رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 12 - 18 محرم 1420هـ 28 ابريل 4 مايو 1999
العدد 1374

الفكر العربي: الماضي.. الحاضر.. الآفاق*
هزيمة 1967 حولت الفكر العربي الحداثي أو الكلاسيكي من "الفكر الرغبي" إلى "الفكر الممزق"

·         محمد الجابري: الفكر العربي الحديث عقيم وقريب من الصف

·         علي حرب: الفكر العربي الحديث كتلة من الأوهام لا تفضي إلا الخيبة

·         الدعوة إلى قراءة ماضي الفكر العربي من أجل الإقبال على المعارف الحديثة قبل أن يكون تشبثاً بالماضي الثقافي وتمسكاً به

·         الموروث الفكري لا يظل ماضياً بل يتحول إلى جزء من ثقافة الحاضر من دون أن يكون بالضرورة عنصراً إيجابياً فيها

·         هل كان الفكر العربي واقعياً وهو يحلم بمجتمع عربي يساوق ويزامل المجتمع الأوروبي كما فعل طه حسين؟

·         يجب التمييز نظرياً وعملياً بين مفهومي تسليف الحاضر وترهين الموروث

·         من أراد أن يخاطب المستقبل  فعليه أن يتعرف على الماضي

·         وحدة العالم المتزايدة تفرض على الوعي الغربي إن أراد أن يكون تاريخياً أن يعرف الفرق بين الأنا والآخر

 

فيصل دراج**

لم يكن الحديث قبل عقود ثلاثة، عن الفكر العربي أمرا صعبا، لأنه كان واضحا وشفافا ومعروف البداية والنهاية، فمنذ بداية القرن كان هذا الفكر، في أشكاله المختلفة، مؤمنا الإيمان كله بانتصاره الأكيد· فالمفكر الحداثي الليبرالي أعتقد أن العالم العربي آخذ بالضرورة، بوسائل الحضارة الغربية ووصل الى ما وصلت إليه، والمفكر الإسلامي آمن، من دون شك، بعودة الدولة الإسلامية المظفرة، والقومي لم يراوده الشك قط في أن مجد العروبة مستعاد، ولو بعد حين، والفكر الاشتراكي حلم بجنة فوق الأرض ومضمونة·

تميز هذا الفكر، في ألوانه المتعددة، بإيمانية عميقة، لأنه كان يتعامل مع رغباته الذاتية كوقائع حقيقة من دون أن يتأمل مدى الوهم ومدى الحقيقة· ولذلك كان على هذا "الفكر الرغبي"، الذي يستبدل بالواقع الرغبة، أن يضطرب ويتداعى، أو أن يضطرب ولا يحسن الوقوف بعد هزيمة يونيو عام 1967· وبسبب هذه الهزيمة انتقل الفكر العربي المستند الى الحداثة أو المتمسك بأصالته القديمة، من صيغة "الفكر الرغبي" الى صيغة مغايرة هي: "الفكر الممزق"، الذي لا يعرف من أين يبدأ ولا يدرك الى أين يسير· وكان بديهيا، في هذا السياق، أن تنعزل الكتابة عن الواقع، وأن يكتفي الفكر، غالبا، بمحاورة الكتب العربية والأجنبية، على مبعدة من الواقع العربي الفعلي، الذي يطرح أسئلة تتجاوز الكتب العربية والأجنبية في آن·

وإذا كان الفكر العربي قد اضطرب ذاتيا، بعد هزيمة 1967، فإن التحولات العالمية العميقة، التي أخذت بالتبلور منذ منتصف الثمانينيات، زادته قلقا وضياعا، كما لو كان الزمن الذي انتسب إليه قد تهاوى وانطوى، ولذلك وجدنا أن المفكر المغربي محمد عابد الجابري يرى الفكر العربي الحديث عقيما وقريبا من الصفر في كتابه "الخطاب العربي المعاصر"، مثلما سيرى اللبناني علي حرب في كتابه "أوهام النخبة"· وبعد أكثر من عقد من الزمن، أن الفكر العربي الحديث كتلة من الأوهام، لا تفضي إلا الخيبة· مع ذلك، فإن الأمر بعيد عن هذا التبسيط المخل، الذي يطرد فكرة عربية قلقة بفكرة مستوردة لا تقل قلقا· بمعنى آخر: إذا كانت التحولات العربية والعالمية تجعل من النقد الموضوعي مدخلا أساسيا لتأمل الفكر العربي، فإن التأمل النقدي لا يرى في الفكر العربي خواء وصفرا مطلقا، لأن نقد الصفر ينتهي الى صفر آخر لا أكثر· ولهذا، فإن الحوار مع الفكر العربي، مهما كانت أوهامه وهزائمه، درب ضروري لبناء فكر عربي جديد محتمل· ولأن هذا الجديد يقع في دائرة الاحتمال، فإن الحوار معه يأخذ شكل الأسئلة المفتوحة، لا شكل الإجابات القاطعة·

