وكانت تلك دعوة راجعة عكس حركة الزمن، وربما أن بعض آثار الماضي البعيد جرى استخراجها من حفائر طبقات غائرة في تربة التجربة العربية والإسلامية وأعيد بعثها لكي تخدم مطالب مستجدة وطارئة، ومع أن تلك كانت علة ملائمة أخذ بها الإجليز في ظروف الحرب العالمية الأولى، فإن الاستمرار فيها وتحويلها الى سياسة - شملت صياغة اسم البلد ذاته (المملكة الأردنية الهاشمية) - أصبح مخاطرة لا لزوم لها لأنها تضفي على بعض التصرفات الصحيحة أو الخاطئة مسحة من العصمة تصد عنها حق الدرس والمناقشة والتقييم بدقة وموضوعية وبدون تحرج من رموز يعاد بعثها بعد زمانها!
وليس هناك شك أن مسار التاريخ عرف أدوارا عظيمة لرجال ونساء من الهاشميين لكن هذا التاريخ لم يعرف مسؤولية معينة موكولة الى أسرة بعينها ويكون على الجميع أن يسلموا لها بما يترتب على ذلك من حقوق، بما في ذلك عصمة تغطي على أي قول أو فعل·
لكن بعض أمراء الأسرة الحاكمة في عمان بالذات بالغوا في تقديم الأسطورة الهاشمية وجعلوا منها حقيقة سياسية ليس يحق إنكارها، ووصل بعضهم في المبالغة الى بعيد!
وأذكر أنني ناقشت الملك "حسين" في ذلك مرات، وكان يأخذ ويعطي، لكن الغريب أن آخرين كانوا على تصميم أن يأخذوا فقط! ومن المفارقات أن الأمير "حسن" شقيق الملك "حسين" الذي نُحيِّ عن ولاية العهد في ظروف وملابسات لم تعد الآن سرا· كان يشرف على مؤسستين: أولاهما تحت اسم "المنتدى" واختصاصها أن تكون مركز للدراسات السياسية والاستراتيجية، أما المؤسسة الثانية فقد كان اسمها "مؤسسة آل البيت"، وهو وصف ملتبس الى درجة التلغيم بما لا داعي له من مظان·
وأتذكر أنني (ما بين سنتي 1995 و1998) كتبت ونشرت تفصيلا وتحليلا عن دور - أو حلم - يتصوره الهاشميون لأنفسهم في مستقبل العراق· وكان الأمير "حسن" عندما يعن له أن يناقشني في قضية يكتب الى بمودة ورغبة في الإقناع - لكنه في تلك الفترة آثر أن يبعث الي برسائل شفوية مع صديق له ولي، وكان مؤدى رسائله:
"إنني تجنيت على الهاشميين بما ذكرت عن نواياهم في مستقبل العراق، وذلك قدر الهاشميين أن يظلمهم الناس عبر عصور التاريخ وأن يشككوا في مقاصدهم ويروا في تصرفاتهم ما ليس من طبائعهم· ويظنوهم أطرافا في خطط خفية، وتحركات سرية، ومغانم يريدونها لأنفسهم غيلة من حق غيرهم - وليس ذلك إنصافا"·
ثم تضيف الرسائل الشفوية ما مؤداه:
"إن الهاشميين لا يعرفون ما يسمى بالتعبير المصري الشائع "تدبير المقالب" للإخوان أو للشعوب أو للأمة"·
وفي الأسابيع الأخيرة وحين كانت عمّان مسرحا لكل ما جرى فيها، خصوصا للأمير "حسن"، فقد هممت أكثر من مرة أن أبعث إليه برسالة أسأله إذا كان متأكدا من أن "تدبير المقالب" على فرض صحة إسناده الى تعبير مصري - ليس له مقابل هاشمي؟!
