· بعض الشهادات التي احتواها النص الثالث الجنائزي بدت تزيدا على السياق ومبالغة لا يقتضيها حواره· ومن ذلك ما يقال إن الملك حسين كان عميد السياسة في الشرق الأوسط وكان أعظم شخصية في القرن العشرين، وكان ملاذ الشعوب يتجه إليه الجميع لطلب الرشد حين الحاجة إلى النصح
· كانت الساعات بين أداء الصلوات شكرا وتصفية الحسابات مع الشقيق علنا مأساة إغريقية، تؤكد لمن يهمه الدرس أن الحضارة والتكنولوجيا لم تتركا في العالم الثالث إلا خدوشا على السطح، وأما تحت السطح فمعظمه لا يزال حيث كان قبل قرون من الزمان··
· كان أنين موسيقى القرب الاسكتلندية وآهات النفخ في الأبواق على حواف القبور أقرب إلى تقاليد الجيش البريطاني في دفن قتلاه أثناء حروب المستعمرات، منها إلى أي موروث عربي أو إسلامي
· أربع أزمات عربية ظهر على خلفيتها ظل الملك وصورته، والأزمة الأخيرة منها كشفتها هيئة الإذاعة البريطانية في برنامج قدمته أواخر 1998، في مناسبة مرور خمسين عاما على إنشائها، أن الملك حسين ذهب يوم 25 سبتمبر 1993 إلى مقابلة سرية مع رئيسة وزراء إسرائيل "قبل زيام من 6 أكتوبر 1973" وحذر جولدا مائير من أن مصر وسورية تدبران لشن معركة مفاجئة ضد القوات الاسرائيلية
· أمامنا الآن ما يؤكد - صريحا وموثقا - أنه على طول الفترة من سنة 1957 إلى سنة 1997 كان اسم الملك حسين على قائمة المرتبات السرية في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية·· وكانت تلك هي السنوات التي شهدت انقلاب الأردن 1957، وانفصال الوحدة المصرية - السورية 1961، والحرب في اليمن 1962، والنكسة 1967 ثم حرب أكتوبر 1973
محمد حسنين هيكل
يكتب:
نظرا لأهمية محتوى هذا الموضوع / الكتاب من حيث كشفه لجوانب مهمة من حياة الملك حسين، فإن الطليعة تنشره رغبة منها في إفادة قرائها· وننوه بأن الموضوع هو عبارة عن عرض وقراءة الصحفي المصري محمد حسنين هيكل لكتاب: الملك حسين: حياة على الحافة KingHussein: Alife on the Edge من تأليف: رولاند دالاس - 1998 وقراءة هيكل منشورة في مجلة الكتب "وجهات نظر" العدد الثالث أبريل 1999 - القاهرة·
{1}
" " إذا كان هناك دليل مادي مطلوب لكشف أحوال العالم العربي في نهاية هذا القرن العشرين - فإن مشهد جنازة الملك حسين ملك الأردن الراحل - هو ذلك الدليل المادي المطلوب!
وفي حقيقة الأمر فإن هذا المشهد - فكرة وإخراجا وعرضا - كان إنتاجا جديدا لنصين متشابهين سبقاه، الأول جنائزي أيضا وهو تشييع جثمان رئيس وزراء إسرائيل الأسبق "إسحاق رابين" (شتاء 1995)، والثاني لحسن الحظ نص احتفالي هو مؤتمر شرم الشيخ لمقاومة الإرهاب (ربيع 1996)·
والآن هذا الموكب الجنائزي في عمان·
الصور هي هي، والنجوم نفس الوجوه، والحوار تسلسل طبيعي، والمغزى، أو المعنى، أو الهدف متقارب، ومقصده:
ü استيعاب صدمة مفاجئة في الشرق الأوسط جاء بها الموت أو الاغتيال أو التفجيرات الفدائية·
ü العمل على تثبيت مواقف الأطراف فيما يسمى بالمسيرة السلمية في المنطقة - عند الحد الذي بلغته، وضمان ألا يتراجع أحد بمظنة تغير الظروف·
ü وانتهاز الفرصة للتفتيش وسط فوضى المصائب عن فجوة يكون منها مخرج ولو بالهرب الى الأمام خطوة إذا أمكن أو خطوات!
وتلك مطالب لا تتصل بالأشجان أو الأحزان، وإنما تتصل بممارسة القوة سواء باستغلال جلال الموت أو وحشة القبور·
وليس في ذلك كله ما يسيء الى جنازة الملك "حسين"، فلقد كانت جنازة مهيبة جليلة في نواح عديدة منها، خصوصا عندما تدافعت مشاعر الناس العاديين في الأردن وقد خرجوا يودعون رجلا لم يعرف معظمهم في حياته حاكما غيره، وهم إذ عرفوه تعودوا عليه، وحتى حينما كانت التقلبات الحادة تجنح بسياساته على هذا الشاطئ أو ذاك فإنهم كانوا على اطمئنان طول الوقت معه، متأكدين من مرونته، واثقين أنه في الثانية الأخيرة من الدقيقة الأخيرة سوف يجد لنفسه ولهم شبكة أمان يقفز إليها الجميع·
إن ذلك التقدير لدور الملك ومشاعر الناس من أبناء شعبه لا يحجب ملاحظات يصح تسجيلها:
أولها: أنه من المؤكد الآن أن الملك عاد من الولايات المتحدة الأمريكية وهو في حالة "موت طبي"، وكانت الأجهزة الصناعية وحدها تستخرج أنفاسه، وتستبقي دقات قلبه وإن علي وهن!
وفيما يبدو فقد كانت تلك فسحة من الوقت مطلوبة لعودة الملك الى وطنه، ولمنح بعض الضيوف فرصة استعداد للسفر الى عمان (وقد أعلن البيت الأبيض في واشنطن يوم الجمعة 5 فبراير أن الرئيس كلينتون سوف يكون في عمان يوم الاثنين 8 فبراير - وهكذا كان) - ولم يكن "كلينتون" وحده هو الذي يجب أن يستعد، وإنما وقع الاتفاق مع آخرين بأن يكونوا هم أيضا على استعداد·
وربما أن فسحة الوقت كانت مطلوبة - أيضا - لإتمام الترتيبات العملية والأمنية للجنازة بما فيها أن تتعرف القوات المشاركة في الموكب على مسالكها وسط العاصمة الأردنية·
وزاد على ذلك - كما تَكَشَّف فيما بعد - أن فسحة الوقت كانت مطلوبة لتسوية خلافات بين أطراف العائلة خصوصا في شأن ولاية العهد· وكان الملك "حسين" من الأصل يرغب أن يخلفه ابنه (من الملكة نور) الأمير حمزة، ولم تمكنه نصائح دولية وإقليمية من إنفاذ إرادته فأعاد الأمر الى الأكبر من أبنائه وهو "عبدالله"، ثم أصر على ولاية العهد لـ"حمزة" متخطيا بذلك أربعة من أبنائه بينهم اثنان من أم ولدت عربية مسلمة هي الملكة "عالية" (طوقان) التي قتلت في حادث سقوط هليوكوبتر سنة 1977"! (1)·
ويبدو أن مجلس الوزراء الأردني لم يكن مطمئنا الى توصل أفراد الأسرة لحل سريع، ولذلك اتفق مع الأمير "عبدالله" على أداء اليمين الدستورية نائبا للملك دون انتظار - لكنه في اليوم التالي مباشرة نادى به ملكا - لأن الخلافات العائلية أمكن تسويتها على نحو غير متوقع في الساعات القليلة التي فصلت بين يمين النائب، ويمين الملك!
