· المحاضرة أغفلت نماذج أكثر سطوعاً في موضوع الاغتراب
استضافت رابطة الأدباء ضمن نشاطها الأسبوعي الأربعاء الماضي الدكتورة سعاد عبد الوهاب رئيسة قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة الكويت التي ألقت محاضرة بعنوان "الإبداع والاغتراب في شعرنا القديم" أدارتها الأديبة ليلى محمد صالح·
أسباب الاغتراب
وقد مهدت المحاضرة بقولها إن "الاغتراب" مصطلح حديث جدا، وهو نتيجة للقمع والعنف والحصار الذي يلاقيه المبدعون، بل إن الاغتراب قد يكون من طبيعة العملية الشعرية ذاتها، لأن الشاعر لا يبدع تجربة فنية حقيقية إلاّ إذا وفّر لنفسه نوعا من العزلة وواجه نفسه، وهذا نوع من الاغتراب عن الآخرين كما أن الدراسات السيكولوجية ترى أن الإبداع الشعري أو الأدبي بعامة لا يكون إلا حين يجتاح المبدع التوتر، ويختل توازنه العصبي، أي أنه مغترب عن ذاته، فتكون القصيدة هي الدواء الذي يعيده إلى توازنه واعتداله·
ورأت المحاضرة أن الشاعر كان يحس بالاغتراب حتى في أشد القبائل تمسكا بنمط البداوة وهي "هذيل"، كما أننا نجد الاغتراب لدى "العذريين" لأنهم يتعلقون بحب مثالي، ولدى الشعراء "الحسّيين" أيضا كالعرجي الذي كان تهالكه علي اللذات نوعا من خيبة الأمل في تحقيق طموحه السياسي والحربي وهو الأموي والفارس·
وأشارت إلي حالات اغترابية أخرى كالصعاليك والخوارج والصوفية، ووقفت عند لامية العرب للشنفرى الذي أعلن اغترابه وابتعاده عن قبيلته لأن له مآخذ عليها، وكذلك كانت لامية العجم للطغرائي الذي تجلى الاغتراب لديه في شكوى الزمان والشعور بالضياع، ورأت أن العصور العربية القديمة لم تكن تتيح مجالا لحرية الفكر والشعر إلا نادرا، ولذلك كان الشعور الاغترابي سائدا في الشعر العربي·
الاغتراب والإبداع
بعد ذلك قرأت الباحثة محاضرتها التي كانت تفصيلا لما طرحته من أفكار في مقدمتها الشفوية، ورأت أن النقد القديم قد انتبه إلى هذه الظاهرة، فعلى سبيل المثال ذكر ابن رشيق في كتابه "العمدة" وسائل استدعاء الشعراء للشعر مشيرا إلى الدوافع النفسية كالرهبة والغضب والرغبة، فقد كان ذو الرمة إذا انقفل باب الشعر دونه يستعين عليه بالخلوة بذكر الأحباب، وكان كُثير يطوف في الرباع والرياض، وكان جرير يختلي ليلا بنفسه، والفرزدق كان يركب ناقته ويطوف خاليا منفردا في شعاب الجبال وبطون الأودية، فالحركة الأولى لاستقبال القصيدة هي الخلوة والعزلة، ولكن الدكتورة عبد الوهاب أشارت إلى أن العزلة قد تكون نفسية يضربها الشاعر حول نفسه، واستشهدت ببعض الكتب التي عالجت هذه القضية، مثل كتاب "علم النفس والأدب" للدكتور سامي الدروبي و"الإبداع والشخصية: دراسة سيكولوجية" للدكتور عبد الحليم محمود، وكتاب "الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر" للدكتور مصطفى سويف، وناقشت بعض آراء هؤلاء الكتاب
الاغتراب وسط القبيلة
وأكدت أن الطابع الاغترابي الشامل واضح في أشعار الخوارج والعذريين، فالخوارج استثناء في السياسة، والعذريون استثناء في العاطفة، وكلاهما يشعر بأنه مغترب بين الكثرة التي أدمنت المألوف وانصاعت لقوة التقليد ورضيت بالأمر الواقع·
وتحدثت عن الغربة الاجتماعية عند أبي ذؤيب الهذلي الذي تطور عنده الاغتراب إلى غربة في الحياة، إذ يتسلّط الشعور بالفناء وقهر الزمن للإنسان·
وفي وقفة مع شعراء هذليين آخرين تلمست الباحثة أنواعا أخرى للاغتراب تتمثل في التنحي رفضا لعقوق الأقارب، وهو ما يتجلى بصورة أوضح في قصيدة الشنفرى اللامية المشهورة الذي يشكو قومه لأنهم لم يقدموا له الحماية الواجبة، فقرر التخلي عنهم إلى قوم آخرين·
ورأت أن الاضطراب الذي ساد العصر العباسي هذا الذي أنتج شعور الاغتراب لدى الطغرائي الذي أعلن صراحة في لاميته شعوره بالاغتراب حين قال "طال اغترابي" ولامست أثر هذا الشعور في بنية القصيدة وأسلوبها وألفاظها·
ثم عادت ثانية إلى العرجي اللاهي العابث الذي كان انكسار طموحه وحلمه السياسي سببا في اغترابه·
أين شعراء الاغتراب الأهم؟
وإذا كنا نسجّل ملاحظة على هذه المحاضرة القيمة فإننا نعجب كيف أغفلت الباحثة نماذج أكثر سطوعا في موضوع الاغتراب، فعلى سبيل المثال لم تذكر شيئا عن أمرىء القيس الذي كان منبوذا مطرودا، وهو الذي قال: وكل غريب للغريب نسيب" كما أغفلت طرفة بن العبد في اغترابه الوجودي، كما أن للنابغة سهما وافرا في هذا الموضوع بعد غضب النعمان عليه· أما في العصر العباسي فهل يمكن إهمال أبي نواس الذي يمكن أن يعد أشد الشعراء اغترابا نفسيا ووجوديا، وكذلك ابن الرومي الذي لم يكن متكيفا مع عصره وهو القائل: "إن من ساءه الزمان بشيء لأحق امرىء بأن يتسلى" بل أين المتنبي وهو عالم قائم بذاته، وأين هي غربة أبي تمام الفنية؟!
الشعر الشعبي في رابطة الأدباء
تقيم رابطة الأدباء اليوم الأربعاء ضمن أنشطتها الثقافية محاضرة تلقيها الدكتورة حصة الرفاعي·· يدور محور المحاضرة حول "الشعر الشعبي ·· دوافع النشأة ومبررات الوجود"·· في الساعة السابعة مساءً في مقر الرابطة بالعديلية·