رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء28ذي الحجة1419 - 5 محرم1420 -14-20 أبريل1999
العدد 1372

التوسط لاختراق القانون في حادثة الدهس وعجز وزير التربية عن تعيين وكيل لوزارته
حادثتان تعرّيان فلسفة بعض أقطاب النظام

كتب محرر الشؤون المحلية:

حدثان سلبيان وغير سياسيين (أو هكذا يفترض) استحوذا على أحاديث المنتديات الشعبية وكانا مجالا خصبا لكتّاب أعمدة الصحف، وذلك بسبب ما فجراه من قضايا محتقنة وبسبب الغياب التام للحكومة عن الساحة السياسية وخلوها من أي فعل أو تحرك إيجابي يحظي باهتمام الناس·

الحدث الأول هو مقتل الطفل محمد عبدالعزيز البداح (9 سنوات) على يد سائق جبان هرب من دون أن يسعف الضحية البريئة· وما ذكر من توسط أحد النواب لإطلاق سراح الجاني، والثاني هو عدم مقدرة وزير التربية علي تعيين وكيل لوزارة التربية التي ظلت من دون وكيل منذ تسلم عبدالعزيز الغانم مقاليدها رغم الأهمية القصوى للوزارة وحيوية المنصب الأول (وكيل الوزارة) الذي يجب أن يدير دفة العمل فيها·

والحدثان رغم تباعدهما فإنهما يعريان الأوضاع في الكويت وبالذات وضع فلسفة بعض الأقطاب الأساسيين في السلطة، ويكشفان الى أي مدى تدهور الوضع السياسي وانفصمت الرؤية·

فلقد تفاعلت قضية مقتل الطفل محمد في حادث مروري مروع هو نموذج بشع لأحداث مرورية قاسية أخرى، وأضافت لاحتقان الكمد والغيظ الذي وصل الى درجة الانفجار من عمليات القتل المنظم بواسطة حوادث المرور التي أصبحت تجني بلا رحمة أرواح أبنائنا وبناتنا دون تمييز وتهشم أجسادهم لتتركهم مقعدين الى الأبد·

لكن هذا الغضب الشعبي المحتقن تجاه ما يحدث والذي كان يروضه التسليم بالقدر الإلهي، قد وجد في وساطة أحد النواب للإفراج عن الجاني في مقتل الطفل محمد وتجاوب رجال الأمن معه في الفترة الأولى الصاعق الذي فجر واشعل الاحتجاج على ما يحدث كما تشتعل النار في الهشيم·

(مخلد العازمي قال إنه توسط بصفته عم الجاني)

لكنه بدلا من أن تحلل عناصر الخلل والفشل والفساد والإفساد التي تعبر عنها مثل هذه الحوادث، التقط منها عنصرا واحدا، وهو مثير بلا شك وهو وساطة النواب لاختراق القوانين، وسلطت عليه كل عدسات المجاهر ونسبت إليه كل المصائب·

ونسيت العناصر الأخرى بما فيها ذات الأهمية القصوى التي أدت الى هذه الأوضاع·

فالحادثة هي قضية مرورية بشعة من تلك الاتي لم يعد باستطاعة الكويتيين التعايش معها أكثر من ذلك وأصبحت تهدد حياة أبنائهم واستقرارهم ويجب أن يوضع لها علاج جاد إن لم يكن حاسما·

والحادثة تعري المسؤولين في جهاز الشرطة الذين لا يرون إلا في المناسبات وأسابيع المرور بينما تكتظ بهم مكاتب الوزارة وفروعها في المحافظات في الوقت الذي يستطيع أن يؤدي %90 من أعمالهم تلك الجهاز المدني ومن الذين ليس لديهم عمل الآن، وحيث يفترض أن يكون موقعهم الشوارع لحفظ الأمن والاستقرار بجميع أشكاله·