ثانيها: أن مراسم الجنازة طالت بأكثر مما هو ضروري - خمس ساعات تقريبا - ولئن قيل إن ذلك كان ضروريا لإظهار تَعَلُّق الشعب بملكه، فإن ذلك القول ينسى أن مشهدا حقيقيا أو صورة صادقة، بل دمعة صامتة - تستطيع وفي لمحة بصر إظهار ما تعجز عنه مواكب بطول عشرات الكيلومترات·
ويندرج تحت هذه الملاحظة أن بعض المواقف في مراسم الجنازة بدت مستغربة الى درجة توحي بأن جهات متعددة تشاركت أو ادخلت في وضع الترتيبات:
ü وعلى سبيل المثال فإن الحصان الذي لا يركبه فارس ويتدلى الحذاء الطويل لذلك الفارس مقلوبا على الجانب الأيسر للسرج - لا يتصل مباشرة (2) بتقليد عربي أو إسلامي، وإنما بتقليد أمريكي يرجع الى أيام غزو الغرب والحرب الأهلية بين الولايات· ونفس الشيء ينطبق على طقس إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان راحل مسجى أمام زواره، فذلك طقس بدأ في أوروبا وشاع في ظروف الحروب الصليبية حين كان رفات المحاربين يعود من الغربة الطويلة في الشرق ثم يعرض أمام الأهل والأقارب والأتباع لنظرة وداع قبل الغياب النهائي!
ü يلحق بذلك أن أنين موسيقى القرب الاسكتلندية وآهات النفخ في الأبواق على حواف القبور أقرب الى تقاليد الجيش البريطاني في دفن قتلاه أثناء حروب المستعمرات (في الهند مثلا) - منها الى أي موروث عربي أو إسلامي·
ü وربما أن موكب العزاء الطويل الذي اضطر فيه الملك "عبدالله" وإخوته الى مصافحة أعداد هائلة من الناس وتجاذب الحديث مع معظمهم بعد انتظار طويل لدورهم في الصفوف، وبينهم ملوك، ورؤساء، ووزراء، وسفراء، وقواد جيوش، وزعماء أحزاب، الخ - كان الإسهام العربي البارز في مشاهد الجنازة، وربما أريد له أن يسترجع العادات القبلية والعشائرية!
وثالثها: أن كثيرا من الكلام الذي قيل في مناسبة الجنازة وبعدها تجاوز ما يخص الملك "حسين" نفسه· والحاصل أن الملك كان إنسانا يملك صفات تلفت النظر، وله مواقف شديدة الأهمية، ومحاولات أخذته جريئا الى مهاوى الخطر·· ولكن بعض العبارات والشهادات التي احتواها النص الثالث الجنائزي بدت تزيدا على السياق ومبالغة لا يقتضيها حواره· ومن ذلك أن يقال إن الملك "حسين" كان "عميد السياسة في الشرق الأوسط"، وكان "أعظم شخصية في القرن العشرين"، وكان ملاذ الشعوب "يتجه إليه الجميع لطلب الرشد حين الحاجة الى النصح"·
وكلها تجاوزات تسيئ الى الرجل بغير ذنب، لأنه لا شيء يسيئ الى رجل أو الى حدث مثل المبالغة حين تجمح عن حدودها المنطقية!
وأحسب أن الملك "حسين" نفسه لو عاد للحياة بمعجزة سوف يكون أول مستغرب لما قيل عنه بعد وفاته ولم يسمع منه شيئا في حياته، ولعله كان يفعل كما فعل "ونستون تشرشل" رئيس وزراء بريطانيا حين ذهب إليه مساعده "ويليام ديكون" يحمل مقالا عنه كتبه الأستاذ "إيشيا برلين" أستاذ الفلسفة بكلية "جميع القديسين" في جامعة "أوكسفورد"، وكان المقال مغاليا في إشادته بمزايا "تشرشل" والتحدث عن عظمته وعبقريته، ويظهر أن "برلين" كتبه في ساعة نشوة وانبهار· وقرأ "تشرشل" المقال وأعاد قراءته ثم كتب على هامشه بخط يده جملة واحدة نصها: "Too good to be true" وترجمتها: "جميل جدا الى درجة أنه لا يمكن أن يكون حقيقيا"!
وإنصافا للمنطق - قبل الإنصاف للملك أو للرجل - فإنه ليس في مقدور سياسي مهما فعل أن يتجاوز بدوره موارد بلاده المادية والمعنوية· والأردن وطن عربي كريم، لكن النفوذ لا تصنعه فضائل البشر، وإنما تفرضه عوامل أخرى·· إلا في حالة الأنبياء والرسل، وتلك مسألة مختلفة! ومهما يكن فإنه في حالة الحشد الدولي الكبير حول جثمان الملك "حسين" فقد يكون للتجاوز والمبالغة مطلب إضافي هو تبرير هذا الوجود الدولي الكثيف مع عدم الرغبة في البوح بأهدافه الحقيقية الأصلية! وهي أهداف جرت الإشارة إليها من قبل وبينها: "استيعاب صدمة - وتثبيت موقف - وانتهاز فرصة"·
وبهذا المقياس فإن جنازة "رابين" كان هدفها الرد على اليمين الإسرائيلي الذي قام باغتياله، ومؤتمر "شرم الشيخ" كان هدفه الرد على اليمين(!) الإسلامي الذي فجر قنابله البشرية في القدس وتل أبيب، وجنازة الملك "حسين" لها بالقطع هدف سياسي إضافي ومستجد (سوف يزداد ظهوره فيما بعد) وذلك هو التفسير الوحيد والمقبول للطريقة التي تم بها ترتيب جنازة الملك - خصوصا إذا تذكر ذاكر ما كان يكتب عنه أيام حرب الخليج (1991-1990) ثم يقارنه بما كتب عنه - وهو نفس الرجل - حين مرضه ووفاته (1999-1998) ثم يتضح بهذه المقارنة أن هناك عدوانا على حرمة الوعي - وعلى كرامة العقل في آن واحد!
ولو اتُّخذ الإعلام المصري مقياسا ورصد راصد ما كان يقال ويكتب حين نشر الملك "حسين" ما أسماه بالكتاب الأبيض عن دوره في حرب الخليج - ثم أصغى أو قرأ بعض ما يقال ويكتب هذه الأيام بعد وفاة الملك "حسين" - لهاله الفارق وخصوصا أن مسافة الوقت قصيرة، ومساحتها بالشهور وليست بالسنين بحيث يكون الزمن قد فعل فعله وأسقط غباره أو أسدل أستاره على الصور والصفحات!
وتلك - أيضا - مسألة مختلفة!
