Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 7 ابريل 1999
العدد 1371

في وداع عبدالعزيز العلي العبدالمحسن

ينبوع من العطاء والاستنارة

 

بقلم: أحمد يوسف النفيسي

منذ إعادة إصدار الطليعة بعد التحرير وإعلان أخضر صغير يرتفع في أعلى صفحتها الأولى، لا يختفي، ولا ينقطع تحت جميع الظروف·

هذا الإعلان هو إعلان مطعم قصر النخيل الذي تحول من مجرد ترويج لمطعم يتميز بطابعه الشرقي الخاص، الى بيرق يرفرف فوق هامة الطليعة يرمز الى فيض من المساندة وزخم من المشاعر الوطنية الصادقة للمساهمة في دعم الطليعة لكي تؤدي رسالتها الوطنية، وهذا الدعم والمشاعر هما اللذان يمكنان الطليعة من الاستمرار والصمود·

كان يرفع هذا "البيرق" الرمز، عبدالعزيز العلي العبدالمحسن، وكجزء من طبيعته وامتداد لشخصيته وتكوينه الوطني النبيل·

وبالأمس فقدنا عبدالعزيز·

اختطفته المنايا منا، على غفلة من الزمن في أوج حيويته وزخم عطائه ولم يمض عام منذ أن اختطفت ابنه الأصغر شملان وكأن المصائب لا تتحين إلا أغلى الناس وأكثرهم طيبة وخيرا في البشر·

من يعرف أبا مشعل، وأيا كان موقعه أو اتجاهه لا يملك إلا أن يتفق على أنه الرجل الذي يمثل الطيبة والشهامة والنبل وحب الخير والسخاء حين يعز السخاء وبدرجة ربما تفوق قدراته·

ويعرف أنه رغم انشغاله بعمله كمدير عام لشركة كبيرة هي شركة التنمية والاستثمار العقاري··· وأعماله الخاصة الأخرى فإن هواه الأكبر هو الوطن، وإشاعة الاستقرار وبث روح الألفة فيه والنهوض بالعمل الوطني الديمقراطي الذي يحقق الحرية والعدل للجميع ويرسخ الوحدة الوطنية التي هي درعه الأساسي في مواجهة التهديدات من الداخل أو الخارج·

لقد كان عبدالعزيز العلي هو أحد الشباب الوطني المستنير الذين قاموا ومنذ وقت مبكر بمحاربة التعصب والتشرذم في المجتمع وكان أحد الينابيع الدافقة التي تفيض بمعاني التسامح وبروح المحبة والتلاحم فيه، وبالذات في تلك الأوقات القاسية الصعبة التي لفّت فيها رياح التعصب المنطقة والتي أججها اشتعال الحرب العراقية الإيرانية·

كان عبدالعزيز ينبوعا للاستنارة والتفاؤل في زمن الظلمة والإحباط·

وكانت دماثة الرجل ونقاء معدنه سلاحا ماضيا تلقى أمامه الأسلحة كافة، فلقد كان يصل وبيسر الى قلوب الناس، وكان يعرف عددا كبيرا منهم· ولذلك أصبح عبدالعزيز عنصرا جوهريا في الحملات الانتخابية التي تخوضها القوى الديمقراطية وفي مناطق متعددة·

ولقد رافقته في أكثر من معركة انتخابية فكان العنصر الرئيس بيننا· وكان الأكثر قدرة على التنظيم والتأثير وكان يدير حملة انتخابية كاملة لكن الابتسامة لم تكن تفارق وجهه ولم يرتفع صوته أبدا فوق تلك البحة الهادئة المحببة·

ولكن أليس غريبا أن القليل من الناس يعرف كل هذا العطاء الوطني لعبدالعزيز العلي؟! كلا·· لأننا أمام إنسان يشكل التواضع ونكران الذات جزءا عضويا لا يتجزأ من شخصيته السخية الزاخرة·

لا أعرف كيف أختم تأملاتي هذه حول أبي مشعل، وربما يعود ذلك لسبب بسيط، وهو كوني واحدا ممن عرفوه وممن لم يرسخ في وجدانهم بعد ذلك النبأ الثقيل الذي رزأنا به في غفلة من الزمن، فلا أستطيع أن أحل لصورته المحفورة في ذهني بابتسامته المشرقة والصوت الخفيض المحبب أية صورة أخرى·

