رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 - 12 محرم 1420هـ 21-22 ابريل 1999
العدد 1373

شخصية الملك حسين(2-2)

·         ضرورات الفهم.. قبل الحكم ولكن إلى أي مدى؟!

·         جميع الأطراف عليهم أن يفهموا ـ بالحدس أو بالعلم ـ أن الأردن طرف في ترتيب إقليمي يضم أربع دول هي الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ـ وتركيا والأردن ـ وهذا الترتيب هو المدير المقيم للأمن في المنطقة ـ وكل من عداهم ساعد أو شارك وفق مواقع  الأزمات ـ ولذلك فإن دور الملك حسين هو أهم الأدوار العربية في هذا الترتيب

·         طبقا لمعلومات أولية، فإن هناك سيناريو تجرى كتابته الآن لمستقبل الشرق الأوسط في مطلع القرن الحادي والعشرين، وهذا السيناريو نوقش مرة أخرى في واشنطن ولندن في الأسابيع الأخيرة من حياة الملك حسين

·         كان الصبي الهاشمي الذي أصبح ملكا على الأردن، بعد مشاهد درامية متلاحقة بينها شقاء والدته، ومصرع جده، والحجر بالجنون على أبيه، وتزيد عليه ضغوط المشكلة والمأساة في تاريخ  الهاشميين، ويتضخم شعوره بالحق الضائع وتزداد معه عقده الاستشهاد

 

محمد حسنين هيكل

يكتب:

نظرا لأهمية محتوى هذا الموضوع / الكتاب من حيث كشفه لجوانب مهمة من حياة الملك حسين، فإن الطليعة تنشره رغبة منها في إفادة قرائها· وننوه بأن الموضوع هو عبارة عن عرض وقراءة الصحفي المصري محمد حسنين هيكل لكتاب: الملك حسين: حياة على الحافة KingHussein: Alife on the Edge من تأليف: رولاند دالاس - 1998 وقراءة هيكل منشورة في مجلة الكتب "وجهات نظر" العدد الثالث أبريل 1999 - القاهرة·

 

لجغرافيا ظل الله على الأرض" و"التاريخ ظل الإنسان علي الطبيعة" وبين الاثنين يدير كل إنسان تجربته ـ أو يحاول ـ في مناخ عصر بذاته، وهنا يحين موضع الحديث عن دور العصر وحكمه في صنع شخصية الملك·

إن طفولة الملك "حسين" لم تكن سعيدة ولم يكن السبب هو الفقر الذي اضطر أمه إلى بيع دراجته كي يصرفوا من ثمنها ـ كما روى الملك في مذكراته ـ والحقيقة أن  تلك الرواية تَزَيُّد ! ذلك أن الهاشميين في عَمَّان لم يكونوا في ذلك الوقت ضمن الأغنياء، لكنهم على وجه القطع لم يكونوا من الفقراء، وكان لدى الأمير "طلال" ولي العهد الأردني ما يكفيه ليعيش مع أولاده من دون أن يضطروا إلى "بيع دراجة" مستعملة لايزيد ثمنها في ذلك الوقت عن دينارين أو ثلاثة·

لكن التعاسة في حياة أسرة  ولي العهد "الأمير طلال" أن علاقته بوالده الملك "عبد الله" كانت سيئة لخلافات شملت كل شيء تقريبا: من المشاكل المادية، إلى صحبة الناس إلى آراء بدت للملك العجوز طائشة، إلي سلوك كان غالبا موضع انتقاده·

وفي الوقت ذاته فإن علاقة ولي العهد "الأمير طلال" بزوجته الأميرة "زين" لم تكن على ما يرام لأن زوجها هجرها إلى فتاة إيطالية اسمها "فلافيا" كان أبوها طبيبا جاء من بلاده إلى عَمَّان يفتح مستشفى صغيرا وجد دخله منه أفضل بكثير مما كان يستطيع الحصول عليه لو بقى في بلاده·

وكان الصبي الهاشمي الذي أصبح ملكا على الأردن بعد مشاهد درامية متلاحقة بينها شقاء والدته، ومصرع جده، والحجر بالجنون على أبيه ـ يرى هذا كله من حوله ويختزن في نفسه ويجتر، وتتراءى له مشاهد من الماضي البعيد ومن الماضي القريب، وتزيد عليه ضغوط المشكلة والمأساة في تاريخ الهاشميين ويتضم شعوره بالحق الضائع وبالتوازي معه تزداد عقدة الاستشهاد·

ثم إن الملك الصبي  كان يتأمل أوضاع بلده ويشعر حتى من دون أن يدرك ـ أن الدواعي التي تشعره بعقدة الاضطهاد ليست تاريخية، وإنما هي سياسة أيضا· فمملكته محشورة بين من هم أقوى منها، ونصف شعبه وهو من فلسطين ناقم  على أسرته إلى درجة القتل وموارد بلده منحة من القوى الكبرى التي رسمت حدوده وأقامت عرشه وانفردت بالنفوذ في عاصمته، ومن حوله مجموعة دول عربية كلها تسيء الظن في أسرته لسبب او آخر "السعوديون بعداء قديم مع الهاشميين، وسورية باعتقاد أن  الأردن جزء سلخ من جنوبها، ومصر من تجربة حرب فلسطين"·

ثم إن كونه وافدا إلى العرش الأردني شابا جديدا لم يكن كافيا ليغفر له إلا إذا تحرك على هوى الآخرين بسرعة يعرف هو قبل غيره أنه ليس قادرا عليها بطبيعة الظروف، خصوصا وقد كان الجميع "كل العرب" أمام قوة إقليمية لديها مطامع تتخطى ماحصلت عليه من أرض، وقد هضمت ما ابتلعت، وهي الآن شهية مفتوحة لالتهام الضفة الغربية من مملكته، وإذا استطاعت فإنها جاهزة أن تمد يدها إلى الشرق وفي خططها أن تقترب أكثر من منابع النفط في العراق والخليج وأن تدخل بالقوة والقسر ـ طرفا رئيسا في موارد المنطقة الاقتصادية والاستراتيجية·

وكان الملك "حسين" وتلك نصائح جده ـ أن يوفر لنفسه من الحذر ما يجعله ولو بالغريزة ـ قبل الحكمة ـ يرسم لنفسه سياسات تضمن كل متطلبات السلامة والنجاة ـ كذلك تحددت خطوط سياسته:

1 ـ عليه أن يتمسك بعلاقته بالقوة العظمى  المهيمنة على بلاده وفي المنطقة·

2 ـ ومع أن عرف أن جده حين قتل كان يتفاوض على صلح منفرد مع اسرائيل، فإن الظروف تفرض عليه أن يتمهل ولا يتوقف تماما مع اسرائيل، وأن ينتظر الظروف وفي الوقت نفسه لا يتخطى الحدود ولا حتى بالهمس أو باللمس!

3 ـ وعليه أن يجد لنفسه قدر الإمكان أصدقاء من العرب ـ لأن لديه بالفعل بينهم من الأعداء كفاية·

4 ـ وهو مطالب في ذلك كله بأن يعطي نفسه مرونة في الحركة، فهو لايستطيع بسبب تعارض الضغوط أن يسير في أي طريق إلى نهايته·

5 ـ وخلال ذلك كله فليس أمامه إلا أن يخفي مشاعره وعواطفه وأن يكتم نواياه وسياساته، وأن يتمسك بأعصابه وأحيانا على حساب كرامته الشخصية، وأن يواجه كل الناس وكل الأحداث بابتسامة عريضة ـ لأنه ببساطة لايملك ترف الغضب ـ على الأقل إظهار الغضب!