وربما استطردت من هنا لأقول إن معرفتي بالملك "حسين" كانت وثيقة، وأظن أن ذلك كان تقديره أيضا - وأنعم أنني خالطته عن قرب ومن زمن· فقد لقيته لأول مرة وعمره اثنا عشر عاما، وكان ذلك عندما ذهبت لمقابلة صحفية مع والدته الأميرة "زين" (وهي سيدة شديدة الذكاء شديدة الطموح) في فندق "شبرد" القديم في القاهرة - سنة 1947 - وكانت يومها زوجة ولي عهد الأردن الأمير "طلال" (وأصبحت فيما بعد ملكة على الأردن وظل لها اللقب رسميا حتى توفيت)·
ثم صادفت الملك "حسين" بعد ذلك مرات عديدة يركب دراجته في حديقة قصر "رغدان" مقر جده - وكنت وقتها مراسلا متجولا لـ"أخبار اليوم" في الشرق الأوسط متنقلا باستمرار بين عمَّان والقدس وبيروت - وكان قصر "رغدان" أهم بؤرة في السياسة العربية في ظروف حرب فلسطين سنة 1948 - ولذلك كثر ترددي عليه للقاء الملك "عبدالله"، وكثرت رؤيتي لحفيده ووقوفي مرات عديدة معه·
ثم تابعت الملك "حسين" بعد ذلك غداة اغتيال جده - وكنت أغطي الحدث (سنة 1951) حتى كان المناداة بوالده الأمير "طلال" ملكا على الأردن·
ثم عُدت الى متابعته أثناء مشاورات سياسية وعائلية جرت في قصر "بسمان"، وكان يديرها رئيس وزراء العراق "نوري السعيد" (باشا) والسير "أليك كيركبرايد" المعتمد البريطاني في عمّان ومعهما الجنرال "باحوت جلوب" قائد الفيلق العربي -! - وكان موضوعها مشكلة الملك "طلال"· وقد أصبحت هذه المشاورات مطلوبة إثر روايات وحكايات شاعت وذاعت عنه - ثم تقرر بعدها الحجر عليه وتم ترحيله الى استنانبول حيث أودع مصحا للأمراض النفسية قضى فيه بقية عمره· وكان يمكن للعرش أن يؤول بعد الملك "طلال" الى شقيقه الأمير "نايف"، لكن المشاورات استبعدته في اللحظة الحرجة، وكذلك أصبح "حسين" ملكا على الأردن·
وكان فارق السن بين الملك "حسين" وبيني اثنى عشر عاما - ولم يكن هذا الفارق في السن تلك الأيام يسمح بأكثر من أن أراه وأقابله وأتابعه - لكنه مع مر السنين وتعاقب التطورات والأوضاع في العالم العربي فإن أثر الفارق في العمر راح يتلاشى - تدريجيا وطبيعيا - بما سمح بعلاقة توثقت بالتجارب اتفاقا واختلافا، اقترابا وتباعدا، لكنها ظلت موصولة، حية، ويقظى·
ولم تكن علاقتي بالملك "حسين" بسيطة، ولعلها كانت أقرب الى أن تكون علاقة مركبة، وفي بعض الأوقات معقدة! - والسبب أن كلينا كان يعرف أنه يتصرف حيال الآخر من موقف مختلف· فهو في اعتقاده واعتقادي - يقف على ضفة - وبنفس المعيار - وفي اعتقاده واعتقادي - فقد كنت أقف على الضفة الأخرى، لكننا برغم التناقض أقمنا صلات بين رجلين، كلاهما غارق مستغرق في الشأن العربي العام مع اختلاف التقديرات والضرورات لدى كل منهما· ومع دواعي كثيرة تقتضي جسور لقاء عبر الضفاف!
وأتذكر على سبيل المثال أنني سنة 1990 ظننت أن الأمور وصلت بيننا الى درجة القطيعة، لأنني نشرت تحت عنوان "الانفجار" كتابا عن وقائع نكسة سنة 1967 - وفي الكتاب فصول تناولت دور الملك "حسين" في تلك الوقائع، وبينها أنه كان يعرف الكثير من تفاصيل مؤامرة جر مصر الى فخ تلك الحرب، وأن مجيئه المفاجئ الى القاهرة في 30 مايو 1967 - أي قبل بدء الهجوم الإسرائيلي بأيام - وتطوعه بدخول المعركة مع مصر - وتصرفاته السياسية والعسكرية طوال هذه الحرب - تثير جميعها أسئلة تطرحها وثائق تحفل بتلميحات وإشارات ترقى الي مستوى الشك - على أقل تقدير·
وقد ترددت يومها في نشر ما ظهر لي من دور الملك "حسين" في تلك الوقائع باعتبار أن الأمر خطير وأن الاعتماد فيه على الشك، قد لا يكون سليما، لكني انتهيت الى أنه في مثل هذه الظروف فإن التلميحات والإشارات إذا كانت متصلة متكاملة تكفي - خصوصا أنه في مخططات سياسية من نوع ما جرى سنة 1967 - لن يكون هناك قط ذلك اليقين الدامغ، لأن الجميع تعلموا من درس السويس سنة 1956 ألا يكرروا الخطأ الذي وقع فيه "دافيد بن جوريون" رئيس وزراء إسرائيل حين أصر على كتابة خطة وتفاصيل المؤامرة الثلاثية على مصر بينه وبين رئيسي وزراء بريطانيا وفرنسا (إيدن، وموليه) في صورة معاهدة يوقعها الأطراف (معاهدة سيفر) ويتفقون على إبقائها سرا في عالم لم يعد فيه مجال لسر·
وهكذا نشرت سنة 1990 - وبغير اتهام - ما توصلت إليه بشأن دور الملك "حسين" في حرب سنة 1967، وظننت أن تلك نهاية الطريق في علاقتي مع "سيد عمان"·
{2}
ولم أكن مصيبا في ظني، وكان الملك صاحب الفضل·
والذي حدث بعد شهور من نشر كتاب "الانفجار 1967" (فبراير 1990) - أن انفجارا من طراز آخر وقع في الشرق الأوسط حين أقدم العراق علي احتلال الكويت (أغسطس 1990)، ثم توالت الحوادث خاطفة الى "عاصفة الصحراء" (يناير 1991) - وكان للملك "حسين" في أجواء تلك السنة الحافلة دور رئيسي ومحوري، وفي مطلق الأحوال فإنه كان السياسي العربي الوحيد الذي ظل من البداية الى النهاية على اتصال بجميع الأطراف، متابعا لكل التطورات· وكان من حظه أن أصحاب القرار العالمي في واشنطن - وهم يعرفون أحواله - تركوا له مجاله يتحرك فيه بحرية لم يتركوها لغيره·
وحين طلبت مني مؤسسة "هابر كولينز" أن أضع كتابا عن موسم الرياح الهوج من "عاصفة الكويت" الى "عاصفة الصحراء" - ورد على بالي أن الملك "حسين" مرجع يصعب تجاوزه· لكنني كنت أعرف مسبقا أن ما كتبته عن دوره سنة 1967 ضايقه - وربما آلمه!
وبعد تردد رأيت أن أبعث إليه برسالة عن طريق ممثله في القاهرة ذلك الوقت السفير "نبيه النمر"، وكان مؤدى رسالتي:
"إنني أريد أن أسمع منه رؤيته وروايته للقصة من أغسطس 1990 وحتى فبراير 1991· وأنا أعرف في نفس الوقت أن ما كتبته عن دوره سنة 1967 لم يكن مرضيا له· وأنا لا أعتذر عما كتبت، فذلك ما توصلت إليه واقتنعت به - لكنه - ومن ناحيته - إذا اعتذر عن مقابلتي فسوف أفهم موقفه مقدرا أن ذلك حقه وأبرره له من غير تردد وبدون ضيق"!