والحادثة تكشف الدور التخريبي الذي لعبه وزراء الداخلية المتعاقبون والذي حوّلوا أجهزة وزاراتهم المختلفة من أجهزة لتطبيق القانون الى أجهزة لاختراق القانون فجعلوا لمواطنين بعينهم من أفراد الأسرة الحاكمة ولنواب بذاتهم أو مرشحين للانتخابات كل بدرجته من الحظوة والتسهيلات الحق في اختراق القوانين لتثبيت مواقع أولئك النواب ودعمهم بين ناخبيهم لضمان نجاحهم في الانتخابات وأصدروا الأوامر بذلك، مما جعل أبناءنا من الضباط المخلصين يحبطون وحط من همة من تحفز منهم لتطبيق القوانين لأنهم سيكونون الضحية لذلك وليس الجناة·

 فواسطة بعض النواب لاختراق القوانين هي جزء من هذه التركيبة الخربة ونتيجة لها· وهي ليست في وزارة الداخلية وحدها· ورغم أن الوساطة في حادثة قتل أو الوساطة في حادثة تهريب مخدرات أو··· أو··· وخصوصا من قبل نواب يفترض فيهم أن يشرعوا القوانين ويحاسبوا الحكومة على حسن تطبيقها، هي عملية مقززة ومثيرة للإدانة والازدراء والعقاب، بل إن مجلس الأمة يجب أن يشرع لمحاكمة مرتكبيها، فإن اللوم الأساسي بدرجة أشد والإدانة يجب أن توجه لوزراء الداخلية الذين تعاقبوا على الوزارة وبلا استثناء والذين كرسوا هذا الفساد، لا أن تجير نقمة الناس عن غفلة تارة وبالتضليل في معظم الأحيان لمحاربة الديمقراطية وحض الناس على رفضها والمطالبة بإنهائها، وهذا ما تهدف إليه حملات البعض التي تشن عبر بعض الصحف، ولنتذكر أن ما قبل الديمقراطية هو هيمنة حرامية الاستثمارات والنفط والناقلات·· الخ··· الخ وهذا ما يريدون· لكن لماذا يتعمد بعض حكام هذا البلد أن يفعلوا ببلدهم هذا؟! قبل أن نجيب نلتفت الآن ولتكتمل الصورة الى موضوع تعيين وكيل وزارة التربية الذي أصبح موضوعا لا يصدقه أحد·

 

قصة وكيل التربية

 

منذ أن استقال د· مساعد الهارون وحقيبة وكالة وزارة التربية فارغة تنتظر من يشغلها، وهي وظيفة ذات أهمية قصوى فهي المحرك الأولى لأهم وزارة في الدولة والتي تحمل بين يديها أمانة إعداد وتدريب ثروتنا الحقيقية الدائمة وهم أجيال الكويت المقبلة الذين سيبحرون بها في الألفية الثالثة التي توشك أن تبزغ شمسها·

والمرشح لهذا المنصب الشاغر يجب أن يكون على أفضل المستويات وأكثرها ملاءمة لتطوير التعليم في زمن يتغير فيه كل شيء وتتطور فيه العلوم بسرعة مذهلة· ورغم "أن الجود من الموجود" فإن وزير التعليم قد اختار أفضل من يعتقد هو كوزير وكأستاذ في الجامعة أنه الشخص المناسب لشغل المنصب وهو د· حمود السعدون· وكان اختياره أيضا متوائما مع رأي أغلب قياديي وزارة التربية بمن فيهم بعض من تم تداول أسمائهم لشغل المنصب·