······
(والآن طلب إذن للخروج عن النص:
أقول فيه إنني كنت أتمنى لو أتاحت لي الظروف أن أرى الأمير "حسن" وأن أسمع منه وجهة نظره فيما جرى، لكن ذلك لم يحدث، وإنما حدث شيء آخر هو أنني سمعت نقلا عنه من أحد أفراد أسرة ملكية أوروبية التقاه في مناسبة العزاء وزاره في نهاية يوم طويل مرهق وثقيل·
إن الضيف الملكي الأوروبي الذي أحجب اسمه بناء على طلبه ــ سأل الأمير "حسن" عن تفسيره لتصرف أخيه معه؟ وكان رد الأمير "حسن" أن دهشته مما حدث لا تقل عن دهشة "سائله" فقد كان آخر ما تلقاه من الملك قبل وصوله إلى الأردن بأسبوع "وهي عودته الأخيرة لبلده والتي أجرى خلالها تغييرات على قمة السلطة وضمنها عزل شقيقه عن ولاية العهد" ــ هو خطاب حمله إليه أحد مرافقي الملك، وكان مكتوبا بخط يده وموجها إليه باعتباره "أخي ــ وقرة عيني ــ وولي عهدي"· وفي هذه الرسالة أعطى الملك لشقيقه توجيهاته بما يريد أن يكون عليه استقباله في المطار، بما في ذلك من يستقبله داخله ومن يستقبله خارجه، وكيف يكون موكبه! ــ وفي هذا الخطاب نفسه طلب الملك أن تكون هناك سجادة جاهزة للصلاة موجهة إلى القبلة قبل نزوله من الطائرة· وكانت الإشارة الوحيدة الملفتة للنظر أن الملك قال لولي عهده "أنه يريد أن يطوف موكبه بشوارع عَمَّان الرئيسة، وأن تكون مسيرة الموكب كله مذاعة مباشرة على الهواء مهما أخذت من الوقت لأنه يريد أن يشكر "أسرتنا الكبيرة" ثم أضاف الملك "أنه يرى ألا يركب معه شقيقه لأن ظروف الأمن ــ مع دقة الموقف ــ تقتضي ألا يكون الملك وولي عهده معا في السيارة نفسها"!
وروى الأمير "حسن" لضيفه مستغربا "أنه ذهل من الخطاب الذي وجهه إليه الملك علنا وحوى ُتَهمًا لم يكن لها سبب" وقد أدهشه أن الخطاب على قسوتة أعطى لكل وسائل الإعلام قبل أن يقرأه هو، وكان يتوقع على الأقل أن يسأله شقيقه فيما بلغه عنه وأن يسمع دفاعه·
وعلى سبيل المثال (طبقا لما قاله الأمير "حسن") فهو لم يعترض على طلب الملك أن يكون أحد أبنائه "أبناء الملك" وليا للعهد بعد الأمير "حسن" وإنما كان موقفه هو الحرج من طرح مسألة الخلافة على هذا النحو الصريح بينما الملك مازال على قيد الحياة، و"مع ذلك فإن الملك لو أراد لكان له حق الأمر في ولاية العهد وليس طلب الرأي"·
وكانت رواية الأمير "حسن" أنه على العكس من كل ما قيل كان حريصا على شعور شقيقه رغم أن جهات دولية أبلغته أن "الملك في عداد المُنتهى" ــ وكان هناك من طلب منه ترتيب الأمور علي هذا الأساس، ولكنه ــ من جانبه ــ رفض لأنه يم يتصور أن يتصرف على أساس أن شقيقه "ميِّت" فيما هو على قيد الحياة ــ لا يزال!
وقال الأمير "حسن" أيضا إن أصعب ما واجهه في حياته بعد إذاعة خطاب الملك العلني بأسباب عزله ــ هو كيف يشرح لأبنائه ما وقع له دون أن يعرِّضهم "إنسانيا لصدمة" أو يضع ولاءهم "للأسرة" و"للملك" في امتحان عسير·
وقال الأمير "حسن" أيضا إن "خلعه عن ولاية العهد بطريقة تشبه الانقلاب" وضعه في حرج شديد إزاء آخرين· فلسنوات طويلة "خمس وثلاثين سنة" تعامل معه كثيرون باعتباره وليا للعهد ونائبا للملك، وقد تعاملوا معه "بوصفه الرسمي وليس بصفته الشخصية، وبعضهم بسبب طبيعة المسؤوليات الموكولة إليهم اقتربوا منه درجة أنهم "حُسِبوا من رجاله"· ومبعث الحرج الذي يحس به "الأمير" الآن هو أن الطريقة التي خرج بها، أو عُزِل بها، وضعت الذين تعاونوا معه جميعا في "خانة" المشتبه فيهم أو "على الأقل غير الموثوق بهم" وهذا يصيبه بكثير من عذاب الضمير حيالهم وهو يجد نفسه حتى عاجزا عن أن يتصل بهم ولو "ليعتذر"!