اللهم لا راد لقدرك، اسكن فقيدنا نعيم جناتك وألهم زوجته وأبناءه وأسرته الصبر والسلوان·

 

 

* * *

 

روح وطنية عالية.. ومشاعر إنسانية راقية

 

بقلم: عبدالله النيباري

بعين ملؤها الأسى ودموع تعبر عن الحسرة لنبأ فقدان أخ عزيز وصديق الجميع عبدالعزيز العلي العبد المحسن·· لقد كانت وفاته (ثالث أيام العيد وخارج أرض الوطن) فاجعة مؤلمة لكل من عرفه واحتك به وخصوصا أصدقاءه وأحباءه وأقرباءه، ومما زاد في شدة الصدمة مفاجأة الحدث ومداهمة الموت له·· فقد عاجلته السكتة القلبية من دون سابق إنذار، وكان رحمه الله في كامل صحته، ولم تمهله ولو للحظات لإسعافه ونقله الى المستشفى، الموت حق وكل بني آدم مآله إليه، ولكن مع إيماننا بالقدر وبما كتبه الله للإنسان إلا أننا كلما قطف الموت زهرة لا نستطيع أن نكتم التساؤل لماذا يختار الموت بعجالة أخير الناس وأنبلهم ويبقى الأشرار العابثين بمصائر البشر يمتد بهم العمر ليزيد من آلام الناس وعذاباتهم، سبحان الله اللهم إنك على كل شيء قدير·

وكان فقيدنا أبو مشعل من أولئك الأخيار الذين تمنى كل من عرفه أن يمتد به العمر ليزيد من عطائه وليكمل دربه في مواقفه الإنسانية ومواقفه الوطنية وأعماله الخيرية وعلاقاته الودية مع معارفه·

لقد كان رحمه الله منذ فترة شبابه وفي مرحلة مبكرة أيام الدراسة شعلة من الروح الوطنية وكتلة من المشاعر الإنسانية، نذر نفسه ووظّف كل طاقاته لرفعة وطنه ونهضة شعبه وتعزيز الوحدة الوطنية لتجاوز كل أشكال التفرقة والتعصب بكل أشكاله وأنواعه·· لقد كان عطاؤه في ميدان العمل الوطني بلا حدود منطلقا من مشاعر صافية ونقية نادرا ما نصادفها في زماننا هذا·

ومن سماته رحمه الله تلك الطيبة والسماحة التي كان يتمتع بهما ولا يحظى بهما إلا القلة من البشر مما جعل له مكانة مرموقة لدى أصدقائه ومحبيه الذين كانوا يحفظون له ودا ومحبة خاصة فقد كان في أي جمع للأصدقاء عمود الخيمة بينهم، لذلك لم يكن غريبا أن يتوافد الى عزائه كثرة من الأحبة والأصدقاء الذين جمعهم في مماته كما كان يجمعهم في قمة حيويته ونشاطه·

إننا نعزي إذ نعزي رفيقة دربه أم مشعل وابنه مشعل ندرك مدى فجيعتهما في فقدانه، فقد كان لهما الأب الرحوم والراعي العطوف الذي يظلهما بعطفه وحنانه وكان بإيمانه القوي وصلابة موقفه سندا لهما في مآسيهما كما حدث عندما اختطفت يد المنون ابنه شملان في العام الماضي فقد واجه الفاجعة بالصبر والأناة والتماسك مما خفف من معاناتهما وألمهما·

من شاهد كرم أبي مشعل وسخاءه اعتقد أنه من الأثرياء لكنه لم يكن كذلك ولم تكن إمكاناته التي بناها بنفسه كرجل عصامي إلا متواضعة، ومع ذلك فقد كان فعل الخير من شيمه دونما تباه أو تظاهر حتى أن أقرب أقربائه لم يعلموا بأنه كان يرعى العديد من اليتامى في الخارج إلا قبل وفاته بوقت قصير·

إن الحديث في تعداد خصال وسمات فقيدنا أبي مشعل المتميزة يطول، ومهما أطلنا فلن نوفيه حقه·· نسأل الله له المغفرة وأن يسكنه فسيح جناته ويلهم ذويه ومحبيه ويلهمنا الصبر والسلوان·

طباعة  

عبد الرزاق البصير .. يودع الأحباب