رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 - 12 محرم 1420هـ 21-22 ابريل 1999
العدد 1373

كارثة طائرة "العال" في هولندا أغضبت أهم حلفاء إسرائيل في القارة الأوروبية

بعد ست سنوات من سقوط طائرة شحن إسرائيلية فوق مجمع سكني لذوي الدخل المتدني في امستردام لتقتل 43 شخصا وتجرح العشرات، ما زالت شظايا الكارثة تتساقط على الحكومة الهولندية وعلاقاتها التاريخية الوثيقة مع إسرائيل·

فقد أدت الأجوبة الإسرائيلية الناقصة أو غير المرضية عن حمولة طائرة "العال" والتهرب والتزوير الهولندي في الوثائق الى استجواب برلماني في امستردام· وقد انتهى ذلك مؤخرا بانفجار غضب هولندي غير مسبوق على الدولة العبرية·

فقد عبر رئيس الوزراء فيم كوك الذي تولى السلطة بعد سنتين من الكارثة وسلفه رود لوبرز عن غضبهما مما يسميه الهولنديون لامبالاة من الحكومة الإسرائيلية و"العال" في حين كانت السلطات الهولندية تسعى الى معلومات عن محتويات "البوينغ 747" عندما حاولت الهبوط في مطار شيبهول الدولي في طريقها من نيويورك الى تل أبيب·

ما زاد خوف الهولنديين أن الحكومة الإسرائيلية لم تقدم الأدلة الرئيسة إلا في الشهر قبل الماضي بعدما زعمت طويلا أنها لا تستطيع العثور عليها، بما في ذلك أدلة عن جزء من الشحنة قدره عشرون طنا لم تقدم شهادة عنها· وعن ذلك قال لوبرز أمام البرلمان: "حتى أعبر بلطف أقول إنني لست مسرورا لعدم القدرة على الحصول على معلومات جوهرية عبر العلاقات العادية بين دولتين، فكيف يمكن أن يحدث ذلك في ضوء العلاقات المفترض أنها مميزة بين هولندا وإسرائيل؟"·

وأضاف لوبرز الذي ترك العمل السياسي فصار أكثر قدرة على التعبير: "أنا غاضب من السلطات الإسرائيلية، ومصاب بخيبة شديدة· وأنا أقول ذلك بصفتي صديقا لإسرائيل، فليس من المناسب أن يمتنعوا عن مصارحتنا"·

ويمتد اللوم الهولندي للسرية الإسرائيلية الى اللحظات التي سبقت وقوع الكارثة في أكتوبر من عام 1992· فقد اشتكى التقرير الرسمي عن الكارثة من أن "طاقم الطائرة لم يعط غير معلومات متفرقة عن مشكلاته ونواياه· فبعد ست دقائق من الإقلاع أبلغ الطيار (برج المراقبة) مخاوفه الأولى·· فقد خسرت الطائرة أحد المحركات الأربعة ثم خسرت الثاني·· وبعد ثماني دقائق اصطدمت ببناية من 11 طابقا عندما حاولت الهبوط ثانية في مطار شيبهول·

ثم صارت الشكوى من التجاهل والانكار الإسرائيليين شيئا عاديا مع مواصلة التحقيق· وأفاد رئيسا الوزراء السابقين وعشرات الوزراء والمسؤولين الكبار الآخرين أنهم لم يعرفوا شيئا من الشكاوى المرفوعة وقت إجراء التحقيق وقد شاركت فيه ثماني وزارات هولندية من دون أي تنسيق بينها·

هذه الفضيحة كانت امتحانا لإيمان العامة بالسياسات شبه الاجماعية في هولندا، وكانت هناك خسائر في التحالف الحكومي الذي أرسى قوته على النمر الاقتصادي غير المسبوق والاستقرار منذ عام 1994 في هذه البلاد التي تؤوي 17 مليونا· فوقت حدوث الكارثة كان نائبا رئيس الوزراء إلس بورست وآن ماري جوريتسما يتوليان منصبين رفيعين وكان كوك وزيرا للمال في ذلك الوقت· أما وقائع التحقيق فيمكن أن تحمل المسؤولية عن سوء التعامل الحكومي مع القضية الى السيدة بورست والسيدة جوريتما لإجبارهما على الاستقالة· ويقول محللون في امستردام إن التحقيق قد يطيح دعامتين أساسيتين في تحالف كوك وحكومته اللذين يتعرضان لضغوط قوية وأن الجميع ربما يسقطون معا·