وبعد سنة على العرش ـ 1952 ـ كان الملك ـ فيما بدا أمامه ـ يواجه مالا طاقة له به:

أولا ـ حدث تغيير كبير في موازين القوة في الشرق الأوسط، وأخذت الإمبراطورية البريطانية تتراجع وتترك موقع السيطرة في المنطقة للإمبراطورية الأمريكية الصاعدة إلى قيادة الغرب بسرعة الصاروخ·

ثانياـ ثم إن هذه القوة الإمبراطورية الأمريكية تريد قيادة العالم وليس قيادة الغرب وحده، ولهذا فقد دخلت إلى صراع عنيف عقائدي وسياسي وعسكري "إلى حد ما" مع القوة الأخرى التي خرجت منتصرة معها في الحرب العالمية الثانية وهي الاتحاد السوفيتي·

ثالثا: وفي إطار الصراع بين الكبار "الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي" فإن الولايات المتحدة تطرح على المنطقة حلفا عسكريا تحت قيادتها ـ وبالفعل فقد تحمس له الفرع الهاشمي في بغداد، وعليه هو الآن في عَمَّان أن يختار· وفي الواقع فلم يكن حق الاختيار الحر مطروحا عليه، وإنما كان مطلوبا منه أن يسارع ويلتحق·

رابعا: لكن هناك تيارات في المنطقة تقاوم المخطط الأمريكي الجديد وتخشى منه أكثر من الاستعمار البريطاني العجوز، وكان بين هذه التيارات حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية ـ والتيار السلفي الديني تمثله حركة الإخوان المسلمين ـ ثم وبطبيعة الأحوال كل الأحزاب الشيوعية التي نشطت تحت الأرض ـ وفوقها بقدر ما سمحت لها الظروف ـ في عواصم العالم العربي بلا استثناء تقريبا·

خامسا: وبالتحديد والتخصيص فقد كانت مصر في عهد الملك فاروق ووقت وزارة الوفد الأخيرة "1950 ـ 1951" تعارض هذه المخططات، وكانت المملكة العربية السعودية إلى جانب مصر، وكانت ا لأسباب عديدة اختلط فيها الوطني بالعائلي والشعبي بالقبلي، إلى آخره·

سادسا: وكانت إسرائيل مع فكرة هذا الحلف العسكري طالما أنه سوف يدخلها ـ بطبيعة الحال ـ في شراكة مع العالم العربي تفرض بالضرورة قبول أوطانه بالصلح معها على أساس الأمر الواقع ـ فإذا تحقق ذلك ، فإن اسرائيل تثق سلفا في قدرتها أن تكون القوة الإقليمية الأولى في المنطقة بنفوذها في العالم، وبطش سلاحها، وكفاءتها في استيعاب التقدم بما فيه ثورة العلوم التي تراكمت خلال تجربة الحرب العالمية الثانية ثم انطلقت بعد انتهاء الحرب تغزو كل نواحي الحياة المدنية في عالم جديد·

·······

سابعا: وفجأة وفي هذا المناخ الذي تتزاحم  فيه الأفكار والتيارات والسياسات والجيوش ـ فجأة صباح 23 يوليو 1952 في مصر قامت ثورة 23 يوليو ـ ثم ظهر "جمال عبد الناصر"·

······

حكمت الجغرافيا ـ وحكم التاريخ ـ وحكم العصر·

ثم جاء الدور على التجربة الإنسانية للملك "حسين" لتكون الوجه الرابع للحقيقة في شأنه وفي شخصيته·

"7"

من المفارقات الملفتة أن تجربة الملك "حسين" تقاطعت بشكل واضح مع الدور الذي قام به "جمال عبد الناصر" في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين·

وفيما رواه لي الملك "حسين" بنفسه "أثناء لقاء في باريس" أنه مع سنة 1955 أصبح شديد الإعجاب بـ "جمال عبد الناصر" إلى درجة أنه وضع صورته على مائدة بجوار سريره "وكان يتمنى لو أنه وضعها على مكتبه لكنه خشي أن تجر عليه من المشاكل مالا داعي له"·

وكانت دعوة "جمال عبد الناصر" ـ هكذا قال الملك ـ إلى مقاومة الاستعمار هي التي جعلته يتردد في الانضمام إلى حلف بغداد منذ طرح مشروعا مبكرا سنة 1953·

وحين عرض  على الأردن رسميا أن ينضم إلى الحلف سنة 1954 فإن الملك لم يكن متحمسا، وقد زاد الضغط البريطاني عليه لدرجة أن رئيس أركان الحرب الإمبراطوري وهو الماريشال "جيرالد تمبلر" كلف ـ خريف سنة 1955 ـ بالذهاب إلى عَمَّان والبقاء فيها حتى يضمن انضمام الأردن·

وعندما فشلت محاولة الماريشال "تمبلر" وسقطت محاولة جر الأردن إلى حلف بغداد، تضايق الملك "حسين" لأن "بعض الناس اعتبروا فشل "تمبلر" فشلا له "للملك" ـ وكان ذلك من وجهة نظره "افتراء  على الحق" أساء إلى مشاعره وظلمه، ومن المحتمل أن هذا الافتراء على الحق كان من العوامل التي أغرت الملك على اندفاعه قصد بها أن يستعيد لنفسه ما حسبه "حقا" و"عدلا"·

وهكذا وجد الملك نفسه يقترب من مجموعة من ضباط جيشه تعاهد معهم على "تحرير الإرادة الأردنية" بطرد "جلوب باشا" وتأكيد سيطرة الحكم الوطني في الأردن على قواته المسلحة ومع أن تلك كانت خطوة بالغة الخطورة فإن  الملك قام بتأمين ظهره عن طريق إخطار الكولونيل" جيمس سويني" الملحق العسكري الأمريكي في سفارة الولايات المتحدة في عَمَّان، ولعل "سويني " لم يحاول إثناء الملك عن عزمه لأن تلك كانت لحظة انتقال الإرث الإمبراطوري في المنطقة، ولقد عرف بعض الضباط الوطنيين ذلك الوقت أن الملك تحدث في طرد "جلوب" باشا مع الأمريكان، لكن الذين عرفوا لم يعتبروا ذلك في حينه خرقا مخيفا لأن حركات وطنية عديدة كانت ـ تلك الأيام ـ على استعداد لأن تلعب على التناقض بين قوتين إمبراطوريتين والشاهد أن الوجه القبيح للسياسة الأمريكية لم يكن قد ظهر بعد، ثم إن كثيرين تصوروا أن فرصة تغيير الحرس الإمبراطوري البريطاني القديم بحرس أمريكي جديد كفيلة بأن تفتح الباب لألف فرصة وفرصة·

ومن هذا المنطلق فإن مغامرة الملك وإن بدت مجازفة شديدة ـ كانت في الوقت نفسه مجازفة محسوبة· "وتكشف فيما بعد "من شهادات ووثائق" أن السفارة الأمريكية في عَمّان ـ بما فيها ممثل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ـ تحمست لطرد "جلوب" لأن ذلك سوف يرفع شعبية الملك ويجعله قادرا على دخول حلف بغداد محميا بشعبية طرد "جلوب"·