والآن لندخل الى الموضوع الذي نحن بصدده·

موضوع النقاش هنا، أو عنوانه، لا يخلو من الالتباس لأنه يدعي الحديث عن تاريخ الفكر العربي كله، في الماضي والحاضر والمستقبل، وهو أمر مستحيل بالتأكيد، إلا لدى إنسان واهم وضعيف المحاكمة، لكن العنوان من ناحية ثانية، إيجابي، لأنه يسمح بإطلاق الأسئلة المتعددة أكثر مما يطالب بإجابات محددة وحصرية، الأمر الذي يجعله حوارا متعدد الوجوه وفي اتجاهات مختلفة·

وأولى النقاط التي يتعامل معها الموضوع هي: الماضي، والماضي كلمة يختلف تأويلها باختلاف الغاية التي يقصدها التأويل· فإذا كان المقصود بالماضي هو التعرف على حقبة زمنية قديمة، جاءت وذهبت واستقرت في زمن تلاشى، فإن على الباحث أن يذهب الى الماضي كي ينقب في الكتب عن المعلومات الدقيقة، وعن الأسباب التي أعطت ظواهر معينة في زمن معين وأملت تقوض وانهدام هذه الظواهر في زمن لاحق، وفي تصور كهذا يبدو الماضي زمنا مكتفيا بذاته ومعزولا عن الزمن الحاضر الذي يدرسه، كما لو كان الهدف تحصيل معرفة أكاديمية باردة، تحتفل بالمعرفة من أجل المعرفة لا أكثر·

غير أن كلمة "الآفاق"· التي يتضمنها الموضوع، توحي بشيء آخر، يفترض اتصالا، أو تواصلا، بين الحاضر والماضي، ويرى أن العودة الى الماضي لا تطلب لذاتها، بل من أجل حاضر يستعين بمعرفة الماضي كي يعرف وضعه كحاضر، أي كزمن مختلف عن الماضي· وفي حال كهذه، فإن السؤال الذي يطرح مباشرة هو التالي: إن كان الفكر يصل بين الحاضر والماضي، فهل المطلوب قراءة الحاضر من وجهة نظر الماضي، أم قلب المعادلة، أي قراءة الماضي من وجهة نظر الحاضر؟ لا شك أن على الفكر، إن أراد أن يكون تاريخيا، أن يأخذ بالجزء الثاني من السؤال، وأن يقوم، بالتالي، بقراءة الماضي من وجهة نظر الحاضر·

ومع أن الافتراض يبدو بديهيا، فإنه، رغم بداهته، يستند الى أمرين، يقول أولهما: يقرأ الفكر الماضي من وجهة نظر الحاضر بسبب تراكم المعرفة، الذي تم إنجازه في الفترة الفاصلة بين الزمنين· ففي هذه الفترة تطورت، أو ولدت، علوم متعددة تتضمن علم التاريخ وعلم اللغة والأنثربولوجيا وعلم النفس وطرق الإحصاء الرياضي··، أي تشكلت جملة معارف تسمح بقراءة للماضي تفوق وضوحا وموضوعية معرفة الماضي عن ذاته··· ولذلك فإن الوقائع التاريخية تبدو أكثر وضوحا بعد ابتعادها، لا بسبب الانفعال والأوهام، بل بسبب تجدد المعرفة الإنسانية المستمر· وبهذا المعنى، فإن ماضي الفكر العربي لا يتضح بالركون الى الموروث الكتابي العربي فقط، بل يفرض أيضا توسل المعارف الحديثة والمستجدة· وهذا ما يجعل الدعوة الى قراءة ماضي الفكر العربي دعوة الى الإقبال على المعارف الحديثة، قبل أن يكون تشبثا بالماضي الثقافي وتمسكا به·

