Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 7 ابريل 1999
العدد 1371

قراءة في "الأشياء"
باسمة العنزي والذات التائهة

كتب أكرم شاهين:

لم تتوان "باسمة العنزي" عن طرق أبواب التجريب بكل أشكاله، في إصدارها الأخير "الأشياء"، ولعل أهم سمة تميز هذه "الأشياء" هي القلق··!

للعاشق المتيم في بحور الريح والهوى، تفاصيل ودقائق، لا يدركها إلا المجرب، وأقول العاشق المتيم ليس له قرار إلا بمعانقة طيف الحبيبة فحسب، فطيف الحبيبة هو آخر الأمنيات لدى العاشق وسيبقى كل عشاق الأرض يحلمون بطيف ما·· الى أن يقبضوا عليه· وحتى يتم لهم ذلك··· سيعيشون حالة من القلق الوجودي··· الصوفي··· هذا القلق··· المبرر لهم··· والسُبة عليهم أيضا!!

 

قلق الأشياء

 

وباسمة في كتابها "الأشياء" تعيش هذا القلق الوجودي صراحة

··· "روحي الخضراء رصدت للدوران حول محورها دون الوصول لحالة استقرار، عندما أصلها سأفقد حروفي، حرفا، حرفا وأتلاشى"·

لكن هذا القلق· مضمخ بالعبث واللاجدوى من نهايات الأشياء وسخرية الحياة من الحياة:

من أين تبدأ الحياة؟ من قلق انتظار النهايات

من الأمنيات الهلامية من نسيج عنكبوت هائل علقنا به··؟

هذه اللاجدوى التي تعيشها ذات الكاتبة، ربما هي موجة جديدة أو حالة جديدة من مواجهة المثقف·· الفنان·· مع عصره الجديد، هذا العصر المليء بالتناقضات المفزعة·· ابتداء من الاتجار بالرقيق الأبيض والأطفال·· وانتهاء بحكاية العولمة بما يتطلب ذلك من الأشياء أن تنسى أسماءها، لتصبح شبه أشياء بلا أسماء·· ولذلك حينما تنظر الكاتبة الى الأفق المقبل·· ماذا ترى؟

"عندما أنظر الى الوراء، أبصق على ما مضى، أما إن سرحت في الأفق البعيد، ووصلت نقطة اللاعودة، أغمضت عيني على ظلمة موحشة لا سبيل للفكاك منها، حالكة، ومهلكة، تشبه أقداري"·

 

اغتراب العاشق

 

ولكن ماذا عن الشكل الفني:

عندما يهيم العاشق بمعشوقته، يعيش أحلامه وهواجسه، بشكل متوتر، متواتر، خارج عن نطاق السيطرة، يحاكي حالة من التماهي مع الواقع المنسرب من بين أصابع القلب كالرمل· وعندئذ يصير التعبير عن الروح يشابه حالة من اللعب البهلواني بالنار··· والكتابة، فيختلط الحلم بالواقع والذاتي بالكوني، ويصير العاشق في حالة من الوجد الصوفي·· حيث تأويل الأشياء مختلف، وتأويل المعنى هو الجوهر الأوحد· 

وماذا عن باسمة العنزي؟

إن باسمة في كتابها "الأشياء"، هي حالة من حالات اغتراب العاشق حيث للأشخاص أوجه مختلفة وللمعاني معان مختلفة أيضا·· حالة اغتراب يعيشها الفنان·· المثقف·· وبالطبع العاشق·

فمن الاسم "الأشياء"·· تتشيأ الأفكار والعواطف وتصبح تعبيرا عن معان إنسانية خالصة:

يكاد الآن ينطفئ/ جئت لمجرد الفضول/ لعبة جوفاء/ من أين تبدأ الحياة/ أشكال مختلفة لمعنى واحد هو··· اللاجدوى والعبث·

 

تفاصيل الفوضى

 

أما التفاصيل الأكثر دقة·· فهي "باسمة" تمسرح الحياة والشخوص، حتى أنك لا تميز بين بطل وآخر في جميع المشاهد المسرحية، فالأبطال دائما: الأول··· الثاني، وحوارات ذهنية، تشد المعنى الى الأشياء، وتهرب من الأشياء معناها··· حالة من الفوضى تشبه الفوضى التي نعيشها في خبايانا حتى لو تظاهرنا بالعكس، أي أن المؤلفة، أخذت من المسرح الشكل الخارجي جدا، وبعدت تماما عن الحالة الجوانية للمسرح، من مغل - وحوار درامي، وأبطال من لحم ودم··· الخ··· حتى أنه يخيل للقارئ أن ما يقرأ يشبه المسرح بقدر ما يشبه القصة القصيرة··· ويشبه الشعر بقدر ما هو بعيد عن الشعر· حسنا إذن ما هو؟:

 

حالة شعرية

 

كم من ناقد يعتبر أن الحالة الشعرية أهم من الشعر···!!؟

هل باسمة تكتب حالتها الشعرية الخاصة·· من دون الشعر؟ هذا ما يمكن أن يقال عن كتاب "الأشياء"، إنه حالة شعرية صادقة تحاول التعبير عن ذاتها من دون أن تقول هذا أنا، هذا شعري أنا بل إنها ولأنها تعيش الحالة بكامل أبعادها صارت تشبه العاشق المأخوذ بحبيبته، ولا يعرف كيف يعبر لها، هل يبعث بوردة·· أم أغنية؟·· أم قبلة في الهواء··؟ وربما يكلم نفسه بنفسه، فيحسبون أنه ممسوس··!!