وأكد الأمير "حسن" لضيفه أنه عندما سمع أن قلب شقيقه تغير عليه نتيجة لعملية تحريض كبرى ركزت عليه وقت مرضه، طلب منه أن يطلق النار عليه إذا خالجه الشك في ولائه ــ "ولكن لا تترك أحدا يدخل بيننا"· وتدخلت زوجته الأميرة "ثروت" في الحديث بين زوجها وضيفه ــ تنفي ما نُسب إليها من أنها زارت أحد القصور الملكية وأجرت فيه اصلاحات وكأنها أصبحت بالفعل ملكة جلست مع زوجها على العرش·
وقالت الأميرة "ثروت" إنها حزينة أن يقال هذا الكلام لأن الحقيقة كانت شيئا مختلفا وطبقا لرواية الأميرة "ثروت" فإنها أُبلغت رسميا أن زوجة رئيس ألمانيا التي كانت مع زوجها في زيارة دولة إلى إسرائيل "17 نوفمبر 1998" أبدت رغبتها أن تجيء إلى الأردن لكي تزور آثار "بترا" إن زوجة رئيس ألمانيا قالت: " إنها لا تتصور أن تكون قريبة إلى هذه الدرجة من أثر له شهرته العالمية دون أن تزوره بينما هي الآن على خطوة قدم منه"· ورأت الأميرة "ثروت" أن تتأكد من أحوال القصر الذي سوف تنزل فيه قرينة الرئيس الألماني، فذهبت وأطلت عليه وكان القصر مهملا بسبب غياب الملك وأسرته عندما كان يعالج في "مايو كلينيك" "بالولايات المتحدة" وقد أشارت الأميرة "ثروت" ببعض الإصلاحات "وبهدف تنظيف القصر بحيث يكون لائقا بضيافة زوجة الرئيس الألماني - وهذا هو كل شيء"· إن الضيف الملكي الأوروبي الذي سمعت منه استطرد قائلا لي: "إنه تأثر إلى أبعد مدى حين سمع صديقه الأمير "حسن" يقول له وهو يودعه "أن ماجرى حرمني حتي من حق البكاء على أخي، فلا أستطيع الآن أن أذهب إلى قبره إلا في الليل حتى لا يراني أحد يضايقه وجودي أو يضايقني وجوده"!
وإلى هنا ينتهي هذا الخروج على النص بعودة إلى سياقه الأصلي"
·····
ولما كان هدف هذا الحديث كله هو الفهم قبل الحكم - فلابد من الاعتراف بأن الهاشميين في بعض الظروف كانوا ضحايا تجربة صنعوها وصنعتهم ــ لكنه من سوء الحظ أن الأمة دفعت ضرائب هذه الظروف، وكذلك دفع "الهاشميون"·
وربما كان الملك "حسين بن طلال" نفسه أكثر دافع لضرائب المشكلة والمأساة، وقد بدأ "حسين" يدفع وهو صبي في الثانية عشرة من عمره تصادف وقوفه بجوار جده الملك "عبد الله" على أبواب المسجد الأقصى بعد انتهاء صلاة الجمعة في أحد أيام شهر يوليو1951، وكان الذي أطلق عليه الرصاص فلسطينيا ـ ضمن مليون فلسطيني أضيفوا إلى رعاياه حين أضاف إلى ملكه ما تبقى من فلسطين - ولم يكن هذا الفلسطيني الذي أطلق الرصاص مقتنعا بالغطاء الهاشمي عصمة كافية لتصرفات الملك "عبد الله" في فلسطين·
وكان الرصاص المدوي والدم المسفوح على عتبات المسجد الأقصى بداية وشم التاريخ بالحريق على لحم صبي هاشمي بدأ يواجه قدره ويستعد لدوره - ملكا على الأردن لمدة ست وأربعين سنة!