الحديث يؤكد:
· أن الأسرة الحاكمة ليست مسؤولة عن أخطاء بعض أقطابها
· وأن جبهة المدافعين عن الدستور داخل النظام أصبحت عريضة
ربما ما نُقل عن حديث الشيخ سعد لأحمد السعدون حول اتصالات جرت معه من قبل عدد من رجالات البلد تطالبه بالتحرك لفعل شيء ما لإخراج البلاد من أوضاعها الصعبة وما تسرب من قوله إنه ينوي استشارة أهل الكويت لوضع "الحلول"، ليس بجديد على أي متابع لمسيرة بعض أطراف النظام·
لكن الحديث جرى كما لو أن هذه الأزمات هي أحداث مفاجئة وطارئة لم نسمع بها من قبل وأنها لذلك تستدعينا لإعلان الطوارئ من أجل ابتكار واستنباط الحلول·· باستشارة أهل الكويت· فالوضع القائم هو تعبير بليغ عن الحلقة المفرغة التي أُدخلت فيها البلاد بسبب أن بعض أطراف النظام ليست غير حريصة على حل المشكلات فقط بل إنها معنية باصطناع الأزمات للعبور من خلالها لهدف أساسي يمتلك رؤيتها امتلاكا كاملا، وهو تجاوز الدستور وتقليص المكتسبات الدستورية التي حازها الشعب الكويتي·
لكن الجديد في الساحة المحلية ليس ما تقدم فهو معروف جيدا للمراقبين السياسيين، الجديد هو إعلان التيار الآخر في النظام بوضوح وقوة وعلى أعلى المستويات عن موقفه مما يجري وعن رؤيته للأوضاع العامة وعن موقفه من الدستور·
وهذا ما عبّر عنه الشيخ سالم العلي في حديثه الذي انفردت به الزميلة "القبس" يوم الاثنين الماضي·
الجميع يعلم أن التيار الذي يقوده الشيخ سعد وينطوي تحت لوائه وزير الدفاع هو التيار الذي أتى بالمجلس الوطني بديلا غير دستوري لمجلس الأمة عام 1990 وذلك بعد الحوار الشهير الذي أجراه الشيخ سعد مع "أهل الكويت" رغم أن غالبيتهم الساحقة أجمعت على التمسك بدستور عام 1962 وعبرت عما عبرت عنه التجمعات الشعبية التاريخية المطالبة بعودة الحكم الدستوري (1995-89)·
والجميع يعلم أن هذا التيار لم يستفد من دروس الاحتلال والتي كان أبلغها درسين:
الأول: هو أن الكويتيين كشفوا عن معدنهم الأصيل في أحلك أزماتهم وأشدها قسوة· فتوحدوا وراء قيادتهم الشرعية الدستورية ولم يشذ فرد واحد منهم·
والثاني: أن الديمقراطية هي الإطار الذي لا غنى عنه للوحدة الوطنية أمام المخاطر وهي منهجنا الذي يحترمه العالم مما يجعلها درعا أساسيا من دروع الوطن·
فحالما دُحر الاحتلال عاد ذلك التيار وبميليشياته ليحتل مواقعه القديمة· وعاد بالمجلس الوطني رغم عهود "جدة"، ورفض المساءلة عن التقصير الذي ساهم بكارثة الاحتلال أو في مواجهتها· ورفض المحاسبة عن السرقات التاريخية التي تعرضت لها أموال الشعب الكويتي أثناء الاحتلال وقبيله وقاوم باستماتة محاولات إحالتها الى القضاء وأن يأخذ القضاء فيها طريقه·
كما عبث بعض أطرافه في انتخابات مجلس الأمة عبر تقديم الخدمات و"صندوق الانتخابات" للهيمنة على المجلس لإنفاذ رغباتهم وأهدافهم· ولأن نتائج تلك الانتخابات لم تأت على قياس المخططات والرغبات فلقد أدخلت البلاد في أزمات متعاقبة عبر تشكيل حكومات ضعيفة غير قادرة على مواجهة الأزمات مما يخلق أزمات جديدة تعطي فرصا للانقضاض على الديمقراطية·
المراقبون السياسيون في الكويت وعبر ثمان سنوات من المتابعة بعد التحرير كادوا ييأسون من التغيير في أنماط السلوك السياسي للسلطة، فالذي يتحرك هو طرف واحد، وإن تحرك طرف آخر فصراعه هو حول السياسات والأسلوب والصلاحيات ولكنه كان دائما تحت السطح وإن ظهرت بعض شظاياه، ونتيجته في أغلب الأحيان مزيد من الشلل في القرار في البلاد·
ولذلك يقول المراقبون إن حديث الشيخ سالم العلي ربما يشكل انعطافا رئيسيا في مسيرة النظام·· كيف؟!