غايات عملية

وإضافة الى المعارف المستجدة، التي تملي قراءة الماضي من وجهة نظر الحاضر، هناك وقائع عملية وأسباب حياتية مشخصة، وهنا يأتي الأمر الثاني الذي يمكن صياغته بالشكل التالي: تتحدد قراءة الماضي بالغايات العملية التي يقصدها الحاضر، كما لو كان الفكر القائم في الماضي يطلب كي يقوم بدور عملي في الإجابة عن أسئلة الحاضر· غير أن هذه النقطة لا تلبث أن تطرح أكثر من سؤال، مثل: هل الفكر العربي الماضي إيجابي كله، أم أنه يحتضن الإيجابي والسلبي والمظلم والمستنير؟ وهل يبقى هذا الفكر جزءا من الماضي حين يندرج في الحاضر ويعمل على تغييره؟ ألا تغيرو المستجدات الاجتماعية الفكر القديم المستقدم إليها؟ وما سمات الحاضر الأساسية الذي يود أن يخاطب الموروث العربي؟ لا تحمل العودة الى الماضي الكثير من المعنى إلا إذا وعت أن الموروث العربي لا يشكل كلا واحدا متجانسا، بل اتجاهات مختلفة، تحتاج الى النقد والتقويم والحوار، بشكل يؤدي الى استلهام الإيحابي والتخلي عما لا يستطيع إضاءة الحاضر ومساعدته في الحصول على إجابات موافقة· ولعله من باب المغالطة الكبيرة أن يوضع ابن سينا والشيرازي والغزالي وابن عربي وابن تيمية في إطار واحد، بحجة المرجع الإسلامي الذي يرجعون إليه· أكثر من ذلك، إن تقدم المعرفة، كما تغير السياق الاجتماعي، يدفع الباحث الى اتجاهات جديدة· وسواء قبلنا بالمناهج الغربية، أم قمنا برفضها، فإن في الحياة الفكرية الغربية ما يحمل إيحاءات كثيرة· فهذا الفكر الذي انتسب، غالبا، بفخار الى الثورة الفرنسية، كثورة أوروبية حداثية بامتياز، لم يتقاعس-  بحق أو من دونه - بتجريح هذه الثورة وهجائها - بمناسبة مرور قرنين عليها، مثلما أنه لم يخش، - وبالمناسبة ذاتها - أن يدافع عن ميراث العصور الوسطى المسيحية، بعد أن كان قد رأى فيها-  غالبا-  مرآة للاضطهاد ومحاربة المعارف والتقدم العلمي· وبالتأكيد، فليس المطلوب مجاراة الغرب في البحث النظري، وهو أمر لا يحمل الكثير من المعنى، على أية حال، بقدر ما أن المقصود التعامل مع الموروث الفكري العربي بأدوات نقدية، تبحث عما تقادم وانتهى· وتفتش عما لا يزال صالحا· غير أن البحث عن الصالح في الموروث الفكري يطرح، بدوره سؤالا جديدا هو: هل تحتفظ أفكار الماضي بطبيعتها حين تستقدم الى الحاضر وتندرج فيه؟ ألا تصبح جزءا من الحاضر رغم انتسابها الى الماضي؟ وهل يبقى الماضي ماضيا حين يشرح ويؤول بمفردات وبمفاهيم تنتمي الى الحاضر؟ لقد قرأ طه حسين الشعر الجاهلي معتمدا على فلسفة ديكارت، وقام بعض النقاد العرب، لاحقا بقراءة هذا الشعر بمعايير بنيوية، كما وضع المفكر الإسلامي السوري مصطفى السباعي، في نهاية الخمسينيات، كتابا بعنوان: "الاشتراكية والإسلام" ودرس المفكر اللبناني حسين مروة "التيارات المادية في الفلسفة الإسلامية"، واتكأ المفكر المغربي محمد عابد الجابري على المناهج البنيوية وهو يدرس "بنية الفكر العربي"··· وفي الحالات جميعها، فإن هذا الفكر، الذي تحاوره مفاهيم ومصطلحات حديثة، لا يظل ماضيا كما كان، بل يتحول الى جزء من ثقافة الحاضر، من دون أن يكون، بالضرورة، عنصرا إيجابيا فيها·