وفي اليوم التالي مباشرة تلقيت - عن طريق السفير "نبيه النمر" - رسالة من القصر الملكي في عمان مؤداها أن "الملك ينتظرني في أي موعد يناسبني" وهو يقول: "إن خير البر عاجله" - كذلك بالنص·
وأتممت أعمالا تتصل بإعداد مواد ذلك الكتاب الذي شرعت فيه لمؤسسة "هاربر كولينز" (وأصبح عنوانه "أوهام القوة والنصر")، ثم قصدت الى عمّان بعد شهر من دعوة الملك·
وفي اليوم التالي كان موعدي معه، وقد استقبلني في مكتبه في قصر "الندوة" ولم تقع عودة الى ما سبق، ولا تمهيد بشرح أو اعتذار، وإنما التقينا وتحادثنا وكأننا افترقنا بالأمس على موعدنا اليوم، وجلسنا معا من الساعة الحادية عشرة في الصباح وحتى الساعة الثامنة في المساء· وتغدينا وتعشينا معا· وأجاب عن كل ما سألته فيه، واستدعى مستشاره السياسي وهو يومها السيد "عدنان أبو عودة" فانضم إلينا ومعه ملفات من الوثائق تضيف الى رؤية الملك وروايته·
منذ ذلك الوقت سنة 1991 ظللت التقي الملك "حسين" عدة مرات في السنة، وأكثر لقاءاتنا في لندن، وساعد على ذلك أننا ننزل نفس الفندق فيها "كلاريدج"، وحتى بعد أن اشترى الملك قصرا في "كنسنجتون" لإقامته في العاصمة البريطانية، وقصرا في الريف القريب منها (Surrey) لعطلات نهاية الأسبوع - فإنه احتفظ بجناح في فندق "كلاريدرج" اتخذه شبه مكتب في قلب العاصمة البريطانية·
وربما أشرت هنا الى لقاءين - لكل منهما مذاق خاص - في تلك الفترة بالذات:
ü الأول منهما - مايو 1992 - وكان لقاء مشحونا ومؤثرا الى أبعد حد·
اتصلت بالملك في بيته في لندن ولم يكن هناك، وعاد فاتصل بي ولم يجدني وترك لي رسالة بأنه سيمر عليّ بعد الغداء - الساعة الثالثة في قاعة الاستقبال الداخلية لفندق "كلاريدج"·
وجاء متأخرا عن الموعد عشر دقائق ومعه مرافق واحد ظاهر اطمأن عليه حتى جلس، ثم ابتعد وغاب ولم تكن القاعة في تلك الساعة بعد الظهر الباكر مزدحمة، بل إن معظم موائد الشاي كانت خالية تنتظر - إلا ثلاث موائد أو أربع جلس إليها أصحابها، وقد عرف بعضهم الملك واحترموا وجوده دون فضول وإن راحوا يسترقون النظر أحيانا إليه، وما أظن أن أحدا منهم - رجالا أو نساء - تخيل أو خطر بباله شيء عن الموضوع الذي تطرق إليه الملك في حديثه· فبعد حوار عام لم يستغرق أكثر من ربع ساعة ألقى الى الملك مفاجأة أن أطباءه اكتشفوا إصابته بالسرطان (في المسالك البولية) وأنه في الغالب سوف يضطر الى جراحة في أمريكا - ولحظة بعد لحظة راح الملك يغوص في مشاعره ويحكي كيف عرف أنه مريض بالسرطان، وكيف كان وقع الكلمة عليه حين وصلت سمعه أول مرة! إن أطباءه صارحوه بالحقيقة بناء على رأي زوجته (الملكة نور) التي استوعبت الصدمة ثم كان تقديرها "أنه لا بد أن يعرف كل شيء، واثقة أن لديه الشجاعة لمواجهة أي شيء" - ولقد لمح في عيني زوجته ظلالا لم يستطع فهمها وشعر أنها أقلقته دون تحديد لمعنى هذا القلق·
وعندما سمع من أطبائه ما سمع، كان أول ما فعله أن تحول ببصره الى "نور"، وكانت عيناها في انتظاره برسالة تشجيع وأمل· وفي البداية تلقى ما سمع هادئا ومعلقا لأطبائه بأنه تعوِّد على المخاطر، وكما قال فقد تماثل الخطر في فكره أولا مع احتلال إسرائيل لنصف مملكته، لكنه بعد ذلك راح يكتشف أنه أمام خطر من نوع مختلف عن كل ما واجهه· "هو الآن أمام عدو لا يستطيع أن يراه، وهذا العدو نفذ الى جسده واحتل فيه موقعا أو عدة مواقع، وهو غير قادر على رصد حركة هذا العدو، وغير قادر على متابعتها، وغير قادر على الدفاع عن نفسه· وحتى حين ينام فإن هذا العدو ساهر، وحين يعمل فإن هذا العدو متفرغ له، وفي خاتمة المطاف فإن هذا العدو غير مستعد للتفاوض ولا للوساطة" (قالها الملك وهو يحاول أن يبتسم) - وفي الليلة التي عرف فيها "أن السرطان معه في فراشه، تحت الأغطية والملاءات، داخل جسمه وفي عمق خلاياه - لم يستطع أن يغمض عينيه"، وكان يحس بزوجته "نور" الى جواره، وقد تكلمت كثيرا ثم لاذت بالصمت، ولعلها أحست أن زوجها يحتاج أن يفكر وحده، ويستوعب· وقرب الفجر قال لها: "إنه سوف ينام، فهذه ليست معركته رغم أنها تجري داخل كيانه، هي أمر مقادير، وحين حدثته "نور" عن إمكانيات العلم الحديث، كان رده عليها: "إن العلم قد يكون شفاعة لدى المقادير·· مقبولة أو مردودة"·
وعاد موضوع مرض الملك بعد شهور قليلة - سبتمبر - الى حديثنا، فقد قصد الملك الى "مايو كلينيك" وأجرى جراحة استئصال للكلية، وعاد الى لندن· وقال لي حين لقيته: "إنه باق هنا أياما يسترد فيها بعض العافية بعد الجراحة، وخصوصا أن الإخوة والأهل هناك يريدون أن يجعلوا من عودتي مناسبة فرح· وبانت في عينيه نظرة احترت في فك رموزها - وقلت له: "أليست المناسبة بالفعل فرحا؟" - ورد بسرعة "والله لا أعلم"؟!
وكانت شفاعة العلم لدى المقادير قد نجحت في منحه سنوات - إضافة الى عمره·
ثم وقع ما لم يكن منه مهرب حين بطل مفعول "شفاعة العلم لدى المقادير"، وانتهت حياة رجل سوف يظل الناس حيارى - وإلى أمد طويل - في البحث عن الحقيقة بشأنه، ومن هو فعلا وراء هذه الابتسامة العريضة دائما على شفتيه؟!
ü وكان اللقاء الثاني - سبتمبر 1993 - نقيضا لللقاء الأول· كانت المفاجآت موجودة - لكن ثورة الغضب كانت هناك بدلا من لوعة الألم· كان لقاؤنا على مائدة العشاء في مطعم "سانتيني" الذي اشتهر بمطبخه الإيطالي على طريقة "فينيسيا"· وكان الملك "حسين" قد سبقنا الى هناك بالفعل ومعه الملكة "نور" وابنهما الأمير "حمزة" وإحدى بناته الصغيرات وفي ذاكرتي - ولم أسجلها في أوراقي - أنها الأميرة "إيمان"، ثم وصلنا نحن (قرينتي وأنا)·
ومن أول لحظة وجدت الملك متأثرا ومنفعلا، بينما هو في العادة منضبط وكتوم· ويظهر أن الأحداث يومها أخذته على غرة، فقبل ساعات من لقائنا في "سانتيني" كان الملك قد عرف بأن اتفاق "أوسلو" سوف يجري توقيعه في واشنطن بين "ياسر عرفات" رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، و"اسحاق رابين" رئيس وزراء إسرائيل، وبحضور ورعاية "بيل كلينتون" رئيس الولايات المتحدة·
ولقد تضايق الملك - فيما يبدو - لأن أحدا لم يخطره بشيء، ولم يستشره في شيء، ولم يدعه الى شيء· وعلى نحو ما، فقد كان إحساس الملك بـ"الخيانة" أقوى من سيطرته على أعصابه·
إن قصة "أوسلو" في حد ذاتها لم تكن غريبة عليه ولكن إعلان الاتفاق فاجأه، وكان الملك على علم بوجود اتصالات واجتماعات بين الإسرائيليين والفلسطينيين في عاصمة النرويج - إلا أنه كما بدا لي لم يعلق على ذلك أهمية تذكر· ففي أثناء لقاء سابق قبلها بشهر (أغسطس 1993) بمكتبه في عمان كان هو الذي ذكر لي بنفسه أمر هذه الاتصالات والاجتماعات في "أوسلو" - وكان تعليقه بسرعة "أن عرفات لا يستطيع أن يقبل ما يعرضه رابين - وما يقبل به عرفات يستحيل علي رابين أن يناقشه مجرد مناقشة"! - كان ذلك قوله بالنص ونحن نمشي من حيث كنا نجلس في مكتبه الى باب الغرفة خارجين الى الممر الطويل نحو مدخل قصر "الندوة" والحرس من الشركس العجائز بلباسهم التقليدي تزينه الخناجر المعلقة من الأحزمة - يؤدون له التحية كل بضعة أمتار في طريقنا!
