رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء28ذي الحجة1419 - 5 محرم1420 -14-20 أبريل1999
العدد 1372

أفق

اللغة في فخ (ظلم المرأة)!

 

الكسرة هذه الشرطة الصغيرة التي تتمنى للجميع دوام المحبة والمساواة، وتمنح نفسها للغة لتمكينها من صياغة كلماتها وإعراب جملها، تعبيرا عن كونها إحدى الخدمات اللسانية العريقة التي تعطي اللغة مجراها بين الناس وسيرورتها في المجتمع· وهي توضع تحت الحرف كبديل رمزي عن "ياء مخففة" اتصلت به، لتمثل صورة للمرادف العربي الرقيق للحرف الإنجليزي النشط (E)، وتشير الى سمة لغوية عبارة عن "فعل لساني" وتوجد في جميع اللغات واللهجات البشرية منذ القدم حتى الآن· وتسميتها في اللغة العربية بـ"الكسرة" لا يعني وجود ارتباط عضوي بين هذه التسمية وتلك السمة، بل ذلك يعبر عن أن التسمية "دال" يعطي تصورا ذهنيا عن "مدلول" وهو شيء موجود يتمثل في ذلك الفعل اللساني أو تلك السمة اللغوية، ويحسن عندما نتناول أحدهما بالحديث والمعالجة أن نفرق بين الدالّ "الكسرة" والمدلول "الفعل اللساني" حيث إن تقرير مشكلة ما في "الدال" هو عمل لغوي بحت لا يخرج صلاح دبشةعن نطاق التحديدات الاصطلاحية أي التسميات، فتنحصر المشكلة في التسمية من حيث صوابها وخطئها، أما تقريرها في "المدلول" فهو عمل بيولوجي مهاري يدخل في دائرة الخبرات اللسانية فتدور المشكلة حول لزوم فعل النطق المحدد أو تعديله أو تركه· وقد خلط د· جلال الخياط بين الدال والمدلول أي بين الكسرة والفعل اللساني، فاعتبر الدال مهينا ليغير في المدلول·

ولهذا يمكن لنا أن نتواطأ على تسمية أخرى للدال غير "الكسرة" لتأخذ مجراها تاليا في علاقاتنا المعرفية باللغة، ونفضل أن يؤسس ذلك على بصيرة فكرية تمنحنا "اسما" لا يرحب بالتحميل الأيديولوجي، من حيث يحيل الى معان تعبر عن الدونية والذل مثلا كما يحصل لمفردة الكسرة التي أحالت د· الخياط الى معنى الانكسار والمهانة، ولأن الأنثى ترتبط بهذا الانكسار بسبب التكريس الزمني للأفكار الجزائية رأى أستاذنا الفاضل أن اللغة بدورها تمارس عملا تحقيريا ضد المرأة من خلال توزيعها علامات الإعراب مثلا فالكسرة للأنثى والفتحة للرجل، وتطرق الى ذلك في جمع المؤنث السالم تحديدا فعندما ينصب تكون علامة النصب "الكسرة" لا "الفتحة" كدلالة على الإذلال، ليدعو الى معالجة اللغة متمركزا على ثنائية (الرجل والمرأة) وبمعطيات الأيديولوجيا ذات الصلة بالإهانات التاريخية للمرأة، لتفرض عليه مسبقا عنصرية اللغة وتحزبها· ومن دون أن يعين - وهذه مشكلة أخرى - الحدود المعرفية الفاصلة في اللغة بين المنطوق والمكتوب، وعوامل تشكلهما خلال الزمن والتغيرات التي طرأت عليهما في هذه المسيرة، فنحن لا نعرف حتى الآن "تاريخ الكسرة" أو الفتحة أو الضمة تفصيلا، والأبعاد النفسية لبدايات الترسيخ اللغوي لكل منها، وكذلك الآفاق الذهنية أو العاطفية التي بررت أو أوعزت الى ربط حركة صوتية معينة بنوع الجنس منذ زمن الأوائل، وذلك لنستطيع - في نهاية الأمر - أن نقرر حكما في هذا الشأن بدرجة عالية من الوعي، إذ كيف نقرره الآن على شيء يقبع جزء كبير من ملامحه التكوينية في مناطق معتمة من التاريخ؟!

إن اختيار البضاعة المناسبة وإغفال غير المناسبة بل المضادة أحيانا من أجل إنجاز فكرة مختمرة في المحيط الذهني تصدر حكما شموليا على البضاعة كلها هو عمل تلفيقي بالدرجة الأولى، فتأمل إذا قلنا إن اسما مثل "فاطمة" ممنوع من الصرف أي أنه لا يجر بالكسرة بل بالفتحة، وكذلك كل الأعلام المؤنثة التي على هذه الشاكلة، فلماذا ذلك؟ وأيضا في الضمير الذي يكون مضافا إليه كما في عبارة (مقالتِهِ) فحرف الهاء أو الضمير يعود الى مذكر ولكن وضعت تحته (الكسرة)، وفي عبارة (مقالتها) فالهاء تعود الى مؤنث ولكنها أخذت "الفتحة"، فلماذا؟· واللغة تمتلئ بذلك مما يجعل الأسئلة كثيرة ومتعارضة، واتهامها بالانحياز قد يأتي من "مزاج فكري" يمكن بحسبه القول بأن اللغة مذكرة، ونسعى لدعم ذلك باستقصاء شواهد عديدة تمنحها اللغة، وكذلك القول بأنها مؤنثة باستقصاء شواهد أخرى تمنحها اللغة، ولكن المزاج هنا يغفل عن مفهوم الاتزان المعرفي في تناول الأشياء، وبمعنى أبسط يلغي الحيادية، ليحقق نتائج تولدت أصلا قبل البحث· وفي حالة أخرى قد تأتي تهمة الانحياز من (عنف مضاد) لواقعية المجتمع السيئة تحول مجراها الى حقول معرفية (كاللغة) قابلة للجدل ليحقق انتقاما رمزيا، أي أن التهمة ليست بسبب وجود الخصومة في اللغة ذاتها، وفي هاتين الحالتين يبرز الجانب الانتقائي للتفسير والميول النفسية التي تعززه، وببساطة لو كانت كلمة "الجرة" مثلا بديلا عن "الكسرة" لتغيرت المشكلة وأخذت وجها ثانيا وتفاصيل أخرى (وهذا يعني أن المصطلح أو العنوان بحد ذاته يكون باعثا حقيقيا لصياغة مشكلة يتم توجيهها الى المضمون والمطالبة بمعالجته)·

طباعة  

أخبار ثقافية
 
في احتفالية العيد الأربعين لمجلة العربي
سمو ولي العهد: "العربي" ساحة مفتوحة وحرة لكل من يثري العقل ويساهم في تقدم أمتنا

 
مجلة العرب أنهت احتفاليتها الحافلة بالندوات
"العربي" الزائر الشهري الأجمل·· بكل بيت عربي

 
إصدارات
 
عقد اجتماعه التأسيسي في رابطة الأدباء
"الملتقى الثقافي" أصبح على سكة الحياة الثقافية

 
منتقدة الواقع الثقافي للطفل الكويتي
أمل الغانم: لا يمكن لمسارحنا المهترئة أن تسمو بأذواق أطفالنا

 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس
 
قصائد