ويقول الملك "وهذه الآن عودة إلى ذلك اللقاء في باريس" أن تيار الحوادث في المنطقة ابتداء من طرد "جلوب" "باشا" من الأردن في مارس 1956 وحتى "تأميم قناة السويس في يوليو 1956 تحول إلى شلال متدفق يهدد بأن يجرف أمامه كل شيء بما في ذلك كيان الأردن· وفي رأي الملك أن "عناصر غير مسؤولة" حاولت دفع الموقف في بلده إلى أكثر  مما تحتمله الحقائق·

ويروي الملك "أن الضغط زاد عليه عندما بدأت حرب السويس لأن شعبه راح يدفعه دفاعا إلى دخول الحرب مع مصر، وكانت تلك وصفة لكارثة مؤكدة في رأيه" ووجد نفسه في مأزق عنيف بين ما يحسه من رغبات شعبه وبين ما يراه من خطر على بلده، ولم ينقذه غير "جمال عبد الناصر" الذي  اتصل به على التليفون المفتوح يرجوه ألا يخضع لأي ضغط ولايفكر في التدخل عسكريا في القتال الدائر بين مصر واسرائيل "وبريطانيا وفرنسا" في سيناء وبورسعيد·

ويروي الملك : "أن جمال عبد الناصر قال له: إننا قررنا إخلاء سيناء بعد الإنذار البريطاني الفرنسي، وبالتالي، فإن الجيش المصري سوف يركز معركته على منطقة القناة، ومعنى ذلك أن هذا الجيش لن يكون في وضع يسمح له بمساندة الأردن إذا قررت إسرائيل انتهاز الفرصة لاحتلال الضفة الغربية للأردن، وإذا حدث ذلك فهو خطر عاجل ـ ذلك أنه إذا دخلت اسرائيل سيناء فتلك مسألة تقدر مصر عليها فور انتهائها من تصفية العدوان البريطاني الفرنسي في منطقة القناة ـ وحتى إذا بقيت إسرائيل خلال ذلك أسابيع أو شهورا في سيناء، فإنها لن تستطيع تغيير طبيعة الأرض فيها، بينما الأمر في الضفة الغربية مختلف لأن إسرائيل سوف تفعل ما بدا لها· وباختصار فإنه إذا احتلت اسرائيل سيناء فخروجها محقق بالغصب أو بالحرب، وأما إذا دخلت ضفة الأردن الغربية فإن خروجها سوف يكون معركة أكثر صعوبة"·

ويواصل الملك "حسين" روايته قائلا "إن جمال عبد الناصر خوله أن ينقل لمن يشاء في الأردن مجمل رأيه منسوبا إليه، وهو على استعداد لأن يتحمل مسؤوليته السياسية والتاريخية ، وقد فعل الملك ولكن بعض الناس "كذلك قال الملك " أرادوا أن يكونوا ناصريين أكثر  من الرئيس عبد الناصر نفسه ـ ولقينا مصاعب من بعضهم عندنا في الأردن" ثم يستدرك الملك:" لكني مضطر أن أقول لك بصراحة أن آخرين من عندكم كانوا يفسدون الأمور ويحرضون دون فهم أو إطلاع·· وهذا فرض  علينا فيما بعد أن نتصدى لأن المسألة تحولت إلى حياة أو موت"!

وهكذا  فإنه طوال سنة ونصف السنة ـ خريف سنة 1955 وحتى شتاء سنة 1956 ـ كان الملك في حالة ذهاب خطر إلى الحافة ـ وعودة خطرة من الحافة!

ومع بداية سنة 1957 جاء مفترق طرق بالغ الأهمية في تجربة الملك "حسين" وفي التجربة السياسية العربية المعاصرة كلها·

انتهت حرب السويس في ديسمبر 1956 باضطرار بريطانيا وفرنسا إلى الانسحاب من بورسعيد، وكان ذلك الانسحاب هو الإعلان الرسمي بنهاية الإمبراطوريات القديمة "بريطانيا وفرنسا"

ثم انتقل المطلب الإمبراطوري في المنطقة إلى الولايات المتحدة  التي طرحت في بداية سنة 1957 وفي مطلع مدة الرئاسة الثانية للجنرال "دوايت أيزنهاور" مشروعا لحماية المنطقة أطلق عليه فعلا اسم "مبدأ أيزنهاور"·

وكان "مبدأ أيزنهاور" في تقدير السياسة المصرية ذلك الوقت مجرد تعبئة أمريكية جديدة مزوقة مطللب السيطرة نفسه الذي هترأ وعاؤه البريطاني القديم·

وكان الملك "حسين" يرى مايحدث وحسابه "طبقا لروايته" كما يلي:

ـ لقد استطاع أن يقاوم دخول حلف بغداد رغم ضغط شديد مارسه الماريشال "تمبلر" عليه، لكنه هذه المرة يواجه ما هو أصعب فالولايات المتحدة التي تقدمت لتمسك بمقادير الشرق الأوسط ـ ليست الإمبراطورية البريطانية التي غرقت في مياه قناة السويس ـ وإنما هي قوة أخرى تملك وسائل السيطرة العالمية بغير منازع·

ـ والعناصر الوطنية في الأردن لم تعط الملك فرصة كافية، وإنما سارت إليه الجموع تطالبه برفض مشروع "أيزنهاور" وكان في بنود هذا المشروع كثير من مساعدات مالية للأردن هو في حاجة إليها ولا يستطيع ببساطة أن يرفض عرضا أمريكيا سخيا بها وقد وصل الملك في النهاية إلى مصلحة "العائلة الأردنية" تقتضيه أن يقف ضد الرأي العام في البلد، ثم هاله أن أصداء ما يجرى في الشارع الأردني وصلت إلى الجيش وكان عليه أن يتصرف بأقصى الحزم وأقسى الإجراءات·

ـ وكانت الدعاية المصرية ضد مشروع "أيزنهاور" (كذلك يقول الملك" زيتا صبته إذاعة "صوت العرب" على نار مشتعلة في عَمَّان ـ وحسب تعبير الملك بالنص ـ "وقد كادوا يحرقون كل شيء ولايبقون على أخضر أو يابس، ونحن بلد صغير لا يحتمل··"

وفي المحصلة النهائية فإن الملك "حسين" قاد انقلابا ضد قوى شعبية كثيرة في بلده، وقوى وطنية معروفة في جيشه· والمشكلة أن الانقلاب لم يكن عملية محض أردنية، وإنما كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية طرفا فاعلا فيه بالتمويل والتخطيط والتنفيذ وبطريقة كادت تكون علنية، وثبت فيما بعد ـ وبالوثائق ـ أن عملية الانقلاب في الأردن جرت بحضور وتخطيط "كيرميت روزفلت" مسؤول المخابرات المركزية الأمريكية الشهير في الشرق الأوسط، ثم إن عشرات ملايين الدولارات صرفت في عَمَّان لتدبير الأمور!