ودون أن يقولها صراحة فقد راودني إحساس لازمني منذ بدأت عمليات التفاوض بين العرب وإسرائيل ملخصه أن الملك ينتظر أن تتطور الأمور الى نوع من الخيار الأردني لا يسعى الملك له، لكن هذا الخيار سوف يسعى للملك بطبائع الأمور·
لكن اتجاه الحوادث بدا الآن وقد اتخذ لنفسه منحنى آخر·
وتلك الليلة في مطعم "سانتيني" في لندن كان اتفاق "أوسلو" أمام كل الناس ومعه الأسوأ منه، وهو ذلك الاحتفال المقرر في واشنطن، في البيت الأبيض، وبحضور "بيل كلينتون"، والى جانبه "عرفات" من ناحية، ورابين من ناحية أخرى - بينما هو (الملك حسين) بعيد عن الأحداث والأضواء في مطعم إيطالي في لندن!
وما كدت أجلس الى المائدة وأسأل الملك رأيه فيما جرى - حتى انطلق·
ولم أكن وحدي الذي اندهشت، وأحسب أن الملكة نور كانت أكثر اندهاشا مني·
يومها لم يكن الملك هو الذي يتكلم، وإنما الإنسان فيه بمشاعره المتناقضة لا يخفيها ولا يداريها· ولقرابة ساعة لم يوفر الملك طرفا، ولم يقصر في أوصافه لأحد· وأظن أن ما سمعته منه تلك الليلة عن الأحداث والرجال في المنطقة وفي العالم سوف يظل في ذاكرتي - وفي أوراقي - شهادة فوارة وتلقائية على دخائل السياسة العربية وطبائع المشاركين في صنعها على المستوى الإقليمي والدولي - وبدون مجاملة أو تزويق مما تصنعه المساحيق!
ومرة أخرى، فقد كان ما يقوله - الآن - يعيد طرح مسألة شخصيته وقضية الحقيقة في شأنه·
إن البحث عن الحقيقة - في شأن الرجال أو الأحداث - لا يتطلب من الناس أن يبادروا بالحكم، وإنما أن يسعوا للفهم، وبعده وليس قبله يحق لهم أن يقرروا كما رأوا وكيفما شاءوا!
وسبب ذلك الطلب أن الحقيقة ليس لها وجه واحد، وإنما وجوه الحقيقة متعددة·
وحتى في حالة أي شخص عادي أو أي حدث سياسي، فليس هناك - بالفعل - وجه واحد للحقيقة، فكل شخص عادي له شكل وشبه، وهذا وجه من الحقيقة· وله اسم وأسرة، وهذا وجه آخر· وله وطن وهوية، وهذا وجه ثالث··· وله تجربة وعمل، وهذا وجه رابع، وهكذا، وهكذا·· ونفس الشيء في أحداث السياسة·
وفي حالة شخص سياسي فإن ثنائية الرجال والأحداث تتداخل مع بعضها بمعنى أن وجوه الحقيقة الإنسانية تبقى ـ ثم تزيد عليها وجوه الحقيقة السياسية وهي أيضا متعددة:
ü حكم الجغرافيا هو الوجه الأول من وجوه الحقيقة السياسية·
ü ثم إن حكم التاريخ هو الوجه الثاني من وجوه هذه الحقيقة·
ü ويجئ حكم العصر - الزمن - ليكون الوجه الثالث·
ü وأخيرا يقع حكم التجربة - كما في حالة الشخص العادي - لأن التجربة هي القاسم المشترك في توجيه تصرفات الناس خارج أحداث السياسة أو في قلبها·
وفي حالة كل الناس، فإن أحكام الوجوه المتعددة للحقيقة - إنسانية وسياسية - تسري في الأفعال وردود الأفعال بطريقة لا يكاد يلحظها أحد لأنها مكونات "شخصية متكاملة" لا يفصح أي جزء منها عن نفسه منفصلا عن بقية الأجزاء، بل تتفاعل المكونات طبيعيا مع بعضها - إلا في استثناءات قليلة تظل فيها الوجوه المتعددة للحقيقة منفصلة·· متجاورة، لكنها متباينة!
وفي حالة الملك "حسين" بالذات، فإن الاستثناء يبلغ مداه لأن الوجوه المتعددة للحقيقة تظهر مثل الوشم مرسومة وظاهرة - ولعله الضغط الزائد عن الحد لكل وجه من وجوه الحقيقة·
والواقع، إن شخصية الملك "حسين" بما يتداخل فيها إجمالا وتفصيلا يصعب فهمها - حتى وإن استحال في بعض الأحيان تبريرها - إلا بالنظر الى وجوه الحقيقة المختلفة، وهي في حالته كما قلت: رسوم وشم جرى دقه دقا على جلد لحمه الحي!