تسليف الحاضر وترهين الموروث

ينبغي التمييز، نظريا وعمليا، بين مفهومين مختلفين هما: تسليف الحاضر وترهين الموروث· فالأول منهما يستحضر الفكر الماضي الى الحاضر لاعتبارات أيديولوجية وذرائعية، من دون أن يتأمل احتياجات الحاضر العملية، ومن دون أن يلمس الفرق الشاسع بين الحاضر والماضي، كأن يطلب محمد عابد الجابري اشتقاق العلمانية من الإسلام، أو أن يطالب عادل حسين بعلم إسلامي جوهري متحرر من آثار العلوم الغربية في وجوهها كلها· وعلى الرغم من حرص الجابري على الخصوصية العربية وطموحه الى استقلال الذات الثقافية العربية، فإن اقتراحه لا دقة فيه، لأن لفكرة العلمانية إشكالا خاصا بها، صادرا عن السياق الغربي الذي ولدت فيه· فقد تولد سؤال العلمانية في سياق الصراع بين البرجوازية الأوروبية الصاعدة في القرن السابع عشر والكهنوت الكنسي المتحالف مع النظام الإقطاعي، بينما جاءت الحداثة العربية، في قضاياها المختلفة، في إطار الصراع بين القوى الوطنية العربية والقوى الأجنبية المعوقة لطموحه· ولا يختلف الأمر كثيرا لدى المفكر المصري الذي يتطلع الى استقلال شامل للشخصية الثقافية الإسلامية، يدفعه الى توليد العلوم جميعها من الخطاب الإسلامي، ناسيا أن علوما معينة تتسم بالكونية ولا تحتاج الى مرجع ديني· وفي مقابل تسليف الحاضر، أي جعله تابعا للماضي وخاضعا له، كما لو كان الماضي هو الزمن الحقيقي الوحيد، يقف مفهوم ترهين الموروث، الذي يفترض التعامل النقدي من ناحية، وإدراج الموروث، الذي تم نقده، في الحياة النظرية والعملية الحاضرة من ناحية ثانية· وعندها يتم تحويل الموروث الى لحظة راهنة وإلى جزء عضوي من الثقافة الحديثة المعيشة، وهو الأمر الذي سعى إليه الفكر العربي النهضوي في بداية هذا القرن، كحال الشيخ محمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي وأحمد أمين، بعد فترة لاحقة· وواقع الأمر، وبسبب التغيرات الفكرية والاجتماعية، فإن الماضي الفكري العربي يشكل قوة إيحائية وأخلاقية ملهمة أكثر مما يشكل مرجعا فكريا، بالمعنى المعرفي للكلمة، فمن الصعوبة بمكان اشتقاق العلوم الحديثة مثل علم الاجتماع وعلم النفس والنظريات الجمالية، ناهيك عن العلوم الطبيعية الدقيقة، من الموروث العربي، لا بسبب قصوره بل بسبب تبدل الأحوال والمعطيات، من دون أن يمنع ذلك تأمل الموروث والوقوف على دروسه· والمقصود بالقوة الإيحائية هو إعادة قراءة الحضارة الإسلامية التي شكلت رافدا أساسيا من روافد الحضارة الإنسانية، والتي حققت، ومنذ زمن طويل، صيغة: حوار الثقافات· فهذه الحضارة، التي اتخذت من الإسلام مرجعا لها، ترجمت الفكر اليوناني وحاورته وفتحت نوافذ متعددة على الحضارة الهندية والفارسية· وبسبب هذا البعد الحواري، أي البعد الإنساني القائم على الاعتراف بالآخر، استطاعت أن تلعب دورا محرضا في النهضة الأوروبية في بداياتها الأولى· في هذه الحدود، تبدو كلمة الماضي كلمة ساكنة، تقيم فاصلا بين الأزمنة، في حين تظهر كلمة التاريخ أكثر دقة، على اعتبار أن مفهوم التاريخ يدرس الأزمنة في تفاعلاتها المتبادلة· والتاريخ هذا، لا يصبح على ما هو عليه، إلا في علاقة القراءة المبدعة، التي تقرأ حاجات الحاضر، وتتكئ على هذه القراءة كي تقوم بقراءة الوقائع الماضية· وبهذا المعنى، فإن التاريخ لا يقوم في الأزمنة، حاضرة كانت أو ماضية، بل في الوعي التاريخي الذي يدرك الفرق بين قضايا الأزمنة الماضية والأزمنة الحديثة، ويعي أولا ما يستجد ويتبدل في الزمن الذي نعيش· أكثر من ذلك، إن وحدة العالم المتزايدة تفرض على الوعي العربي، إن أراد أن يكون تاريخيا، أن يعرف الفرق بين الأنا والآخر، سواء أكان هذا الآخر أوروبيا أو آسيويا· لذلك، فمن السذاجة بمكان، الحديث عن رؤيا عربية خالصة، أو عن فكر عربي نقي، لأن الفكر العربي لا يستطيع أن يخلق أسئلته إلا في إطار مجتمع إنساني عالمي تتقلص فيه الحدود، يوما بعد يوم·

رفض الانغلاق

ومع أن تعبير "الآخر" يبدو حديثا، فإن العودة الى التاريخ العربي، القديم منه والجديد، تظهر أن الفكر العربي لم يعرف الانغلاق أبدا، فلقد أفاد بقدر ما استفاد· ولعل العودة الى القاموس اللغوي العربي، تكشف عن مفردات أجنبية كثيرة، ذات أصول فارسية أو يونانية أو لاتينية· والاستفادة اللغوية، في زمن الصعود السياسي العربي، لا تعني التبعية الثقافية، أو الغزو الثقافي، بلغة اليوم، بقدر ما تعني انفتاح العقول الإنسانية على بعضها بحثا عن الحقيقة وسعيا وراء ما يسعف الإنسان على قضاء حاجاته· وبسبب ذلك، ينبغي التفريق بين التثاقف، أو الحوار الثقافي، وبين التبعية الثقافية· فبقدر ما يشير المصطلح الأول الى جهد نحو الارتقاء وتحصيل المعارف الجديدة، فإن المصطلح الثاني يومئ الى التقليد الأعمى والمحاكاة الشاردة· والأمر، في الحالين، يستدعي ما يمكن أن يدعى بـ: السلطة الثقافية، أي قوة تأثير ثقافة معينة على غيرها، وهي سلطة لا تنفصل عن سلطات أخرى متلاحمة معها، مثل السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية والسلطة المعرفية· ففي حال الضعف والتقوض تنتشر التبعية الثقافية وتشتد أسبابها، بينما يتطلب الحوار الثقافي الفعال سلطة فاعلة في المستويات الاجتماعية المتعددة·

ولعل موضوع "الآخر" يدفع الى إعادة قراءة الماضي العربي القريب، أي بدايات النهوض الفكري العربي، في منتصف القرن الماضي وبدايات هذا القرن· فقد استأنس المفكر المصري رفاعه الطهطاوي بفكر الفرنسي مونتيسكيو وقام بترجمته، وتأثر الشيخ محمد عبده بالفكر التطوري الإنكليزي المرتبط بدارون وسبنسر، مثلما نظر اللبناني أحمد فارس الشدياق الى الأفكار الإصلاحية الإنكليزية والفرنسية· كما أعجب الفلسطيني خليل السكاكيني بأفكار الألماني نيتشه··· بل إن الفكر القومي العربي نظر منبهرا الى أفكار هيرور وفيخته الألمانيين··· فضلا عن التأليف المسرحي والروائي، الذي لم يكن ممكنا من دون الانفتاح على الثقافة الأوروبية·

يتجدد الفكر، كما أشرنا، في علاقته الفعلية بالحاجات العملية للمجتمع العربي، أي بانطلاقة من الوقائع المشخصة لا من الأفكار المجردة· ولذلك فإن مفهومي الأصالة والحداثة يحتاجان الى الكثير من التحديد، قبل استعمالهما، طالما أن السؤال الجوهري يرتبط بالحاجة العملية لا بالهوية المجردة· فالإنسان العربي لا يدافع عن أصالته· إلا في مجتمع قوي يساوق التحولات العالمية ولا يلهث وراءها، ذلك أن الأصالة لا ترد الى اللغة والتقاليد والعقائد المتوارثة فقط، إنما ترد أولا الى الإبداع الاجتماعي والجماعي الذي يستطيع أن يدافع عنها· كما أن الحداثة لا تختصر بأي حال من الأحوال الى استيراد الكماليات وتقليد طرق الحياة التي يأخذ بها الآخر الأوروبي، إنما تتعين أولا بالاتقاء المدرسي والجامعي والعلمي والاقتصادي، الذي يحققه وينجزه المجتمع، ولهذا ينبغي التمييز بين التصور الزخرفي، أو الشكلي، للأصالة والتصور التاريخي لها· فهي في التصور الأول تحتضن الذهني والنفسي والروحي ولا تكترث بالاقتصادي والواقعي والمشخص، في حين أن التصور التاريخي للأصالة يشتقها من تطور المجتمع في مستوياته كلها·

الهوية العربية

يطرح موضوع الأصالة والحداثة موضوع الهوية العربية، التي تختلف دلالتها باختلاف الوعي الذي يتعامل معها· فالبعض يعتقد أن الهوية العربية منجزة وكاملة ومتحققة، لها لغة معينة ومرجع ديني واضح وتاريخ بين تنتمي إليه، أي أن لها من الصفات ما يميزها عن هوية أوروبية أو أمريكية أو يابانية· غير أن هوية كهذه هي هوية ساكنة وصامتة وغير قابلة للتقدم، لأن الكامل، وبسبب كماله، لا يتطور ولا يحتاج الى التطور· ولذلك فإن الاعتراف بالهوية العربية والتمسك بها والدفاع عنها يحتاج الى نظر آخر، يراها كهوية دينامية متطورة ومتغيرة· وهذا النظر، الذي يدافع فعليا عن الهوية العربية، لا يراها مفردة ومنعزلة عن غيرها، لأنه يقرأ الهويات الأخرى المغايرة قبل أن يقرأ هويته· وبفضل هذه القراءة، إن كانت صحيحة، فإنه يدرك نقاط القوة ونقاط الضعف في هويته، ويعمل من أجل تحصينها وترميمها، أي يتطلع الى هوية فاعلة لا تقل قوة ونفوذا في الهويات المعاصرة الأخرى·

والسؤال الذي يطرح مباشرة هنا هو: ما هوية الفكر العربي؟ والإجابة البسيطة ترد هذه الهوية الى اللغة أو الدين أو التاريخ، أو الى هذه العناصر مجتمعه· غير أنه يمكن رؤية الإجابة من زاوية أخرى، والقول: لا تتعرف هوية الفكر العربي بمراجعة الذاتية الخاصة به بل بفاعليته التاريخية في فتح أفق جديد للمجتمع العربي، أي بقدرته على شرح الواقع العربي اليوم، بعيدا عن الأوهام والأفكار الجاهزة· وإذا كانت الإجابة البسيطة تعين الفكر العربي بمجموعة من البديهيات المدرسية فإن الإجابة المفتوحة، أو القلقة، تضع هذا الفكر في إطار: التحدي والاستجابة، أي في إطار يجعله يواجه المشاكل ولا يهرب منها، كأن يسأل: ما شروط وإمكانات السلام في المجتمع العربي؟ ما العلاقة بين المجتمع والسلطة، ومتى تكون السلطة قادرة على الدفاع عن المجتمع وتحقيق هويته؟ ما العناصر الضرورية البحث عن مصطلح آخر أكثر واقعية؟ ما معنى الأمن القومي في عالم مضطرب ومتغير؟ ما العلاقة بين المناهج المدرسية والثورة المعلوماتية التي تكتسح العالم اليوم؟ هذه الأسئلة، وكثير غيرها، هي التي تحدد، في المستقبل، هوية الفكر العربي التاريخية، وتبرهن إن كان قادرا على مسايرة المتغيرات الدولية، أم أنه، كمجتمعه العربي، سيخرج من التاريخ، بلغة الاقتصادي المصري فوزي منصور· ولذلك فإن حديث الفكر القومي سابقا عن هوية عربية منجزة، كما فعل الأرسوزي وقسطنطين الزريق الشاب والحصري، ليس دقيقا تماما، شأنه كشأن الكثير من الكتابات الدينية اليوم، التي تفصل بين الهوية الإسلامية والهويات الثقافية الإنسانية الأخرى فصلا كاملا، وهو ما فعله أيضا مثقف تنويري هو أنور عبدالملك في كتابه "ريح الشرق"· حين أقام بين الشرق والغرب هوة سحيقة·

..المسار

وإذا كان كل الحديث عن الماضي لا معنى له إلا في علاقته بالحاضر المعيش اليوم، فإن على الفكر، الذي ينتسب الى هوية معينة، أو يفتش عنها، أن يسأل عن المسار الذي قطعه المجتمع العربي منذ بداية هذا القرن حتى اليوم، أي حتى نهاية هذا القرن الذي يتخلص، سريعا، من سنواته الأخيرة· ولعل الرجوع الى المشاريع الطموحة التي حلم بها الفكر العربي، قبل قرن من الزمن على الأقل، وتأمل المآل الذي انتهت إليه يفصح سريعا عن خيبة أمل واسعة، كما لو كان المجتمع العربي يتقهقر الى الوراء عوضا عن أن يتقدم· فقد حلم الفكر العربي، الممتد من الطهطاوي الى خالد محمد خالد، ومن ابن باديس الى عبدالرحمن الشهبندر، ومن أمين الريحاني الى جمال حمدان، بنهوض عربي في العلوم والثقافة والتعليم والتصنيع، إضافة الى سوق عربية اقتصادية مشتركة، فضلا عن الوحدة العربية وتحرير فلسطين··· غير أن الواقع المشخص وصل الى شيء آخر، وهذا يفرض أسئلة كثيرة منها: هل كان الفكر العربي واقعيا وهو يحلم بمجتمع عربي يساوق ويزامل المجتمع الأوروبي كما فعل طه حسين؟ وهل الوحدة العربية حلم طوباوي أم أن الواقع العربية، في اختلافاته وتمايزاته وتناقضاته، لا يسمح لها بالتحقق؟ ولماذا تدخل بعض المجتمعات العربية في أزمات مؤسفة وحزينة؟ إن هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة إن الفكر العربي كان خائبا كله، مثلما أنها لا تعني أنه كان على صواب دائما· وعلى هذا، فإن الحديث عن آفاق جديدة للفكر العربي يستلزم معاينة نزيهة لهذا الفكر في تاريخه القريب، من أجل التعرف على نقاط قوته، إن وجدت، وعلى نقاط هشاشته وضعفه· فقد دافع هذا الفكر عن التحرر الاجتماعي والتحرر الوطني والعدالة والمساواة وحق التعليم وتحرير المرأة والوحدة العربية··· إلا أنه وهو يفعل ذلك كان يعتقد أن التاريخ يتقدم بشكل مطرد ومتتابع، بل إن حركة التاريخ هي حركة تقدمه المستمر، مثلما اعتقد أن المعرفة لوحدها هي ضامن الحقيقة، من دون تأمل إشكالية السلطة والمجتمع والحصار الخارجي· وقوة المعرفة هذه، التي أخذت شكل الإيمان المطلق، دافع عنها خير الدين التونسي وطه حسين ورئيف خوري وشبلي شميل ومهدي عامل وغيرهم·