والظاهر أنه في تلك الظروف، مشي الملك "حسين" مع مفترق الطرق إلى الحواف الأكثر وعورة·

إن الملك "حسين" ظهر بعد ذلك،بظله أو بصورته مرئية من بعيد خلال أزمات مهمة مما عرفته المنطقة وعاشته، وبين هذه الأزمات بالتحديد أربع:

الأزمة الأولى: هي أزمة الانقلاب على الوحدة بين مصر وسورية· ففي يوم وقوع ذلك الانقلاب "28 سبتمبر 1961" وصلت إذاعة الأردن نفسها بإذاعة الانفصاليين من دمشق، وذهب الملك بملابسه العسكرية ومسدسه في حزامه إلى رئاسة أركان حرب الجيش الأردني مستعدا للطوارىء وكان الحديث في رئاسة الأركان الأردنية أن "سيدنا (أي  الملك حسين) هو مدبر ذلك الانقلاب لطرد  مصر من سورية عقابا لها على تأييدها لانقلاب العراق "14 يوليو 1958" ـ الذي قتل فيه كل أفراد الفرع العراقي من الأسرة الهاشمية، ولما كان الملك "حسين" قد اعتبر الثأر لأبناء عمومته واجبا يلقيه" التاريخ الهاشمي" عليه فقد  كان مطالبا أن يتصرف "هكذا نقلوا عنه"!

والواقع إن الملك لم يتصرف وحده، وإنما كانت معه "كما تظهر الوثائق" وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "كيرميت روزفلت شخصيا مرة أخرى" وكان الممول الرئيس لمؤامرة الانقلاب هو الملك "سعود" الذي قال لي بنفسه أثناء لقاء بيننا بعد لجوئه إلى مصر في ديسمبر 1966 أنه دفع حوالي خمسة عشر مليون دولار ضمن تكاليف هذا الانقلاب" وعلى أي حال فلم أكن في حاجة إلى تأكيد إضافي حتى أرى ظل الملك "حسين" وصورته على خلفية أزمة الانفصال لأنني في ذلك اللقاء في فندق كريون بباريس سنة 1963 ( وأثناء محاولة الملك حسين لطي صفحة الماضي وطلب فتح صفحة جددة وكان ذلك مطلبه في هذا اللقاء كي أنقله إلى "جمال عبد الناصر" سألت الملك صراحة عن دوره في الانفصال، واعترف به وتبريره "أنه كان غلطة" (ونشرت بالفعل تقريرا طويلا عن لقائنا ضمن مقالي الأسبوعي في الأهرام "بصراحة" في العدد الصادر يوم الجمعة 27 سبتمبر 1963" وأكدت قول الملك على لسانه "ولم يعترض" إنه يعترف أن دوره في الانقلاب على الوحدة كان غلطة"·

وكانت الأزمة الثانية التي ظهر فيها الملك بظله أو صورته هي أزمة حرب اليمن التي قامت ضد أسرة "حميد الدين" ( يوم 26 سمبتمبر 1962) وكانت قوات الملكيين في اليمن قد خيمت على الحدود مع السعودية وراحت تضغط عسكريا على الثورة الوليدة في صنعاء، وتدخلت مصر لحماية الثورة، وسارع الملك "حسين" إلى إرسال طيرانه من عَمَّان يحمل أسلحة وذخائر إلى بقايا النظام القديم في اليمن، وكانت المفاجأة القاسية التي تلقاها الملك وأصدقاء له أن قائد الطيران الأردني "العقيد سهل حمزة" قاد سربا أردنيا إلى القاهرة  بحمولات طائراته من السلاح والذخيرة مرسلة إلى الملكيين في اليمن!

وحين أدرك أصحاب هذه الخطط الملكية أن استخدام قوات مسلحة عربية ضد التيار الكاسح للحركة القومية ــ مخاطرة غير مأمونة فإن الجميع لجأوا إلى الاستعانة بقوى خارجية، ثم إن عملية واسعة لاستئجار مرتزقة أجانب نشطت في باريس ولندن، وكانت النتيجة أن سرح القتال في اليمن شهد دخولا واسع النطاق لجيش "بضعة آلاف" من المرتزقة الأوروبيين من الإنجليز إلى الفرنسيين إلى الألمان، وحتى إيطاليا وأسبانيا والبرتغال!

والملفت أن ترتيب هذه العملية آل إلى مجموعة من النواب البريطانيين كان على رأسهم "جوليان إيمري" رئيس مجموعة المحافظين المعارضة للانسحاب البريطاني من السويس ومن العالم العربي بأسره· وكان"جوليان إيمري" شخصا يستحق التوقف ـ أو التوقيف ـ لفحص هويته:

هو  أولا ـ ابن اللورد "ليو إيمري" الذي كان سكرتيرا عاما لمجلس الوزراء البريطاني أثناء الحرب العالمية الأولى "وقبل أيام قليلة من وفاة الملك "حسين" أذيع نقلا عن الوثائق البريطانية أن "ليو إيمري" هو الذي كتب بخط يده مسودة "وعد بلفور" تعهدا بريطانيا بوطن قومي لليهود في فلسطين، وتكشف أن "ليو إيمري" يهودي هاجرت أسرته من أوروبا الشرقية في أواخر القرن التاسع عشر ـ إلى الغرب ثم اندمج في مجتمعه الجديد حتى وصل إلى مواقع القرار في الإمبراطورية البريطانية)·

وكان "جوليان إيمري"  ثانيا ـ مرتبطا بمصاهرة رئيس الوزراء  البريطاني في ذلك الوقت "هارولد ماكميلان" فقد تزوج "جوليان" من "أليس" ابنة "ماكميلان"  وزوجته الليدي "دوروثي" ـ وبالتالي فإن "إيمري" الابن أيضا أصبح شديد القرب من مركز القرار البريطاني فيما بعد العهد الامبراطوري·

وثالثا ـ فإن "جوليان إيمري" كان هو الذي تولى في شهر مارس سنة 1965 ترتيب اجتماعات بين شخصيات عربية وشخصيات يهودية، وكان ضمن الاجتماعات لقاء بين الملك "حسين" وبين الجنرال "موشي ديان" رئيس أركان حرب الجيش الإسرائيلي ـ وقد تم هذا اللقاء في بيت "جوليان إيمري" نفسه في "إيتون سكوير" ـ لندن ـ "وقد نشرت بعض التفاصيل عن هذا اللقاء في الجزء الثاني من كتاب "المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل " صفحة 134 ـ ونشرت وسَنَدي فيما نشرت "وقد كتبت ذلك نصا" هو "جوليان إيمري" نفسه الذي دعتني معه إلى فنجان شاي في بيتها الليدي "جيلكو" وهي أرملة القائد البريطاني الأميرال لورد "جيلكو" قائد الأسطول البريطاني في البحر الأبيض بين الخميسنيات والستينيات"

وقد روى لي "إيمري" ( ونشرت عنه ذلك أيضا": "أن الملك حسين قدم نفسه متحدثا باسم آخرين معه في المنطقة يشاركونه أهدافه لكنهم لايملكون جرأته " وقال لي "إيمري" : "إن هدف الاجتماع كان تنسيق جهود أعداء عبد الناصر العربي مع اسرائيل"· وقال معقبا: "إن أطرافا كثيرين في العالم العربي كانوا على استعداد للتعامل مع الشيطان ضد ناصر"· وأضاف "جوليان موجها ملاحظته إلى : "وعلى أي حال فإن اسرائيل ليست الشيطان مهما كان رأيك فيها"!

وفي لقاء مع الملك "حسين" في لندن بعد نشر الجزء الثاني من كتابي عن "المفاوضات السرية" ـ 1996 فتحت معه هذا الموضوع وقلت له: "إنني عندما نشرت واقعة اجتماعه مع ديان سنة 1965 في بيت جوليان إيمري لم أشأ أن أحدده بالاسم معتمدا على رواية جوليان إيمري وحدها" وكان رد الملك غامضا لا هو بالنفي ولا التأكيد، وقد قال بسرعة:

" يا أخي·· الآن بعد أن جرى كل ما جرى لم يعد في مقدور أحد أن يحاسب غيره على أنه اجتمع بالاسرائيليين ـ أين؟ ومتى؟"

ولم أشأ أن أضغط ـ وربما لأنه لم يعد هناك معنى للجدال مع الملك في شيء أقدم عليه كثيرون غيره من الساسة العرب!

وأخيرا ـ ولم يكن آخرا ـ تجيء الأزمة الثالثة التي ظهر فيها ظل  الملك "حسين" الثالثة التي ظهر فيها ظل الملك "حسين" وصورته، وهي الدور الذي قام به في سنة 1967 ـ وكنت كما أسلفت في مقدمة هذا الحديث نشرت في كتاب "الانفجار" "1990" وقائع ظننتها بالغة الخطورة، وهي بالفعل كذلك ـ بينها:

1 ـ أنه عندما بدأت أزمة الحشود الاسرائيلية ضد سورية تتفاعل مع موجبات تأهب مصري لنجدتها وصلت المشاعر في العالم العربي إلى درجة  غير مسبوقة من التعبئة، ثم وصلت التعبئة إلى الذروة الخطرة عندما أغلقت مصر خليج "العقبة" أمام الملاحة الاسرائيلية، وكان ذلك نذيرا بأن الحرب مسألة أيام ـ وفجأة يوم الثلاثاء 30 مايو وصل الملك "حسين" إلى القاهرة يطلب اجتماعا مع "جمال عبد الناصر" قائلا "إن الشعب الأردني لن يسمح له بأن يظل بعيدا عن المعركة رغم أي خلافات سبقت، ثم إنه هو نفسه ـ مع شعب الأردن ـ لايستطيع أن يقف متفرجا في معركة عربية مقدسة·

ومع أن التغيير المفاجىء في موقف الملك "حسين" أثار تساؤلا ـ فقد نسبه الجميع إلى إحساس الملك بضغط الرأي العام في بلده إلى جانب توصله أكيدا إلى أن العرش الأردني نفسه سوف يكون في مهب الريح إذا قامت الحرب وبقى الجيش الأردني بعيدا·

2 ـ وكان داعي التساؤل مرة ثانية ـ أن الملك طلب تعيين قائد مصري للقوات الأردنية في المعركة المقبلة، بل واختار بنفسه واحدا من ألمع الضباط المصريين وهو الفريق "عبد المنعم رياض" الذي عرفه أثناء عمل الفريق "رياض" رئيسا لأركان حرب القيادة العربية الموحدة "في إطار ميثاق الضمان العربي الجماعي"

ثم أصر الملك "حسين" على أن يأخذ "عبد المنعم رياض" معه في الطائرة ليتولى قيادة الجيش الأردني من أول لحظة، وكان السفر إلى عَمَّان مساء 31 مايو 1967 "أي قبل خمسة أيام من الهجوم الإسرائيلي على سيناء"·

3 ـ إن الملك "حسين" أثناء اجتماعاته في القاهرة مع "جمال عبد الناصر" تطوع بالسماح للجيش العراقي بدخول الأردن للمشاركة في المعركة والجميع يعرف أن دخول قوات عراقية إلى الأردن واحد من النذر التي تعتبرها إسرائيل مبررا لشن الحرب، وبدا ذلك مستدعيا التساؤل ثالث ـ لكن أحدا لم يدقق·

ثم إن الملك "حسين" اجتمع أيضا في  القاهرة ـ وفي حضور "جمال عبد الناصر" ـ بالسيد "أحمد الشقيري" رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وأخذه ـ مع الفريق " عبد المنعم رياض" ـ في طائرته إلى عًمَّان وكان ظهور رئيس منظمة التحرير الفلسطينية في عَمَّان بدوره نذيرا آخر مما تعتبره اسرائيل مبررا لشن الحرب ــ والملك "حسين" أول من يعرف ذلك ومع أن تصرفه في هذا الأمر أثار هو الآخر تساؤلا رابعا ·· وخامسا وسادسا، إلى آخره ـ فإن أحدا ـ رغم تكرار  التساؤلات ـ لم يتوقف ليدقق لأن الكل كان مشغولا بالاحتمالات المقبلة، ومأخوذا بفكرة أن يظهر الصف العربي كله محتشدا ومعباءً  على خطوط النار، مع ظن أن ذلك في حد ذاته قد يكون بين الروادع·

4 ـ وذهب الفريق "عبد المنعم رياض" إلى عَمَّان وعاد منها بعد انتهاء القتال وهو يحمل هواجس وهموما ضاغطة على أعصابه·

فهو من البداية ـ رغم لقاءات متكررة بالملك "حسين" وعدد من قيادات الجيش الأردني جرت في إطار القيادة المشتركة ـ لم يكن مستريحا لفكرة أن يجد نفسه على رأس قوات لم يعرفها ولم تعرفه ـ وأن يكون ذلك في ظروف حرب·

ولق راوده على نحو ما إحساس بأن صلته بالقوات في الميدان ليست سالكة، ولقد أحس أن بعض ما يعرض عليه من المواقف التي تتطلب قراره يحمل دواعي الشك في دقته وطبقا لتعبيره فقد أحس أنها كانت "Hollow" (مجوفة ـ فارغة من الداخل" ـ ثم تحولت هواجسه وهمومه إلى شكوك معذبة حين عرف من مصادر خاصة وقبل أن يغادر عَمَّان عائدا إلى القاهرة ـ أن خسائر الجيش الأردني في الدفاع عن الضفة الغربية بما فيها القدس لم تزد على 16 شهيدا وبدا ذلك له مذهلا في ضوء ما كان يتلقاه من التقارير عن سير العمليات بواسطة ضباط الاتصال الذين ألحقوا بقيادته·

·····

وفيما بعد ظهرت وثائق تتماشى في أقل تقدير مع هواجس وهموم "عبد المنعم رياض" وقد أتيح لـ "عبد المنعم رياض" أن يرى واحدة منها لكنه استشهد قبل أن يرى بقيتها أو يعرف شيئا عنها وكانت الوثيقة الواحدة التي عرف بها تقريرا من المخابرات العسكرية الأمريكية حصل عليه مندوب مخابرات مصري في نيويورك، وكان حصوله علي في ظروف لا تحتمل الشك في صحة ماحدث عليه وكان نصها : "علمت أن مقابلة جرت بين رئيس الأركان الأردني الجنرال "خماش" وبين السفير الأمريكي في الأردن يوم الخميس أول يونيو 1967، وفي هذه المقابلة طلب رئيس الأركان الأردني من السفير الأمريكي سرعة نقل الطائرات المقاتلة " ف 104" من الأردن وعددها 25 طائرة ـ وذلك بصفة مؤقتة حتى تنتهي الأزمة بين الدول العربية واسرائيل"·

 وكان "عبد المنعم رياض" يستطيع أن يفهم معنى  هذه البرقية  أكثر من غيره ، فقد تذكر وكتب في تقريره  عن مهمته في الأردن" أن الطائرات من طراز " ف 104" لم يظهر لها أثر رغم تكرار سؤاله عنها"·

وكذلك عرف القائد المصري المنتدب لقيادة القوات الأردنية على الجبهة أن الطيران الذي كان مفروضا أن يخدم خطته خرج من الأردن قبل الساعة التي تسلم فيها مسؤوليته !

ولم يتح لـ "عبد المنعم رياض" أن يعيش ويطلع على وثائق أخرى إضافية لديها ما تقوله وبينه:

أن الملك "حسين" قابل ضباطا اسرائيليين على مستوى عال في الأردن يوم 26 مايو 1967 وأنهم أبلغوه بشكل ما هو مقبل دون تفاصيل وتركوا له مسؤولية اختيار موقفه مع تحذيرات له بألا يتدخل فيها·

( محضر مجلس الوزراء الاسرائيلي يوم 2 يونيو 1967، وقد اطلع عليه وأشار إليه الدكتور "مايكل بريشر" وهو المؤرخ المعتمد لصنع القرار الاسرائيلي)·

وفي ذلك الاجتماع مع قادة اسرائيليين فإن الملك "حسين" أبدى أنه لايستطيع في حالة نشوب عمليات أن يقف موقف المتفرج لأن ضغط الشعب الأردني عليه يمكن أن يطيح بالنظام، وأنه من الضروري لسلامته أن يسمح له بهامش مناورة يمكنه من مقاومة الضغوط·

وكان الرئيس الأمريكي "ليندون جونسون" ( وهو المهندس الأكبر لعملية 1967" على استعدد لتقدير موقف الملك لكن الحكومة الاسرائيلية أبلغته (الرئيس جونسون) أنها تستطيع أن تتفهم وإنما إلى حد·

وفي جلسة مجلس الوزراء الاسرائيلي بتاريخ 4 يونيو وعرض الجنرال "ديان" الخطوط العامة لاستراتيجية اسرائيل في معركة الغد كما يلي بالنص:

1 ـ على الجبهة المصرية: الهجوم الرئيس ـ هجوم شامل·

2 ـ على الجبهة السورية: موقف دفاعي إلا إذا وجدت القوات أنها في موقف الدفاع عن نفسها·

3 ـ على جبهة الأردن: يطلب وزير الدفاع عدم إجراء أية مناقشة في مجلس الوزراء حول هذا الموضوع·

( محضر جلسة مجلس الوزراء الاسرائيلي في 4 يونيو ـ وقد اطلع عليه ونقل منه "مايكل بريشر")·

إن اسرائيل في الصباح الباكر من يوم 5 يونيو بعثت برسالة من رئيس الوزراء "ليفي أشكول" حملها كبير مراقبي الهدنة الجنرال "أد بول" طلبت فيها إلى الملك "حسين" أن يبقى بعيدا، وإذا أراد إلى الملك "حسين" أن يبقى بعيدا، وإذا أراد تغطية موقفه فلابد أن يفعل ذلك بحذر وبالفعل فقد سمح للجيش الأردني بحرية إطلاق نيران محدودة وبدون رد عليها وفي الساعة  الحادية عشرة والنص صباح يوم 5 يونيو وبعد أن تأكد أن الضربة الجوية ضد مصر نجحت طلب الجنرال "أوزي ناركيس" القائد الاسرائيلي لقوات الجبهة الشرقية إذنا ببدء هجوم على الأردن، وقد رفض طلبه، وعاد الجنرال "ناركيس " يجدد طلبه في الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق ورفض طلبه مرة ثانية ثم رفض طلبه مرة ثالثة في الساعة الثانية عشرة والنصف وبعد ساعتين تماما أي في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر تلقى الجنرال "ناركيس" أمرا بالهجوم الشامل لاحتلال الضفة الغربية بما فيها القدس "كان إغراء حلم أرض اسرائيل أكبر من أن يقاوم وإذا أراد الملك أن يناور مرة فإن اسرائيل لها نفس الحق في مناورة العمر"·

( كتاب "حياة على الحافة" صفحة 118، 119 ـ وهو سيرة معتمدة للملك "حسين" كتبها عقب لقاءات متعددة مع الصحفي البريطاني "رولاند دالاس" وقد نشر في لندن سنة 1998 ضمن مجموعة "صور مكتوبة" )·

*إن الملحق العسكري الأمريكي في تل أبيب قال أثناء مناقشة مع وزير الدفاع الإسرائيلي: "إنكم في إسرائيل أسأتم تفسير موقف الملك حسين في حوادث الشهر الماضي دون مبرر"!

(برقية من الملحق العسكري الأمريكي في إسرائيل برقم 251525 بتاريخ 26 يوليو 1967)·

ü إن وزارة الخارجية الأمريكية تلقت من القصر الملكي الأردني في عَمَّان مجموعة محاضر للقاءات قمة سياسية جرت في القاهرة في الأسبوع الثاني من يونيو 1967، وقد شارك فيها الملك "حسين" والرئيس "هواري بومدين" رئيس الجزائر مع الرئيس "جمال عبدالناصر"، وكان هدف القمة المحدودة في القاهرة تقييم الموقف بعد ما جرى ورسم سياسة لما بعده·

(المحاضر تشير إليها برقية رمزية لوزارة الخارجية الأمريكية برقم 4945 بتاريخ 17 يوليو 1967)·

*وأخيرا - أخيرا - جاءت الأزمة الرابعة التي ظهر فيها ظل الملك وصورته، وقد أعلنتها هيئة الإذاعة البريطانية في برنامج قدمته أواخر سنة 1998 في مناسبة مرور خمسين سنة من حياة الشرق الأوسط شهدت ظهور وقوة إسرائيل - وكان مؤدى ما أعلنته الإذاعة البريطانية مؤكدا وموثقا أن الملك "حسين" ذهب - يوم 25 سبتمبر 1972 - الى مقابلة سرية مع رئيسة وزراء إسرائيل (قبل أيام من 6 أكتوبر 1973) وحذّر "جولدا مائير" من أن مصر وسوريا تدبران لشن معركة مفاجئة ضد القوات الإسرائيلية في سيناء والجولان، وأن "جولدا مائير" لم تأخذ هذا التحذير جدا· ثم حدث أن هيئة تليفزيون فضائية مملوكة لشركة سعودية أعادت نشر البرنامج وترجمته الى اللغة العربية، وأحدث ما نسب الى الملك "حسين" ضجة كبرى في العالم العربي·

والمزعج أن هذه الواقعة لم تكن سرا، فقد نشرها الجنرال "إيلي زائيرا" رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية في مذكراته عن حرب سنة 1973 وقد ظهرت في كتاب باللغة العبرية وحدها، وجاءت الواقعة الخاصة بالملك "حسين" مع كل تفصيلات اللقاء في صفحة 95 من المذكرات·

(ثم ألحق بها ما أذيع في الفترة نفسها - عن تعيين "أبراهام هالفي" رئيسا للموساد، وقيل - رسميا - أن مبررات تفضيله على غيره أنه كان لثلاثين سنة صلة وصل خاصة مع الملك "حسين"، وأن لقاءات بينهما كانت منتظمة كل أسبوع للتنسيق السياسي والأمني!)·

كانت تلك كلها ظلالا وصورا - ثم طرأ جديد!

(8)

كان الجديد الذي طرأ وحول الظلال والصور إلى جسد وحياة هو أن "بن برادلي" رئيس تحرير جريدة "الواشنطن بوست" نشر مذكراته تحت عنوان "حياة جديدة" (A Good Life

و"بن برادلي" ليس صحفيا عاديا في الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما واحد من أكبر نجوم المهنة في الخمسين سنة الأخيرة، فقد كان هو على صفحات "الواشنطن بوست" قائد الحملة  على الرئيس "ريتشارد نيكسون" في فضيحة  "ووترجيت" وكانت هذه الحملة هي التي اضطرت أقوى رجل في العالم وفي التاريخ إلى ترك منصبه في البيت الأبيض والهرب إلى ظلام النسيان·

وقال "بن برادلي" في كتابه "ونشر في تدعيم كلامه ما هو أكثر من مجرد رواية" ـ وابتداء من صفحة 424 ما يلي بالحرف:

"ذات صباح في نوفمبر 1976 جاءني "بوب وودوارد" ( أحد أشهر الصحفيين في الواشنطن بوست وقتها وحتى الآن) وقال لي إنه "عرف من مصادره أن أحد رؤساء الدول في الشرق الأوسط موجود باسمه على قائمة المرتبات في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية" وقلت له "إن هذه قصة إخبارية مهمة لكن عليه أن يتقصاها أكثر"·

ويمضي "برادلي" في روايته فيقول : "إنه سأل وودوارد عن رئيس الدولة المعني لأنه لن يستغرب إذا كان هناك أكثر من رئيس دولة واحد في الشرق الأوسط موجود على قائمة مدفوعات وكالة المخابرات المركزية"!

ويستطرد "برادلي":

"بعد يومين جاءني بوب يقول لي: "إنه تأكد أن الملك حسين ملك الأردن هو رئيس الدولة المعنى وأنه يتقاضى مكافأة سنوية (شخصية لا علاقة لها بالمعونات الرسمية للأردن) مقدارها مليون دولار، وهي مرصودة لمصاريف الملك الخاصة، وقد بدأ دفعها له من سنة 1957 ولا تزال مستمرة حتى الآن"!

ويقول "برادلي":

"إنني طلبت من بوب أن يؤكد معلوماته بمصدر ثان لأننا لا نستطيع في الواشنطن بوست أن نعتمد على مصدر واحد في قصة بهذه الدرجة من الحساسية، وبالفعل فإن بوب اتصل بـ"جودي باول" المستشار الصحفي للرئيس الأمريكي الجديد (في ذلك الوقت) وهو "جيمي كارتر" وروى له ما وصل الى علمه، وطلب تأكيدا أو نفيا"·

وفي اليوم التالي - الصباح الباكر - اتصل "بوب وودوارد" برئيس تحريره "بن برادلي" ليقول له طبقا لرواية هذا الأخير (صفحة 425 من مذكراته): "إن زبجنيو برجينسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الجديد اتصل به ودعاه هو ورئيس تحريره الى لقاء مع الرئيس في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض" - وذهب الاثنان بالفعل الى لقاء مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية·

ويقول "بن برادلي" بالحرف:

"إن الرئيس قال لنا بداية إن الخبر صحيح! ثم أبدى لنا دهشته من أن وزير الخارجية السابق (هنري كيسنجر) حين جاء إليه يضعه في صورة الحوادث والرجال في الشرق الأوسط مع بداية رئاسته لم يذكر له شيئا عن هذه الحكاية - ولا ذكرها له "جورج بوش" (رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في ذلك الوقت) عندما التقاه أيضا لنفس الغرض (كلاهما تعامل بها كأمر عادي روتيني)!

ثم استطرد الرئيس "كارتر" فقال: "إنه يريد أن يقول لنا شيئين: الأول أن نشر الواقعة يضر الأمن القومي للولايات المتحدة - والثاني أنه أصدر أمرا بإيقاف دفع المبلغ للملك حسين"·

(وظنه أن الملك لم يعد يحتاجه لأنه الآن واحد من أكبر أغنياء المنطقة)·

ويقول "بن برادلي" إن الرئيس قال له في نهاية المقابلة: "إنه لا يستطيع أن يتدخل في الطريقة التي يدير بها (بن برادلي) صحيفته - لكنه وضع الحقائق أمامه ويترك له التقدير النهائي، فهذه مصالح بلدك كما هي مصالح بلدي"·

ويقول "بن برادلي" (صفحة 426) "إنه بعد اجتماع للتشاور مع هيئة تحرير الواشنطن بوست قرروا أن مهمتهم هي نشر الحقيقة، وبالفعل نشروها"·

ثم يقول "بن برادلي" أخيرا:

"في اليوم الذي نشرنا فيه القصة تلقيت خطابا على ورق البيت الأبيض وبتوقيع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية نصه كما يلي بالحرف:

الى "بن برادلي"

أعتقد أن نشركم لقصة المخابرات المركزية الأمريكية بينما وزير الخارجية (سيروس فانس) يقوم بمهمة في الشرق الأوسط الآن - وهذه المهمة على وشك أن تحمله الى الأردن - هو عمل غير مسؤول·

إنني أكتب إليك هذه الرسالة كتعليق من قارئ وليس من رئيس الولايات المتحدة·

جيمي كارتر

وهكذا فإن أمامنا الآن - صريحا وموثقا - ما يؤكد أنه على طول الفترة من سنة 1957 - 1997 كان اسم الملك "حسين" على قائمة المرتبات السرية في وكالة المخابرات المركزية·· وكانت تلك هي السنوات التي شهدت انقلاب الأردن سنة 1957 وانفصال الوحدة المصرية السورية سنة 1961 - والحرب في اليمن سنة 1962 - والنكسة سنة 1967 - ثم حرب أكتوبر 1973·

والرجل الذي يقدم شهادته هنا هو رئيس الولايات المتحدة نفسه· في ذلك الوقت وهو "جيمي كارتر"· ومن المفارقات أنه كان واحدا من موكب الرؤساء السابقين الذين صاحبوا الرئيس الحالي "بيل كلينتون" في الوقوف أمام جثمان الملك "حسين"!

وفي مناسبات سبقت، مرتين أو ثلاثا، سألت الملك مباشرة وصريحا عن حدود علاقاته بالولايات المتحدة وإسرائيل· وكان واضحا من لهجة سؤالي أنني لا أتحدث عن ظواهر العلاقات وإنما عن بواطنها، وكان الملك في كل مرة يجيب بلباقة!

مرة واحدة - لم تتكرر لا قبل ولا بعد - تخلت اللباقة عن الملك أو هو تخلى عنها·

كان ذلك أثناء مؤتمر قمة القاهرة في سبتمبر 1970، وكان الصدام الدامي بين جيش الملك "حسين" وفصائل من المقاومة الفلسطينية قد حول الأردن الى ميدان قتال حقيقي· ودعت مصر الى مؤتمر قمة عربي يتدارك الكارثة· وبعد تردد وتمنع جاء الملك "حسين"، وجاء - فيما أحسست - وهو على استعداد لأن يقلب الموائد على الذين حاولوا قلبها عليه· وأمكن بصعوبة تفادي انفجار مؤتمر القمة، وتشكلت لجنتان إحداهما سياسية، والثانية عسكرية لمتابعة الحلول التي توصل إليها الملوك والرؤساء بعد عناء· وكانت اللجنة السياسية تضم كلا من السيد "حسين الشافعي" نائب رئيس الجمهورية، والسيد "الباهي الأدغم" رئيس وزراء تونس، وكنت معهما (عضوا في الوفد المصري كوزير للإعلام ذلك الوقت)، وكنت (ضمن هذه اللجنة) مسؤولا عن التنسيق مع اللجنة الأخرى العسكرية، وكان نظيري فيها الفريق "محمد أحمد صادق" رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية·