{3}
وإذا بدأنا بحكم الجغرافيا وهو بالفعل أهم وجوه الحقيقة فيما يتعلق بالأردن وملكه - فسوف يتأكد أن الجغرافيا كانت شديدة الصرامة مع الاثنين· فتلك دولة اصطنعت بقرار سياسي خلافا لما هو طبيعي في نشأة الدول، وكان إنشاؤها بتوجيه من "ونستون تشرشل" وزير المستعمرات البريطاني أثناء مؤتمر عقد في القاهرة برئاسته في فندق "سميراميس" وعلي جدول أعماله مستقبل الممتلكات البريطانية في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولي وما وقع خلالها وبعدها من أحداث أهمها معاهدة "سايكس بيكو" التي قسمت إرث الخلافة العثمانية أنصبة بالاتفاق بين بريطانيا وفرنسا، ومن ثم رسمت للمنطقة خريطة جديدة·
كان وزير المستعمرات البريطاني "ونستون تشرشل" هو المهندس الأول للخريطة على الجانب البريطاني، وقد راح يخطط، وبين ما خط موقع تحير الذين رسموه في اختيار اسم له، ثم كان أن استعملوا وصفا جغرافيا بسيطا هو "شرق الأردن"· والدول لا تسمى في العادة على هذا النحو، والمألوف أن الدول الجديدة تستعيد اسما قديما ينسب نفسه الى أصل تاريخي، أو سلالة بشرية، أو قبيلة، أو نهر، أو حتى لغة - لكن نسبة الأوطان الى اتجاهات أو مواقع علي خريطة، سابقة لم تحدث من قبل·
وعلي أي حال فقد كانت للضرورات أحكامها، وظهرت إمارة"شرق الأردن" و"عبدالله" على عرشها·
لكن الخريطة كان عليها موقع آخر اختار له أصحابه اسما من أساطير التاريخ وليس من تضاريس الجغرافيا: إسرائيل·
والواقع أن قرار إنشاء "شرق الأردن" يمكن اعتباره ملحقا إضافيا الى معاهدة "سايكس بيكو"، وهو رابط بينها وبين وعد "بلفور" الذي أعطى اليهود حقا بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين·
والشاهد أن "شرق الأردن" تكاد تكون مساحة على خريطة تنطق حدودها بالمطلوب منها مجملا على النحو التالي:
1 - إذا كانت المملكة الجديدة هي "شرق الأردن" - فإن غرب الأردن هو فلسطين حيث أعطت بريطانيا لليهود حقا بإنشاء دولة يهودية· وإذا كان إنشاء دولة يهودية مطلوبا - فإن نقطة مراقبة وحراسة - بريطانية وعربية إذا أمكن - تصبح مطلوبة، على مقربة·
2 - إن موقع "شرق الأردن" محشور بين الحجاز (المملكة العربية السعودية فيما بعد) وبين سوريا - وفي نفس الوقت محشور بين العراق وبين الدولة اليهودية الموعودة - وإلى حد ما بين العراق وسوريا أيضا·
3 - إنه مع ظهور احتمالات البترول المؤكدة في مناطق الخليج وشبه الجزيرة العربية - ومع إمكانات ظهور دولة يهودية لا يزال قيامها وحجمها وقدرتها وقبول الجيران بها - أسئلة تنتظر - فإن "شرق الأردن" وحتى يبين جواب الأسئلة يمكن أن يقوم بدور حاجز بين اليهود في فلسطين ومنابع النفط العربي، وخصوصا إذا تأزمت العلاقات - وهي معرضة في الغالب أن تتأزم - بين اليهود والعرب!
4 - إن المنطقة التي اقتُطعت لإمارة "شرق الأردن" فقيرة وتكاد تكون بلا موارد، ثم إنها في حالة شبه حصار حيث حشروها، وهذا يجعلها في حاجة دائمة الى مساعدة أجنبية· و"الأمراء العرب (و"عبدالله" أولهم) يفضّلون سؤال الغريب على القريب"، وذلك يجعل بريطانيا في وضع فريد، فهي الغريب القريب في نفس الوقت، وإذا كانت هي التي خططت ورسمت وأنشأت وساعدت، فإن الكلمة العليا لا بد أن تكون لها·
ومهما يكن فإن التكاليف محدودة - اثنا عشر مليون جنيه استرليني سنويا، نصفها لحكومة الملك "عبدالله" (3)، ونصفها الآخر لجيش يرفع رايته·
5 - إن قيام كيان سياسي في "شرق الأردن" تحميه بريطانيا وتتحكم فيه، يصنع بالفعل نقطة اتصال أساسية بين أهم القواعد العسكرية الامبراطورية في الشرق الأوسط· وكانت قاعدة قناة السويس غربا في مصر وقاعدة الحبانية شرقا في العراق هما أهم هذه القواعد· وفي "شرق الأردن" جرى إنشاء قاعدة "الزرقاء" في المفرق وهي نقطة في الوسط تماما من خط المواصلات البريطاني بين وادي النيل وأودية دجلة والفرات·
وهكذا جرى رسم حدود دولة "شرق الأردن" وتعيين "عبدالله" أميرا عليها - وكذلك تقرر إنشاء جيش لها روعى أن يكون جنوده من البدو بتصوُّر أن ولاء المقاتل البدوي مضمون لشيخ قبيلته - أو للأمير الكبير فوق شيخ القبيلة، وقد اختير لهذا الجيش اسم "الفيلق العربي"، ونصِّب على قيادته ضابط بريطاني هو "جون باجوت جلوب"، وبقصد تعريب الجنرال البريطاني، فقد منحه الأمير "عبدالله" رتبة الباشوية الهاشمية فأصبح اسمه "جلوب باشا"!
ثم كان أن أصبح "الفيلق العربي" أقوى الجيوش في المنطقة بكفاءة تدريبه وكفاية سلاحه رغم صغر حجمه·
إن ذلك الدور الذي حكمت به الجغرافيا على إمارة "شرق الأردن" ظهرت فوائده في الحرب العالمية الثانية حين أصبحت منطقة "المفرق" مرتكزا رئيسيا لقيادة القوات البريطانية في الشرق الأوسط - كما أصبح الفيلق العربي الذي اتخذ قيادته في قاعدة "الزرقاء" طليعة القوات البريطانية التي ضربت انقلاب "رشيد عالي الكيلاني" - 1940 - وأعادت الفرع "العراقي" للأسرة الهاشمية الى عرش بغداد بعد طرده منها، وقد تكرر نفس الشيء بعد ذلك حين أصبح الفيلق العربي (والفيلق اليهودي أيضا) - طليعة قوات الجنرال "ميتلاند ويلسون" عندما طرد الألمان من سوريا - يوليو 1941 - بعد أن جاءوا إليها بسماح من حكومة "فيشي" التي قامت في فرنسا بعد سقوط باريس واستسلامها أمام جيوش "هتلر"!
إن ذلك الموقع الجغرافي بعد ذلك هو الذي وضع الفيلق العربي داخل فلسطين عندما بدأ مشروع إنشاء الدولة اليهودية يأخذ شكله النهائي بعد الحرب العالمية الثانية، وكان دخول هذا الفيلق الى فلسطين ضمن قيادة قائد القوات البريطانية فيها وتحت تصرف حاكمها العام الجنرال "آلان كننجهام"· وكان شاغل "كننجهام" في الشهور الأخيرة للحكم البريطاني في فلسطين هو حصر العنف الصهيوني وردة الفعل العربية تجاه هذا العنف، وكان العنف الصهيوني وردة الفعل العربية إزاءه كلاهما يجرِّب قدر ما يستطيع أن يفرض أمرا واقعا على الحكومة البريطانية قبل انسحابها من فلسطين، وفي ذلك الوقت كانت الخطط اليهودية تستقوى بالامبراطورية الجديدة الباذخة التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية وهي الولايات المتحدة الأمريكية - وكان رد الفعل الفلسطيني يتمنى أن يستقوى بالدول العربية المحيطة بفلسطين·
وهكذا، فإن حكم الجغرافيا وضع عرش "شرق الأردن" (الأردن فيما بعد) وسط دوامة السياسة، وتقاطع النيران، وضباب الحرب وبرقها ورعدها - وفي قلب الحدود والتخوم بين مصر والعراق، وبين سوريا والسعودية، وبين العرب واليهود، وبين فلسطين وإسرائيل، وبين بريطانيا وأمريكا·
وباختصار، فإن موقع الأردن الذي كان بالجغرافيا الطبيعية بقعة ساكنة علي الخريطة - أصبح بالجغرافيا السياسية فوهة بركانية متفجرة أو مستعدة للتفجير عند أي حركة محسوبة أو غير محسوبة·
ذلك عن حكم الجغرافيا وقد كان قاسيا!