لكن الوزارة ظلت بلا وكيل وتبين أن طلب الوزير الذي هو حق أساسي من حقوقه لأنه المسؤول الأول عن عمل جهازه الوظيفي الذي يحاسب وحده عليه أمام مجلس الأمة والناس رفض· وبالطبع لا يستطيع أحد رفض طلب الوزير إلا رئيس الوزراء· وتبين أن رئيس الوزراء لديه مرشح آخر يدفع به نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع هو عبدالله اللقمان وهو أحد وكلاء التربية المساعدين وقيل إن الرئيس طلب من الوزير ترشيحه، إلا أن الوزير أصر على رأيه بأن يرشح د· حمود السعدون لاقتناعه بأنه الأفضل بالنسبة للوزارة والأكثر تفتحا بالنسبة لمستقبل العملية التربوية·· فلم يحظ بالموافقة· وقيل إن الرئيس طلب بعد ذلك من الوزير أن يرشح أربعة للوكالة يختار هو أحدهم فرشح أربعة ليس من بينهم السيد اللقمان· ويروى أن حوارا دار بين رئيس الوزراء ووزير التربية قال فيه الرئيس إنه لأن الوزير لم يرشح من بين الأربعة من رشحه الرئيس فإنه اختار وكيل الوزارة المساعد عبدالله الرجيب وهو الذي لم يمض في منصبه هذا إلا حوالي الشهرين·

لكن القصص وراء الكواليس لا تنتهي وبينما كان موظفو التربية والناس ينتظرون إعلان الرجيب وكيلا للتربية بالرغم من الاختيار الأول للوزير·· فوجئوا بعدم صدور الإعلان· فما الذي حدث؟!

يقال إنه في اللحظات الأخيرة قبل إعلان تعيين الوكيل الجديد تدخل أحد نواب الحركة الدستورية وبعض قيادات جمعية المعلمين وإحدى الجمعيات "الإصلاحية" لوقف ذلك، لأنهم يعتبرون الرجيب عنصرا مناوئا لهم، وقيل إنه عاكسهم من قبل بل ذهب بعضهم بتصنيفه بأنه معادٍ· ولذلك أوقف إعلان تعيين الرجيب وكيلا وبهذه الطريقة التي يحركها الهوى والأمزجة فتوضع الكفاءة في آخر الأولويات ويصنف ولاء الناس كان المطلوب منهم أن يكون ولاؤهم لأشخاص بعينهم وأن هذا فوق الولاء للوطن·

بهذه الخفة التي يعامل بها إشغال أحد أهم المراكز بالدولة ويوقف الإعلان عنه مراعاة لأحد الأحزاب الدينية، تدار الأمور بالبلاد· ولكن لماذا؟!

 

لماذا؟

 

ما يجمع بين قضية اختراق القوانين عبر الوساطات التي تتم في الجنح الخطرة والجرائم التي تهدد استقرار المجتمع، وبين الاستخفاف بأبسط القواعد والأصول في تعيين وكيل وزارة التربية وتغليب أصحاب الحظوة والمحاسيب والخضوع لأي تيار انتهازي من أجل مصالح خاصة وحسابات قصيرة النظر على حساب المصلحة العامة، نقول ما يجمع بين القضيتين هو شيء واحد، وهو الفلسفة التي يحاكم بها بعض من هم في السلطة الأمور والتي تتحكم في قراراتهم، رغم أنها تبدو عشوائية ومهلهلة·

 

فلسفة بعض الأقطاب

 

رؤية هؤلاء وأولوياتهم هي ما يلي:

إن الديمقراطية مثلما نص عليها دستور 1962 هي تجاوز على "حقوقهم الموروثة" وأنها حدثت لوجود تيار - ولو ضئيل - داخل النظام ديمقراطي النزعة ومتفتح على روح العصر، كان على رأسه الأمير الراحل عبدالله السالم الذي كان رئيس المجلس التشريعي الأول 1939-38، تزامن مع تعاظم التيار الشعبي المطالب بالحرية والديمقراطية ومع استقلال البلاد وحاجاتها الى حفظ أمنها عبر ترسيخ احترام العالم لنظامها·

