقيا، من جراء الأوبئة التي لم تتم السيطرة عليها· وقد جلب الفرنسيون اللبنانيين والسوريين لمعاونتهم في التجارة في غرب أفريقيا - إذ كانوا يعتبرون الأفارقة متخلفين عقليا·
عند انعقاد مؤتمر أمراض المناطق الحارة في القاهرة عام 1928 كانت الأحوال الصحية قد تحسنت لدرجة بالغة، في أوروبا وفي أمريكا ولكنها بقيت متدهورة في أفريقيا، وظلت الوفيات من الأوبئة مرتفعة في البلدان التي لم يتم فيها استيطان الأوروبيين، في حين انخفضت الى المعدلات الأوروبية في الجزائر وفي المناطق المرتفعة من كينيا وفي الروديستين وفي جنوب أفريقيا - الأماكن التي استوطنها الأوروبيون - وفي أواخر القرن العشرين فوجئنا بحدثين مهمين: فقد اكتسب عدد كبير من أصناف طفيل الملاريا حصانة ضد العقاقير - القديمة منها والحديثة، كما صار البعوض مقاوما للكيماويات المختلفة مما يهدد ثانية بانفجار الأزمة·
* * *
من بين عشرات الكتب التي يتم نشرها تباعا عن الأمراض المعدية ووقعها على المجتمع والسياسات الصحية للدول المختلفة - يثير كتاب شلدون واتس أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة كثيرا من التأملات والأفكار، ويرى المؤلف أن الأوبئة نتيجة مباشرة للاستعمار الأوروبي الذي لولا مساعدته في نشر الأوبئة - بتصرفاته الخاطئة في كثير من الأحيان، وتقاعسه عن مقاومتها في الوقت المناسب - لما انتشرت هذا الانتشار·
وقد شهد النصف الأخير من القرن العشرين انتصارات هائلة للطب كعلم منضبط يتبع الأسلوب العلمي ويدين لتقدمه بالنهج العلمي· ولكن هذه السنوات شهدت أيضا انفصالا يزداد اتساعا بين الخدمات الصحية الفعالة المتاحة لقليل من البشر وغير المتاحة لغالبيتهم· إذ يسود الجهل كثيرا من المجتمعات، فيتمسك البعض بالخرفات ويؤمن آخرون (من الأطباء والمثقفين والساسة) أن زيادة أعمار البشر ترجع الى طرق التشخيص والعلاج الفعالة، بينما الحقيقة أن ارتفاع مستوى المعيشة وتوفير المياه الصالحة للشرب وضمان الغذاء المتكامل الكافي والتحصين ضد الأمراض وغيرها من وسائل الصحة العامة - هي السبب الرئيسي في طول مدة الحياة وارتفاعها الى أن وصلت في المتوسط الى أواخر السبعينيات في البلدان المتقدمة·
على الساسة - إذا أدركوا هذه الحقيقة - عدم التهاون في توفير وسائل الوقاية من الأمراض بدلا من إنفاق مليارات الجنيهات على علاج القليل من الأمراض· ونصيحتي أنه بدلا من أن يتخصص النابهون من شبابنا في عمليات زرع نخاع العظام أو جراحات القلب لا بد أن يهتم الكثيرون منهم بالمشاكل الصحية الحقيقية التي يعاني منها الملايين في الريف أو في الأحياء الفقيرة في الحضر·
وقد توصلت شركات الأدوية الكبرى الى لقاحات ضد الحصبة وشلل الأطفال والتيتانوس والدفتيريا، وغيرت من صورة هذه الأوبئة في العالم، ولكنها لم تبذل بعد الجهد الكافي لإنتاج لقاحات فعالة للأوبئة الخطيرة التي تعاني منها الدول الفقيرة·
من مصائب الدهر أن حكام الدول النامية يسعون لشراء المزيد من الطائرات النفاثة أو الغواصات أو الألغام أو زيادة تسليح وإعداد القوات المقاومة للشغب، أو زيادة الإمكانات في المعتقلات، أو تحديث وسائل التعذيب في السجون·
صناع الأسلحة هم أشد من يكون سعادة من هذه السياسات في العالم، والتي يبيعونها للدول النامية، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا·· هذه الأسلحة تستخدم في الحروب المحلية الصغيرة، بينما تلك الأمم في أشد الحاجة للرعاية الصحية الأساسية والتي تحتاج لاستكمالها الى قدر ضئيل من تلك الأموال·
ومن دواعي السخرية أن الأمريكيين - الذين يباهون بأن لديهم أعلى مستوى للطب في العالم - فوجئوا عام 1981 بظهور مرض "الإيدز" (فقر المناعة المكتسبة) بينهم، ذلك المرض الذي لا برء منه ويؤدي الى الوفاة حتما (تبعا لمعرفتنا الحالية) والذي لم يصنع له لقاح واق بعد·
مات من الإيدز في السنوات العشر الأولى بعد التعرف عليه 1,5 مليون نسمة في العالم كله، وسوف يبلغ عدد المصابين بالفيروس عام 2000 أربعين مليون نسمة· ظهر هذا الوباء - من سخرية القدر أيضا - بعد ثلاث سنوات من إعلان منظمة الصحة العالمية عن خلو العالم من مرض الجدري·
ومن السخرية القدرية - للمرة الثالثة - أن مرض الإيدز كان أشد انتشارا - في سنواته الأولى- في قارتي أمريكا وأفريقيا ( القارتان اللتان شهدتا حركة انتقال للسكان بالهجرة القسرية لملايين البشر من أفريقيا الى أمريكا في القرون الثلاثة السابقة)·
ومن سخرية القدر أيضا أن مرض الدرن - قد صار ميكروبه الذي كشف عنه روبرت كوخ عام 1882 - مقاوما لجميع مضادات الدرن وصار مستعصيا على العلاج وسيعاود في المستقبل القريب ضراوته وخطورته البالغة على الإنسانية، وسيصيب بعنف فقراء العالم الجدد الذين يزداد عددهم في أمريكا وبريطانيا وروسيا - بالإضافة الى فقراء الدول النامية·
* الأوبئة والتاريخ: المرض والسلطة والإمبريالية
تأليف : شلدون واتس أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية عن مجلة "الكتب ·· وجهات نظر"·
** أستاذ أمراض الباطنة بجامعة عين شمس·