{4}
إذا كانت تلك قسوة الجغرافيا على مملكة الملك "حسين" وقت إنشائها في عهد جده - فإن قسوة التاريخ كانت أشد·
إن المملكة كانت بغير تاريخ قديم يخص الشعب الذي يعيش فيها حين أنشئت الدولة الجديدة وأقيم عرشها - إلا بمقدار ما يخص التاريخ العربي في مجمله كل العرب في عمومهم·
والشاهد أن المنطقة التي أنشئت فيها إمارة "شرق الأردن" كانت محرومة من وفرة الموارد، ولهذا فإنها لم تعرف مجتمعات مستقرة تترك وراءها بمضي العصور تراكمات حضارية متواصلة·
ولأن المنطقة كانت قبل الإسلام وبعده مسالك طرق من الجنوب الى الشمال، ومن الشرق الي الغرب - فقد ظهرت عند بعض تخومها آثار شعوب وامبراطوريات علا نفوذها في المنطقة، ومشت جيوشها أو سارت قوافلها عبر الأردن· ثم إنه على طرق زحف الجيوش وحركة القوافل نشأت مراكز محدودة للعمران ظللت آثارها باقية مثل معبد "بترا" والملعب الروماني في قلب عمان، ثم مقابر لبعض قواد الفتح العربي للشام استشهدوا بالسيف في الجهاد أو بالعطش وسط التيه، ثم حفظت قبورهم شاهدا إذا صدق الرواة· كذلك بقيت أطلال بيوت أريد لها في زمانها أن تكون ملاذا بعيدا لبعض أمراء الأمويين إذا أوحشتهم حياة الصحراء·
لكن المنطقة في عموم أحوالها كانت ممرا أكثر منها مستقرا، ومعبرا أكثر منها مقاما·
كانت عمّان التي وصل إليها ركب الأمير "عبدالله بن الحسين" معاتبا لأبيه ومغاضبا لشقيقه الأصغر منه - قرية صغيرة تتناثر بيوتها على مجموعة من التلال· وكانت حياتها تجارة محدودة وزراعة في واحات محصورة حول بئر هنا أو بئر هناك· ثم بعض مبان إدارية تركتها الامبراطورية العثمانية وراءها حين كانت عمّان محطة ضرورية على الطريق من دمشق الى مكة والمدينة في الحجاز·
ولم يكن الأمير "عبدالله" شديد السعادة بالإمارة التي أقطعه إياها وزير المستعمرات البريطاني، وقد قال وقتها، وظل يقول حتى سمعتها منه سنة 1948 - إن هناك "ممالك دون ملوك" وهناك "ملوكا بدون ممالك"، وكان يصرف المعنى على هواه وهوى سامعيه، فـ"المملكة بلا ملك" في بعض الجلسات هي السعودية - وفي بعض الجلسات هي العراق - بل وفي إحدى المرات - على الأقل - هي مصر - لكنه هو "عبدالله بن الحسين" في كل الأحوال كان "الملك بلا مملكة"!
وفي صميم قلبه - وعلى لسانه إذا وجد من يسمع ويكتم السر - فإن الملك "عبدالله" لم يكن سعيدا على الإطلاق بمن يراهم حوله من ملوك العرب· فالملوك السعوديون مغتصبون للملك مرتين: من أسرة "الرشيد" في نجد، ومن أسرته هو - والده مباشرة - في الحجاز· والملوك المصريون "ألبان"، لا هم من العرب ولا هم من قريش، ثم إنهم يتعاملون مع بقية الأمراء باستعلاء رغم أنهم بلا حسب ولا نسب يعطيهم سببا للفخار· وحتى ملوك العراق رغم أنهم إخوته وأبناؤهم - خانوا الأخ والابن، وخطفوا العرش العراقي ممن يستحقه وهو (عبدالله) أولهم وأكثرهم جدارة لأنه أكبر من شقيقه الملك "فيصل" وأسبق في الاتصال بالإنجليز لترتيب الثورة ضد العثمانيين·
ومن هنا بالتحديد، فإن تاريخ الهاشميين يصبح مقدمة لا غنى عنها في فهم سياسة الأردن من عصر الجد "عبدالله بن الحسين" الى عصر الحفيد "حسين بن طلال"·
ü وتاريخ الهاشميين بالدرجة الأولى مشكلة·
ü وحكايتهم من القرن السابع الميلادي وحتى القرن العشرين مأساة·
ü ثم أن التعقيدات التي صنعوها وصنعتهم - مشكلة ومأساة - تركت آثارها عليهم وعلى التاريخ الإسلامي، وعلى السياسة العربية المعاصرة من وقتها وإلى اليوم - وكانت النتائج - ولا زالت مرهقة!
······
······
ü إن المشكلة بدأت حين تصور البعض من أسرة الرسول [ أن لهم حقا في خلافته، ثم رأت غالبية من المسلمين أن النبوة ليست ملكا يؤول الى عائلة "محمد" [ بعد انتقاله الى الدار الآخرة·
وكانت تلك هي القضية المثارة علنا أو همسا في المجتمع الإسلامي طوال الجزء الأكبر من عصر الخلفاء الراشدين، وكانت ضمن العوامل التي أدت الى الفتنة الكبرى وقد حسمها "معاوية" - أو هكذا بدا وقتها - بقيام دولة الأمويين·
ü وكانت المأساة أن "معاوية" لم يكتف بالنصيحة كما فعل "أبو بكر" و"عمر" و"عثمان"، وإنما قاد عملية تمرد ضد "علي" (وهو أول خليفة من أسرة الرسول [)، ثم إن "معاوية" قاد العالم الإسلامي الى تجربة إنشاء دولة قوية (تحولت الى امبراطورية إسلامية عظمى)· وهي دولة لم تكن طول عمرها على استعداد - بالطبع - لقبول دعاوى بالأحقية في الخلافة لغيرها، وكان بين النتائج ما سمي في الأدبيات الإسلامية بـ"مصارع الطالبيين" (نسبة الى "علي بن أبي طالب")، وكان أشهرها مذبحة كربلاء واستشهاد "الحسين"·
واستفحلت المشكلة واستفحلت المأساة معها حينما اختلفت أسرة النبي [ نفسها مع بعضها - هاشميين وعباسيين وعلويين، الى آخره·· وكانوا أشد على بعضهم من شدة غيرهم عليهم·
ونتيجة التفاعل بين المشكلة والمأساة جاءت التعقيدات التي صنعها الهاشميون كما صنعتهم، وهي باختصار (وحتى لا يتوه أحد في سراديب الماضي وكهوفه) - كما يلي:
1 - أن الهاشميين اعتقدوا وظلوا على اعتقادهم بأنهم أصحاب حق في ولاية الأمر - ومنطقهم أن صلتهم بالنبي [ لا يمكن أن تكون مصادفة·
2 - أن عامة المسلمين، أغلبية المسلمين، لم تعترف لهم بهذا الحق مؤيدة لفكرة أن الرسالة اختيار إلهي لرجل اصطفاه ربه وحده، وأي حديث عن أسرته - ينقل الأمر في الإسلام من الخلافة برضا الناس الى المُلْك بالإرث حتى وإن غطته مظاهر البيعة!
3 - لكن الهاشميين لم يقتنعوا، ولأنهم لم يقدروا على المطالبة الصريحة إزاء إجماع معظم المسلمين، فإن عتبهم على الأمة ظهر وزاد، فقد كان مُناهم أن تقدم لهم ما اعتقدوا أنه حقهم من دون أن يضطروا هم الى المطالبة به·
4 - وإزاء ذلك الوضع المعقد فإن الهاشميين في كل ما سعوا لتحقيق مطلبهم - حاولوا سرا ولم يحاولوا جهرا· وعلي هذا فإن دورهم عبر التاريخ اكتسب علي نحو ما طابع العمل الخفي - وأحيانا لحقته شبهة المؤامرة!