ولعل هذا الاغتراب الذي تعيشه باسمة كعاشقة للحياة، ومدافعة عنها، لم يمنعها من أن تعبر عنه في كتابها بشكل جلي، فالأبطال يعيشون حالة اغتراب مستمر·· وحالة سوريالية من التداخل ما بين الواقع والحلم والوهم في مخيلتهم···! والمسرح عندها ليس المتعارف عليه·· بل إنه "يمكن أن نصنع مسرحا من كل شيء"· وهذا بالفعل ما فعلته المؤلفة عندما مسرحت الأفكار والأشياء·· والأشخاص، وعبرت عن قصائدها الخاصة عن طريق حوارات ذهنية بين أبطال مفترضين تحت إطار مشهدي، يحيل ذهن القارئ وبشكل آلي الى مفهوم المسرح التقليدي المتعارف عليه، لكنه سرعان ما يصطدم بصخرة التغريب والتجريب···!

 

البحث عن المعنى

 

ولذلك كان كتاب الأشياء، كتاب التائه عن الأشياء، القابض على جمر المعنى·· كتاب العاشق أبدا·· والذي لن يصل الى عشقه، وهذا ما يعطي للكتاب نكهة خاصة، رغم تداخل الأشكال الفنية! فـ"الصراصير" قصة قصيرة، ليس أكثر أو أقل·· رغم ما فيها من جمالية في الطرح··· وطرافة في البطلة إلا أنها تحقق جميع الشروط الفنية للقصة القصيرة·· رغم وجود الحوار الظاهري الذي يحيلنا الى المسرح··· لكنه يحيلنا أكثر الى قصة قصيرة ما تنحو منحى التداعيات وتوالد الأفكار··· على شكل منولوج داخلي "وهنا المونولوج صار خارجيا" أي أنه تموه على شكل ديالوج، وهذه القصة المسرحية رغم بساطتها، تحمل معنى وجوديا قلقا، مليئا بهزلية ما، وعبثية خفية تحيل العادي اليومي الى رمز أسطوري مغلق· أما باقي اللوحات أو القصص أو المشاهد·· إن شئت، فهي تزخر بأبطال مغربين عن واقعهم، منسجمين مع بنات أفكارهم وهلوساتهم، فرغم فنتازية الشكل، فإن البطل يتكلم كلاما عاديا واقعيا يوميا، ثم يتكلم كلاما مرمّزا·· هذا هو الشرخ الذي تبحث عنه باسمة، هذا الشرخ الجرح الذي جعل حياتنا، قشة في مهب الريح، فلا الحب·· حب·· ولا الصداقة صداقة·· أما الوطن··!!؟ ربما فقط الطبيعة هي الحقيقة الوحيدة في العالم·· وربما تعاقب الفصول هو الحقيقة·· والحقيقة فقط!

 

مسرحة العالم

 

لعل إصرار المؤلفة على مسرحة كل شيء يحمل فيما يحمل عدم الثقة بكل شيء·· فالظاهر غير الباطن، والواقع مناف للحلم والحياة ليست إلا أوهاما نتخيلها·· ونصدقها·· ونعيشها·· وإلا لماذا هذا الحوار العابث؟:

حزينة لكني ابتسم، فقيرة وأصرف ببذخ·· حرة رغم سلاسل العبودية حول رقبتي·· مشدودة، ولي نقطة ارتكاز واحدة في هذا العالم، قادرة على الامتزاج بأرواح كل البشر، وعاجزة عن هدم أسوار وحدتي وغربتي·· أنا باختصار قطرات ماء من بر أصابه الجفاف، تحاول الالتصاق بسطح زجاج أسود·· هذا الإصرار المتلاشي في الاستسلام العنيد·· الاستسلام التكتيكي من أجل استراتيجية العبث المنسدل على شمس أيامنا كالمساء!

وبعد··· وماذا بعد··؟! لعل الكلام عن هذ التجربة يحمل أكثر من وجهة نظر وربما أكثر من رأي، أما القول إن هذه التجربة قد اكتملت ونضجت فهذا برأيي ظلم للكتاب والكاتبة معا· فهي تجربة منجزة بمعنى الوليدة، وتحتاج الى تعمق بمعنى أن التجربة الإنسانية مفتوحة الأبعاد وربما يحتاج كاتب ما الى وقت طويل حتى يجد الشكل الملائم له أو لنقل حتى يجد الرعشة الخاصة به والنبض الموائم لدقات قلبه·· ويكفي أن كاتبة ما في وطننا العربي تمخر العباب عكس التيار وتجتاز المسافة الشائكة·· حافية·· دامية·· وتوقع حيث الناس يرقصون·· هلعا·· وتدون·· حيث الناس ينسون ذاكرتهم··· وهي تحمل دوما قصب السبق وشعلة المستقبل··؟؟

طباعة  

أفق
 
أقام معرضه الشخصي في طهران
فريد العلي ..يجعل أحرفنا تشعّ جمالاً

 
عبد الرزاق البصير ..في ذمة الله
 
إصدارات
 
أخبار ثقافية
 
جديد مجلة "عالم الفكر"
ابن رشد رائد التنوير

 
أسس مع زملائه منظمة لمقاومة "التجنيد الإلزامي"
سميح القاسم: حاولوا إسكاتي منذ الطفولة ..وسأريهم كيف سأتكلم!

 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس