بعدما أقضت الأزمة المالية مضجع الكرملين منذ سنوات، أعلن فلادلين سيروتكين أن الحل يكمن تحت أقبية البنك المركزي البريطاني·
سيروتكين هو أكبر خبير في مصير "ذهب القياصرة" الذي تقدر قيمته بمليارات الجنيهات الاسترلينية· وكان القيصر نيكولاي الثاني أرسل له سبائك ليشتري بها سلاحا في الحرب العالمية الأولى· وقد حاول سيروتكين بلا جدوى أن يقنع الحكومات الروسية المتعاقبة بإعلان حقها في التعويض· وهو يقول إنه لم يظهر اهتمام به إلا عندما جاءت حكومة يفغيني بريماكوف الأخيرة·
والآن يلتقي الرجلان حتى يناقشا كيفية استرداد الذهب الروسي الذي تؤكد موسكو أنها لم تسترجعه قط· ومن المقرر أن يلتقيا في الشهر المقبل، أما سيروتكين فيحضر لطرح القضية في مجلس الأمن القومي الروسي في محاولة للحصول على تأييد الوزراء· واستنادا الى بعض التقديرات الروسية، تستطيع موسكو استرجاع 45 طنا ذهبا و50 مليار دولار من بريطانيا ويمكن روسيا أن ترفع قضايا مماثلة لدى الولايات المتحدة وفرنسا واليابان·
ليس الذهب هو الثروة الوحيدة التي تسعى موسكو لاسترجاعها· فمجلس الدوما (النواب) الذي يسيطر عليه الشيوعيون شكل لجنة غايتها تقصي مصير الأرصدة القيصرية والسوفييتية والملكيات الأخرى التي ضاعت في الخارج· ومن المقرر أن يصادق النواب على برنامجهم في الشهر المقبل حتى ينال توقيع الرئيس المريض بوريس يلتسين·
استنادا الى النائب الشيوعي ليونيد كانا ييف وهو عضو اللجنة، تستطيع روسيا أن ترفع دعاوى مطالبة بنحو ثلاث آلاف ملكية في الخارج، بما فيها ملكية عقارية في "هولاندبارك" في لندن وملكية أخرى في منطقة هايغيث· وتنوي اللجنة النظر في كل دعوى على حدة حتى تحدد الحق الروسي في المطالبة·
ويقول النائب فلاديمير ليسيشكين عضو اللجنة اليميني إن "كثيرا من هذه الملكيات هي لنا· ونحن نحتاج الى صوغ قائمة لجميع ملكياتنا حتى نحصل على تعويض يغطي ديوننا الخارجية وعجز الميزانية· فقد دفعنا ثمنا كبيرا لإصلاح السوق· وقد حان الوقت لكي نحصل على المقابل"·
ويردد سيروتكين الحجة نفسها فيقول: "القضية بسيطة جدا· لقد فقدنا ثروة في الخارج وحان الوقت لنطالب بها· فالذهب هو ملكنا والعقارات من أملاكنا"· ويضيف إن روسيا مدينة الآن بنحو 100 مليار دولار استنادا الى بعض التقديرات والثروة (الضائعة) تقدر بـ400 مليار دولار مع الفوائد· ولهذا السبب حازت القضية اهتماما"·
ليس هناك غير قلة من الناس تشكك في أن روسيا القيصرية أرسلت ذهبا تقدر قيمته بأربعة مليارات دولار الى بريطانيا بين عامي 1914 و1917· فقد كانت روسيا تحتوي أكبر مخزون ذهبي عند اندلاع الحرب العالمية الأولى عندما تطلع القيصر الى بريطانيا ليشتري السلاح منها·
في سلسلة من الصفقات السرية والمعقدة اتفق البنك المركزي البريطاني وبنك "بيرينغز" (البريطاني) وروسيا على نقل شحنات عدة من الذهب الروسي الى بريطانيا باعتبارها اعتمادات لشراء السلاح· وانطلقت الشحنة الأولى من ميناء ارخا نغلسك في القطب الشمالي في أكتوبر من عام 1914 بعد شهرين فقط من اندلاع الحرب· فتحت جنح الظلام نقل البحارة 900 صندوق سبائك ذهبية الى السفينتين البريطانيتين الحربيتين "اتش· إم· إس دريك" واتش· إم· إس مونتويس"·
وبعد تعرضهما لنيران الألمان الذين عرفوا عن الشحنتين وحاولوا إغراقهما بإرسال غواصات، استطاعت السفينتان بلوغ مرفأ ومنه نقلت كمية الذهب تحت حراسة مسلحة الى أقبية بنك انكلترا المركزي· وأعقبتهما شحنات أخرى عبر ميناء فلاديفوستوك في الشرق الأقصى الروسي نحو كندا لتفادي الهجمات الألمانية·
ثم أرسلت شحنات الأسلحة الى روسيا، لكن سيروتكين يؤكد ان قيمتها لا تعادل سوى أقل من نصف قيمة الذهب، وأن ذلك كان نتيجة الفوضى التي أحدثتها الثورة الروسية· وبحلول عام 1921 كان القيصر قد مات وضاعت احتياطات الذهب الروسية·
استنادا الى الحسابات الروسية، يكون البنك المركزي البريطاني مدينا لموسكو بـ2,5 مليار دولار وفوقها فوائد لمدة ثمانين سنة أي ما يعادل 50 مليار دولار·
وفوق ذلك، يعتقد بعض الخبراء الروس أن موسكو أضاعت بسبب الخداع 90 طنا ذهبا أمر زعيم الثورة الروسية لينين بتسليمها الى الألمان بناء على معاهدة بريست - ليتونسك بين ألمانيا وروسيا· وبرغم إبطال المعاهدة في مؤتمر فرساي (فرنسا) لم يعد الذهب الروسي قط الى موسكو ويقال إنه أرسل الى فرنسا وبريطانيا، غير أن إثبات حق روسيا في التعويض زاخر بالتعقيدات القانونية·
ففي الفترة الأخيرة أكد ناطق باسم البنك المركزي البريطاني أن هذا البنك "لا يحتفظ بأي سبيكة ذهبية روسية ترقى الى ما قبل العام 1924· ونحن لا نكشف أي تفاصيل عن عملائنا· لكن إذا لزم الأمر لا تكون القضية متصلة بالبنك إنما بالحكومة لأن الاتفاقات الأولية صاغتها الحكومتان الروسية والبريطانية"·
ويقول وليام كلارك مؤلف كتاب "ثروة القياصرة الضائعة" إن ملاحقة الشحنات الذهبية أسهل من ملاحقات الديون المتصلة بها التي تراكمت على الروس بفعل شراء الذخائر وقت الحرب· إنها قضية شديدة التعقيد زاخرة بسوء الفهم، ولكن الاستنتاج العام أن الروس لن يقدموا مطالبة معقولة·
(صنداي تايمز)