5 - والشاهد أنه من عصر الأمويين الى عصر العثمانيين فإن الهاشميين تحركوا دائما ومن وراء عواصم كل دولة إسلامية في التاريخ ومن مكة الى دمشق، ومن الكوفة الى استنانبول - وكانت حركتهم في كل الاتجاهات ومع كل قريب أو بعيد! - تصوروه قادرا على فهم لغة الإشارات!
6 - وربما نتيجة لذلك أن الهاشميين صنعوا ما يمكن حسبانه لغة خاصة تقول بالعين ما لا ينطق به اللسان، وتعبر بجمل توحي ولا تبوح، وقد تفاقم الإبهام المقصود - والذي أصبح طبيعة فيما بعد - الى درجة يمكن معها تمييز "أسلوب هاشمي" في الكلام أو الكتابة، يقبل كل تأويل ويحتمل أي معنى·
7 - ومع مرور السنين والقرون فإن الخطاب الهاشمي غلبت عليه نبرة من الإحساس بالاضطهاد والادعاء بالاستشهاد، فالأمة ضنت عليهم بحقهم، ودولها الكبرى (الأمويين بالذات) ظلمتهم، واستباحت ذمامهم، وأهدرت دمهم - ثم لم ينتصر لهم أحد رغم تعاقب الدول - ومع أنهم استُعملوا - أحيانا - رايات في معارك الآخرين، إلا أنهم خرجوا في النهاية - ودائما - صفر اليدين، لا دولة ولا عرش ولا تاج! وأخيرا، فقد قَيَّض الله لهم من أنصفهم من الظلم بما فيه "كيد الأعداء وحسد الأمراء" - طبقا للنص الرسمي الذي أصر عليه الشريف "حسين" حين قدم لحلفائه البريطانيين مشروع اتفاقه معهم!
ولم ينجح مشروع الشريف "حسين"، ولكن اثنين من أبنائه - "فيصل" و"عبدالله" - عثر كل منهما لنفسه على عرش: أولهما في بغداد، وثانيهما في عمان!
{5}
إن الأمير "عبدالله" الذي أقام مضارب خيامه على جبل عمّان، بدأ يبني بيتا هناك يتخذه مقرا يحكم منه إمارته الجديدة "شرق الأردن"، ثم راح يمد بصره الى الضفة الأخرى للنهر حيث الأرض الخضراء والمراكز الحضرية للمجتمع الفلسطيني الذي هزته اليقظة العربية العامة بعد انتهاء الحرب وإعلان الرئيس الأمريكي "وودرو ويلسون" بحق شعوب المستعمرات في تقرير مصيرها، والآمال التي تعلقت بمؤتمر الصلح في "فرساي" حيث كان الرجاء أن يظهر نظام عالمي جديد!
وفي ذلك الوقت وفي تلك الأجواء، فإن الحلم الذي تبدَّى على الفور للأمير "عبدالله" والذي أقنعه بقبول إمارة "شرق الأردن" مقدمة لجائزة أكبر منها - كان حلم فلسطين، فلو استطاع أن يمد إمارته من "شرق الأردن" الي غربه وأطل على البحر الأبيض إذن فإنه يصبح ملكا لمملكة كبرى لا تقل أهمية عن مملكة العراق التي كانت من نصيب شقيقه الأصغر "فيصل"· ثم لعله إذا أخذ فلسطين أحاط بعدها بسوريا، وإذن أصبح قريبا من الحلم الذي راود والده وأصحابه - بدولة عربية كبرى تملأ الهلال الخصيب من البحر الأبيض الى الفرات!
ولم يكن الأمير "عبدالله" في حاجة الى جهد كبير لكي يدرك أن العقبة الكبرى أمام مشروعه هي الوعد البريطاني بوطن لليهود في فلسطين، ولقد أدرك أهمية "وعد بلفور" - كما أدركه من قبله أخوه الملك "فيصل" حين رتب له "لورانس" أن يلتقي قرب "العقبة" بالدكتور "حاييم وايزمان" رئيس الوكالة اليهودية الشهير (وأول رئيس لدولة إسرائيل فيما بعد)·
وفي ذلك اللقاء وكما تبين من نصوص محاضره - فإن "فيصل" تبين أن قبوله بحق اليهود في فلسطين هو جواز مروره الى أي مملكة في المشرق - وقد قَبِلَ"·
ولما كان الأمير "عبدالله" أكثر طموحا من شقيقه، فإنه لم يكن فقط على استعداد لأن يتبين ويقبل، ولكنه كان على استعداد لأن يساعد ويُسَهِّل، وهكذا فإنه عرض على الوكالة اليهودية وطنا قوميا في إطار حكم ذاتي (فيدرالي) داخل حدود مملكته·
وبذلك العرض فإن الأمير "عبدالله" أثبت أنه تعامل مع اليهود من دون أن يعرف شيئا عن حجم مشروعهم، وقد تصور أنه يستطيع أن يستعمل طموحهم لتحقيق حلمه، وكانوا أقدر منه على استعمال حلمه لتحقيق طموحهم·
وعندما أصدرت الأمم المتحدة قرارها بتقسيم فلسطين سنة 1947 فقد كان الملك "عبدالله" لا يزال أسير أوهامه، يتعامل مع الوكالة اليهودية، ويقابل جميع أقطابها - مدنيين وعسكريين (وازيمان - جولدا مائير - إلياهو ساسون - وحتى موشي ديان) لكنه ظن وحتى آخر لحظة أنه يستطيع إغراءهم بفيدرالية داخل مملكته "حقنا للدم وابتغاء وجه السلم"!
إن الوكالة اليهودية سارت في مخططها الذي أعدت نفسها وسلاحها ونفوذها له منذ صدر وعد "بلفور" وأعلنت قيام إسرائيل، وتلاءم أمير "شرق الأردن" بسرعة مع المخطط الجديد، ولم يكن لديه غير ذلك لأن جيشه كان يحمل رايته من دون أن يلتزم بأمره·
ومن قبل أن يدوي صوت الرصاص في حرب فلسطين بعد إعلان قيام إسرائيل، فإن الملك "عبدالله" رتب نفسه على أن يكون الجزء المخصص للعرب بقرار التقسيم امتدادا لمملكته، لكن إسرائيل لم تترك له الفرصة، وإنما زحفت مندفعة الى بعيد وراء خطوط التقسيم· وكان أن تواضع مطلب "عبدالله" الى القبول بأخذ ما تبقى من فلسطين بعد عاصفة النار الإسرائيلية، وفي سبيل تحقيق ذلك، فإن الملك "عبدالله" راح يعمل - وبكل الوسائل - علي خروج جميع العرب الآخرين من فلسطين بحيث لا يظل على أرضها من العرب غيره، وقد وصل في ذلك الى حد التلاقي الكامل في النوايا - وترتيبا على ذلك في الخطط - مع إسرائيل، وكانت وطأة هذا التلاقي شديدة على الجيش المصري في الجنوب كما تؤكد الوثائق· وعندما سكتت المدافع فإن حرب 1948 انتهت، وقد استولت إسرائيل بالغزو المسلح على %72 من الأراضي غرب الأردن (مرة ونصف بالزيادة عن قرار التقسيم)·
وكان أن قنع الملك "عبدالله" بأن يأخذ ما تبقى غرب الأردن من أشلاء فلسطين ويضمه الى إمارته يحولها الى مملكة تعقد له البيعة عليها·
لكن الملك "عبدالله" في هذا كله كان يحتاج الى غطاء شرعي، وكان الغطاء الشرعي جاهزا·
ومن وقتها زاد التركيز على عنصر المسؤولية التاريخية الخاصة والدور السياسي الخاص الموكول الى "الهاشميين" استنادا لهذه المسؤولية·
_______
يتبع