واقتضى الأمر أن تلتقي اللجنتان مع الملك "حسين" قبل عودته الى عَمَّان بعد انتهاء دوره في المؤتمر، وقد كان لديه كثير يواجهه هناك·

وذهبت قبل الآخرين بعشر دقائق الى جناح الملك، ووجدته شاعرا بكثير من الضيق والمرارة، وسمحت لنفسي أن أقول له إن بعض ما رآه من زملائه ملوك الدول العربية ورؤسائها يمكن تفسيره بما سمعوا عنه وأحسوا به من علاقات له مع قوى يعادونها وتعاديهم·

وتخلت عن الملك لباقته - أو هو تخلى عنها - لأن صبره نفد، واندفع الى الرد بضيق ولم أشأ مقاطعته مدركا أن مشاعره تتحدث وليس حذره·

أول ما قاله: "إن هؤلاء الذين يعادون الآخرين ويعاديهم الآخرون - أكثرهم منافقون، فهم يقولون في العلن عكس ما يفعلون في السر، وهو على علم، وإذا قرر أن يتكلم فإن بعضهم سوف يلزم الصمت ربما الى الأبد"!

ثم انتقل ليقول: "ماذا يريد مني هؤلاء؟ بلدي في حاجة وهم لا يعطون شيئا، وإذا أعطوا فقطرة قطرة· وبلدي معرض للخطر وليس فيهم من يستطيع أن يبعث جنديا الى خندق أو يطلق رصاصة في اشتباك"·

وضغط الملك على كلامه وهو يقول: "إذا كان بينهم من يتصور أنني أتصرف في سياسة الأردن من موقف يملك ترف الاختيار فهو "يكذب"· إنني أعرف أن هناك من ينتظر حركة "غير مسؤولة" أقوم بها ثم يتخذها ذريعة لابتلاع البلد كله، وساعتها سوف أسمع وأقرأ بيانات تنديد ويذهب الأردن الى حيث ذهبت فلسطين قبله·· هل هذا ما يريده مني··!! (وذكر الملك بعض الأسماء)!

ولاحظت أن الملك لم يتوقف في حديثه عندما دخل الآخرون من الذين كان مقررا أن يراهم قبل سفره (رئيس وزراء تونس - ونائب رئيس الجمهورية المصري - ورئيس أركان حرب القوات المسلحة المصري) - وإنما استمر مكررا ما كان يقول، ومن أوله!

فيما بعد أيضا، وكنت أتحدث عنه مع الملك "خوان كارلوس" ملك أسبانيا، روى لي كيف شرح له الملك "حسين" ذات مرة موقفه·

كان الملك "حسين" مع الملك "خوان كارلوس" يحضران مباراة مصارعة ثيران مهمة في مدينة "أشبيلية"، وبعد انتهاء المباراة راح الملك "خوان كارلوس" يشرح لضيفه أسلوب مصارع الثيران في مواجهة ثور هائج يهاجمه ولا بد لأحدهما أن يقتل الآخر، ودهش ملك أسبانيا حين سمع تعليق صديقه ملك الأردن الذي قال له:

"إنني أعرف ما تتحدث عنه، وأنا أجربه كل يوم في المنطقة التي أعيش فيها، وحالي أخطر من حال المصارع الذي تتحدث عنه، فهو على الأقل يواجه ثورا واحدا، وأنا عندي كل يوم في المنطقة عشرة ثيران على الأقل، وكلها هائجة، وكلها تهجم، وكلها مواجهات يمكن أن تؤدي الى القتل·

ومصارعك الأسباني لديه مساعدون يحملون السنون والحراب، وأما أنا ففي الحلبة وحدي، وأحيانا تجيء اليّ السنون والحراب من وراء ظهري!

وسألني الملك "خوان كارلوس": "هل حسين مبالغ في وصف صعوبة موقفه"؟!

ورددت على الملك، وكنا في مكتبه في قصر "زرزويلا": "إن الصورة فنية ونابضة بالحيوية، لكني في الحقيقة لا أعرف، لأن كثيرا في شخصية الملك يحيرني رغم محاولات من ناحيتي مستمرة لفهمه···"·

ثم جاء كتاب "بن برادلي"·

{9}

سوف يظل معي الى مدى لا أستطيع تقديره - شعور يمتزج فيه نوع من الحزن المبهم ونوع من الندم المتفحم على أنني فوت الفرصة لسؤال الملك "حسين" فيما نشره "بن برادلي" وضمنه خطاب يؤكد ويعزز من رئيس الولايات المتحدة في ذلك الوقت "جيمي كارتر"·

والذي حدث أنني قابلت الملك مرة في قاعة الطعام في فندق "كلاريدج" وكان معه ضيوف لا أعرفهم، ودعاني بعد انصرافهم الى فنجان قهوة تحدثنا فيه قرابة ساعة تركز معظمها علي الموقف في العراق والخليج· وخطر لي في إحدى اللحظات أن افتح السيرة، لكنني على نحو ما لم أجد الهمة الكافية لطرح السؤال الذي يلح عليّ· كان السؤال محرجا، ولم أكن أريد أن أحول السؤال الى استجواب، ثم يتحول الاستجواب الى اتهام تصورت وقتها أنه لا يصح ولا يليق·

وقد عراني فيما بعد شعور اختلط فيه ملمس الشوك بطعم الرماد، وكان ذلك الإحساس هو الذي دعاني الى الاعتذار عن الذهاب الى عَمَّان مرتين دعيت فيهما الى هناك·

وحاولت أن أذكر نفسي بأن الحقيقة ليس لها وجه واحد - وأن السعي للفهم مطلوب قبل التصدي للحكم، لكني هذه المرة لم أكن متأكدا، لأن إلحاح السؤال كان طاغيا فوق أية إجابة عليه!

هل تكفي حشرة الجغرافيا؟ وهل تكفي مشاكل ومآسي التاريخ وعقده؟ وهل تكفي مفاجآت العصور والأزمنة؟ وهل تكفي ضغوط - وحتى أهوال - تجربة شخصية لملك عربي فرضت عليه ظروفه أن يتحرك بسرعة الى حافة الخطر ثم يعود في الثانية الأخيرة بشبه معجزة؟

ثم أين هو الخط الفاصل بين المرونة والسيولة، والممكن وغير الممكن؟

أين هذا الخط الفاصل خصوصا بعد أن تنسحب من الذاكرة أصوات وأصداء نص جنائزي كان في حد ذاته مهيبا وجليلا!

إن الرؤساء الأمريكيين الأربعة (رئيس حالي هو كلينتون، وثلاثة سابقون هم "بوش" و"كارتر" و"فورد" كانوا بين جميع الأدوار في النص الجنائزي - الأقرب الى وضوح المشاعر أمام جثمان الملك "حسين"، لأنهم كانوا الأقرب الي جوهر الحقيقة الوافية الشافية من أي شك!

بعدهم في قائمة وضوح المشاعر كان قادة إسرائيل الذين لم يتخلف منهم واحد عن الوقوف بالصلاة أمام الجثمان، وقد مشوا جميعا صفا متصلا رغم أنهم على الضفة الأخرى من النهر منهمكون في معارك تقارب الحرب الأهلية·

_______

يتبع

طباعة  

يتبع