"من أراد أن يخاطب المستقبل فعليه أن يتعرف على الماضي"· قول مأثور، ينطبق على جميع المجتمعات بقدر ما ينطبق على المجتمع والفكر العربيين، وبالتأكيد، فإن الإجابة لن تكون صحيحة، إذا رأت في الماضي القريب خيرا كاملا أو شرا كاملا· فإذا كان الماضي شرا كله، فإن المستقبل يغدو مستحيلا، لأنه لا يمكن لأي مشروع أن يبدأ من صفر مطلق· أما إذا كان الماضي خيرا كله، فمعنى ذلك أنه انتصر وأنه منتصر ولا ضرورة، بالتالي، لنقده أو تغييره، وهو قول فاسد يفضي الى لا شيء·

العولمة

ومن أجل منظور أكثر وضوحا، يضيء لنا المستقبل الذي نبحث عنه، يمكن العودة الى تاريخ آخر، تقدم وتطور حتى أصبح مسيطرا على المستوى العالمي، وهذا التاريخ هو التاريخ الأوروبي، فقد بدأ هذا التاريخ بالثورة البرجوازية، وتابع تقدمه الى أن وصل الى طور جديد، يدعى باللغة المسيطرة الآن بـ: العولمة، التي يحتفل بها البعض الى درجة التصفيق، ويهرب منها بعض آخر كما لو كان وباء، مع العلم أن الأمر الحقيقي لا علاقة له بالتصفيق ولا بالهرب ووضع الرأس في الرمال· إن العولمة طور موضوعي من أطوار التقدم الرأسمالي، الذي ولد منذ خمسة قرون تقريبا، فقد بدأ هذا التقدم بالثورة العلمية التي فتحت آفاقا جديدة في العلوم المختلفة· وما ساعد في هذا التقدم صعود برجوازية أوروبية مبدعة حولت نتائج العلم الى قوة منتجة، مازجة، في ذلك، بين الثورة العلمية والثورة الصناعية· بل إن تحويل العلم الى قوة منتجة، أي تطبيقه في صناعات مختلفة واستثماره المستمر في الصناعة، ساعد في تقدمه وفي تطور الصناعة في آن· وهذا التفاعل المستمر بين العلم والصناعة أفضى بدوره الى ثورة لاحقة، هي التي عرفت، بعد الحرب العالمية الثانية، باسم الثورة العلمية - التقنية، التي لعبت دورا فاعلا في التقدم العسكري وغزو الفضاء·· وعن هذه الثورات مجتمعة، الثورة العلمية والثورة التقنية - العلمية، المشروطتين بالثورة الصناعية، صدرت الثورة المعلوماتية الراهنة، التي هي عنصر مسيطر في ظهور العولمة الجديدة·

في هذه الحدود، فإن العولمة واقع موضوعي له شروطه وأسبابه التي أدت إليه، شروط تتميز بتراكم المعرفة العلمية وأسباب قوامها السلطة الاقتصادية والصناعية· ومع أن العولمة تحيل على السياسية، كأن يتم الحديث عن سياسة أحادية القطب، أو عن صعود الشمال وتهميش الجنوب، فإنه لا يمكن تحديد معنى العولمة استنادا على العنصر السياسي، ذلك أنها مرتبطة بنهوض شامل عمره قرون عدة· وبسبب ذلك يجب التمييز بين امتلاك السلطة المعلوماتية واستيراد الأدوات والأجهزة العلمية· فكما أن البعض يعتقد أن العولمة مؤامرة شريرة، فإن بعضا آخر يعتقد أن شراء الآلات الحاسبة برهان على الدخول في عصر العولمة· وواقع الأمر أن شراء الآلات، معقدة كانت أو بسيطة، يدخل في التجارة أكثر مما يدخل في الإبداع العلمي، لأن الأخير يحتاج، كي يتحقق، الى عناصر كثيرة، يتضافر فيها التقدم العلمي والتقدم الصناعي والاستعداد التقني، الذي يحيل على المعاهد والمؤسسات العلمية· وبالتأكيد، فإن هناك تفاعلا وتبادلا في المعلومات والإنجازات الإنسانية، من دون أن ينفي ذلك أن الكتاب العلمي يحتاج الى عقل علمي كي يقرأه ويحسن التعامل معه، بقدر ما يحتاج الى مدارس تأخذ بالمناهج العلمية، وتقيم علاقة وطيدة بين المنهج المدرسي واحتياجات الحياة، وبين التقدم العلمي والحقل الاقتصادي· ومثلما ينبغي التمييز بين امتلاك السلطة المعلوماتية وشراء الأجهزة العلمية، ينبغي أيضا إدراك المسافة بين رفض العولمة والرد عليها· فإذا كان الرفض هذا أمرا لا معنى له، لأن العولمة قائمة وموضوعية في وجودها، فإن المطلوب هو البحث عن السبل التي تدفع بالفكر العربي الى اللحاق بها، أو احتواء آثارها السلبية، أو المشاركة الإيجابية فيها· إن كان ذلك ممكنا، كما يعتقد البعض··· السؤال الذي يطرح هنا هو: لماذا لم ينجز الفكر العربي الحديث ثوراته العلمية؟ وهل الماضي الأوروبي هو المستقبل الفكري العربي؟ وهل يستطيع هذا الفكر أن يلحق بفكر "الآخر"، أم أن عليه أن يختار طريقا خاصا به من دون أن يرى في "الآخر" نموذجا ومثالا؟