للمرة الأولى في تاريخ الكويت الحديث، يعبّر قطب من النظام علنا وعلى أعمدة الصحف عن وجهة نظر تشكل نقدا صريحا وواضحا لسياسة بعض آخر من أقطاب النظام· فلقد جرى أن يكون الحوار والنقد والاختلاف بين أفراد النظام لا يخرج من الغرف المغلقة· ولأول مرة تطرح وجهة نظر شبه متكاملة تشكل بديلا لبرنامج الحكومة ولأهدافها وسلوكها· فلماذا؟!
يقول المراقبون السياسيون إن هناك عدة قضايا يمكن أن نفهمها من حديث الشيخ سالم العلي، فهو قطب أساسي من أقطاب النظام، وحديثه كان موجها أولا الى أعلى، ثم الى أفراد الأسرة ثم الى الناس·
وهو معني أيضا بأمور البلاد ويرى قبل غيره ما تدفع إليه البلاد من أزمات وما تقاد إليه من طرق مسدودة شلت البلاد وأحبطت الناس، ولكنه ربما كان يشعر بأن الناس يحمّلون الأسرة الحاكمة برمتها مسؤولية ذلك كله ولا يقصرونها على أولئك الذين يمارسون إدارة السلطة التنفيذية·
وهو يريد أن يقول إنه هو ومن يمثله من تيار داخل الأسرة الحاكمة ليسوا طرفا فيما يجري·· لا يوافقون عليه ولا يريدون أن يُحَمَّلوا تبعاته· وأنه لا بد من الإصلاح·
وهو يريد أن يعلن أن هذا التيار يعتبر دستور عام 1962 هو أمر نهائي، ولا يجوز النكوص عنه أو القفز عليه· وأنه المظلة الوحيدة التي يجب أن يدار في فيئها حوار السلطات وتطبيق القوانين، وتجري بموجبه محاسبة الوزراء، حتى لو كان ذلك هو وزير المالية (علي) ابن سالم العلي· وأن لا يأخذ أحد من كون الشيخ (علي) هو ابن النظام سببا في افتعال أزمة دستورية لأن الجميع يجب أن يخضع لأحكام الدستور أو كما قال إن "الحق يعلو ولا يُعْلى عليه"·
ويقول المراقبون إن من أكثر الأمور إلفاتا للنظر هو الحديث حول قضية المناخ فيشير الى أنه لم يتورط في المناخ الذي تورط فيه كثيرون غيره، مما يعني أن السياسات التي أديرت بها البلاد لصالح المتورطين في المناخ من بعض أطراف النظام وحلفائهم تلك السياسات التي هي مصدر أساسي للأزمات ولمحاولات اختراق الدستور، لم يكن له مصلحة ولا دخل بها، وأن البلاد وأهدافها وسياساتها يجب أن لا تفصّل على مقاسات تلك الفئة·
ويطرح الشيخ سالم العلي رؤية عامة شبه متكاملة للأوضاع الاقتصادية والدور الأساسي للقطاع الخاص وحرية التجارة وانفتاح البلاد وأمنها ومسؤولية المواطنين في كل ذلك، كما يعالج قضية البدون بنظرة إنسانية وحضارية ويتطرق الى علاقات دول مجلس التعاون كما يلتفت لشؤون الأسرة الحاكمة ومشاكلها الخاصة·المراقبون السياسيون المخضرمون في الكويت الذين قرأوا وتفحصوا وحللوا حديث الشيخ سالم العلي غير المسبوق تساءلوا في نهاية التأمل، إذا كانت الرؤية التي طرحها الحديث هي بلورة للتيار الذي تكوّن بعد التحرير بين بعض أفراد الأسرة الحاكمة وخصوصا من الشباب ثم أخذ يتنامى مع تفاقم أزمات الحكم ليشمل الكبار الذين لم يعودوا قادرين على الصمت·
وإذا كان هذا الحديث يطرح بديلا سياسيا لمنطلقات وأهداف ووسائل الحكومة، فهل يطرح أيضا بديلا لقيادة السلطة التنفيذية؟ هذا هو السؤال؟!