هكذا حلت البرودة في العلاقات الهولندية الإسرائيلية مكان التعاون الوثيق الذي كان عقب الحرب العالمية الثانية· فهذا التعاون كانت تعبر عنه مكانة "العال" المميزة في مطار شيبهول وهو أحد المطارات الأكثر ازدحاما في أوروبا· وعن ذلك قال لوبرز في الاستجواب: "كان الجميع يعرف أن العال شركة مميزة، لكن ذلك لم يثبت في الوثائق"·

منذ أن صار هذا المطار محطة لإعادة التزود بالوقود أثناء الجسر الجوي الأمريكي الى إسرائيل في حرب عام 1973 مع العرب، اتخذت منه "العال" عشا آمنا في أوروبا· ففيه تتوقف نحو ألف رسالة شحن سنوية للشركة، ناقلة 90 ألف طن وفوقها نحو 300 رحلة تجارية للركاب· فالعال كانت تستخدم تحت اسمها نفسه أو تحت اسم الخدمات الأرضية الهولندية 180 شخصا بمن فيهم ملحقون أمنيون في مكاتب المطار وحظائره·

وقد تركت تقارير حديثة انطباعا مفاده أن الإسرائيليين يتمتعون بما يشبه حصانة من الإجراءات العادية ومن تواطؤ بين السلطات الهولندية وضيوف العال المميزين· فالمحققون لم يعثروا على مسجل قمرة القيادة في الطائرة ومسجل الرحلة ضاع من مكان الكارثة أو سرقه أحدهم· ويعتقد المحققون الصحافيون من دون أن يستطيعوا الإثبات أن الجهاز الأمني الإسرائيلي الذي وصل الى المكان بعد دقائق من وقوع الكارثة هو الذي نقل مسجل الأصوات·

ويتساءل هؤلاء أيضا عن مضمون محادثات طياري "العال" مع رؤساء الشركة أثناء فواصل في محادثات طاقم الطائرة قبل وقوع الكارثة، ويريدون معرفة سبب إرسال طائرات إسرائيلية الى هولندا بعد يوم من الحادثة لنقل حمولات غير معروفة·

وأكدت الوثائق التي تلقتها لجنة التحقيق البرلمانية في السنة الماضية أن الطائرة لم تكن تحمل أجهزة الكترونية وزهورا وعطورا فقط كما ادعت الشرطة إنما مواد كيميائية تدخل في صنع غاز السارين السام الذي يدمر الأعصاب· وكانت الغاية من استيرادها أن تستعمل في معهد للبحوث البيولوجية في إسرائيل· وتقول "العال" إن الغاية من هذه المواد هي اختبار أقنعة الغاز فقط·

واكتشفت اللجنة البرلمانية أن الطائرة كانت تحمل أيضا 250 كيلوغراما من اليورانيوم المستنفد الذي يستعمل في صنع جنيحات التوازن في ذيل الطائرة القديمة·

وبرغم أن أكثر من ألف شخص في ضاحية بيلمر ينسبون أغراضهم الصحية الى الكارثة فإن المستشفى لم يستطع إثبات الصلة·

واستنادا الى الوكالة الفيدرالية الأمريكية للطيران لا تعتبر مادة "دي· إم· إم· بي" التي تدخل في تكوين غاز السارين سامة إلا إذا ابتلعها الإنسان· أما اليورانيوم المستنفد فيطلق إشعاعات "ألفا" المنخفضة وهو لا يعتبر خطيرا إلا إذا تجرعه الإنسان، لكنه يمكن أن يكون ساما إذا احترق في نار عالية الحرارة· وبرغم استعادة نصف كمية اليورانيوم، ليس معروفا ما حصل للنصف الثاني·

وقد توصلت شركة تأمين "العال" الى تسوية مع ضحايا الكارثة لكنها ما زالت تخوض دعوى قضائية مع سكان الضاحية وجلهم من المهاجرين·

(انترناشونال هيرالدتريبيون)

طباعة  

روسيا الغارقة في الإفلاس والديون تسعى لاستعادة ثروات القياصرة
 
صدام أضعف من أن يسقط طائرة وإذا فعل سيحتفل بـ "انتصار"