وواقع الأمر أنه لا يمكن التنبؤ بشيء كثير، وبخاصة إذا رجعنا الى الأسئلة الفكرية الأساسية التي كان يدور حولها الفكر العربي قبل قرن من الزمن، والتي لا يزال يحاورها حتى الآن· فقبل مائة عام، وفي مثل هذه الأيام، كان الفكر العربي يتأمل الموضوعات التالية: العلم والإيمان، وموقف الإسلام من العلم العربي، هوية عربية أم هوية إسلامية، نظام سياسي يماثل الغرب أم نظام سياسي منبثق من التقاليد، الرجوع الى التراث أم الانطلاق من التراث، مواجهة الغرب بالهوية الدينية أم بالمعرفة الحديثة···؟ إن هذه الأسئلة التي طرحها الأفغاني والكواكبي ورشيد رضا ومحمد حسين هيكل وحسن البنا لا تزال قائمة ومستمرة، كما لو كان الفكر العربي غالبا يتقهقر عوضا عن أن يتقدم، أو كما لو كان المجتمع يدفع الفكر الى التقهقر قبل أن يتقدم· ولذلك ظل الفكر العربي يراوح في مكانه مشدودا الى زمنين أساسيين لا يساعدانه على الحركة الطليقة· فهو إما مشدود الى الماضي، حالما بمحاكاته واستعادته، وهو أمر مستحيل لأن التاريخ في حركة مستمرة ومتغيرة، أو أنه مشدود الى النموذج الأوروبي، متطلعا الى تقليده والأخذ بمعاييره، وهو أمر مستحيل أيضا، لأن الفكر الأوروبي اشتق أسئلته وإجاباته· من واقعه التاريخي الخاص به· وفي هذا الانجذاب الى اتجاهين متعارضين، يظل الواقع العربي القائم مغيبا، أو مهمشا، مع العلم أن إنتاج المعرفة لا يتحقق إلا انطلاقا من الأسئلة القائمة التي يعيشها الإنسان بشكل يومي· ولهذا، فإن التاريخ الحقيقي، من وجهة نظر المعرفة العلمية، هو الحاضر، الذي يتكثف فيه الماضي ويتخلق فيه المستقبل·

التمحور

إن التمحور حول الزمن الراهن هو الذي يفتح للفكر العربي آفاقا جديدة، وخصوصا حين يسائل الفكر القضايا المشخصة ويحاور الأسئلة المحددة· فالماضي العربي الإسلامي، كما أشرنا، هو قوة إيحائية ومعنوية وأخلاقية لا أكثر، أما الحاضر الأوروبي فهو حاضر مختلف ومغاير للحاضر العربي الذي نعيش· ولعل الوقوف أمام هذا الحاضر العربي، في أسئلته الاقتصادية والسياسية والثقافية، هو الذي يحدد مستقبل الفكر والمجتمع العربيين، إما باتجاه التقدم والارتقاء، أو في اتجاه "الخروج من التاريخ"· لأن إعادة الاعتبار الى التاريخ تستلزم اعتبار الزمن الحاضر زمنا أساسيا، يستند إليه الفكر العربي وهو يقرأ ماضيه القريب والبعيد· ويعتمد عليه أيضا وهو ينظر الى "الآخر" الذي أنجز ثورات علمية ومعرفية وصناعية متعددة، قبل أن يصل الى أرض جديدة، عنوانها: العولمة الجديدة· إن الزمن التاريخي الحقيقي هو الحاضر، الذي إن كان مبدعا، احتضن كل طاقة الماضي المبدعة، وارتكن الى هذا الإبداع المزدوج للتوجه الى المستقبل· فليس المستقبل أكثر من الأدوات والإمكانات والجهود التي نصرفها ونحن ذاهبون الى أبوابه المحتملة·

 

*

طباعة