وأن هذا الدستور في رأي بعض أصحاب السلطة قد أعطى لأبناء الشعب ما لا يستحقون، وأنه يجب أن يسترد ذلك بأية وسيلة من الوسائل وكلما سمحت الظروف· ولذلك فإن من أولويات هؤلاء تخريب الديمقراطية هذه بضربها في عقر دارها - مجلس الأمة - بشتى الوسائل بعد أن فشلت محاولات التزوير وتعديل الدستور، ومن ذلك أن يفرغ المجلس من محتواه الرقابي والتشريعي بالتحكم بنوعية النواب الذين ينجحون في الانتخابات العامة كلما استطاعوا، عن طريق إباحة الرشوة بل وتمويلها، وعن طريق فتح جميع مؤسسات الدولة ووزاراتها لبناء نفوذ مرشحي السلطة ونوابها بالواسطة لتمرير مصالح الناس وحجبها عن الآخرين حتى لو كانت قانونية، بل وحتى باختراق القوانين لضمان نجاحهم في الانتخابات من أجل التحكم في مجلس الأمة·

ولذلك تحدث هذه الاختراقات للقوانين كالتي تحدث يوميا في وزارات الدولة وأولها وزارة الداخلية حيث إنها هي التي تحقق في الجنح وتهيمن على السجون وبيدها صلاحيات المخالفة والقبض والإفراج عن المتهمين·· وأن كل ذلك يتم بتدبير وليس اعتباطا ولا فوضي·

كما يحرص من يمسكون بزمام السلطة باختيار حكومات هزيلة لا تمارس دورها الدستوري بممارسة الحكم بل تكون واجهة لمن يمارسون الحكم ويخترقون باسمها القوانين من دون تململ أو احتجاج مع أن من صلاحياتها الدستورية كهيئة تضامنية أن تحدد السياسة العامة والخاصة التي يجب أن تنتهجها الحكومة·

وبسبب ذلك أيضا، لا يحق لوزير في وزارة هزيلة أن يعين رئيس جهازه الفني ويصر عليه بل هو يرضى بأن يتجاوزوه من دون احتجاج يذكر· ولذلك يتم التعامل مع تعيين وكيل وزارة التربية بهذه الطريقة من الاستخفاف· حيث إن الأولويات بالنسبة للبعض هي ضمان الولاء الشخصي من جهة وتقويض عمل المؤسسات كما نص عليه الدستور للاستفراد المطلق بالسلطة وليس من الأولويات مصالح البلاد وأجيالها الناشئة من قريب أو بعيد·

ولذلك أيضا يذهب البعض الى أقصى مدى في محاولات العبث في موازين العدالة أو عرقلة أداء السلطة القضائية، وهي السلطة الثالثة في الدستور ليتم تقويض الدستور بسلطاته الثلاث·

ومن هنا فإن تطور وتداخلات الحادثة المفجعة التي أدت بوفاة الطفل محمد بداح، والتطورات التي أودت بتعيين د· حمود السعدون وكيلا لوزارة التربية تنطلق من فلسفة واحدة ورؤية واحدة لكيفية إدارة البلاد ولمصلحة من، والتي تقود البلاد سريعا الى الهاوية· وعليها وحدها يجب أن نركز اهتمامنا·· حتى لا نضيع ونغرق في التفاصيل·

طباعة  

النواب: غياب النِصاب تهديد للنظام الديمقراطي
 
الدولة دفعت 4144 مليوناً وقبضت 1486 مليون دينار!
 
جاسوس يوغسلافي داخل "الناتو"
أسابيع من القصف المركز... تمهيداً للقوات الأرضية

 
تكتيك ذكي أم ضربة حظ؟
كيف أُسقطت الشبح؟!

 
اسم البصير على مؤسسة ثقافية
 
في حادث الاعتداء على دكتور الشريعة
المعتدون أصحاب سوابق صدر بحقهم أحكام في السعودية

 
العدساني: لا حاجة لوسطاء الأسلحة