Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 7 ابريل 1999
العدد 1371

أسس مع زملائه منظمة لمقاومة "التجنيد الإلزامي"
سميح القاسم: حاولوا إسكاتي منذ الطفولة ..وسأريهم كيف سأتكلم!

·         دعوني أصارحكم بأننا شعب قلبه على وجهه

·         واقعنا العربي الآن مضحك مبكٍ

·         الكلمة الشعرية رسالة من طوفان غاضب

 

كتبت منى زين الدين:

جميل أن تقف وجها لوجه أمام الشاعر·· تحسّ أن القصيدة على مرمى يدك وقلبك، وأنّ لحظة مضيئة ستأخذ مكانها المميز في الذاكرة، وأنّ علاقة حميمة توحد بين أطراف ثالوث الشاعر والقصيدة والجمهور·

ففي مهرجان جرش سكنت الجماهير غمامة الشعر، وسبحت في فضاءات الحلم تتابع رحلة الشاعر سميح القاسم بين الزيتونة والجرح، والوردة والسيف والدخول إلى أعشاب الروح المتمردة على الواقع والقيود والآلام، سميح القاسم جاء ينثر جراح أمة ما زالت تقاوم·· وشعبا أبيا سيظل دائما يدافع عن قضيته في الحياة·

ونحن نعلم أن سميح القاسم من الأصوات الشعرية الرائدة في حركة الشعر المقاوم التي تفجرت عقب هزيمة 1967 مع كوكبة من الشعراء المناضلين منهم محمود درويش وتوفيق زياد وفدوى طوقان وغيرهم من شعراء الأرض المحتلة الذين غمسوا أقلامهم في دماء الجرح وكتبوا لنا أروع قصائد العشق والنضال من أجل الوطن المأسور النازف دمعا وحزنا في قيد العدو الإسرائيلي·

 

الدرس الأول

 

واخترق صوت سميح جدران الصمت وحطم القيد واجتاز المسافات ليعلن ثورة الغضب والضجر والتحدي لأعداء الوطن، هؤلاء الأعداء الذين ارتسمت ملامحهم في طفولته حين كان يستقل القطار مع أسرته عائدا من مدينة الزرقاء بالأردن إلى فلسطين وظل يبكي بحرقة خائفا من الظلام وصوت القنابل التي  أشعلت الحرب العالمية الثانية، وهنا ضجر الجنوب من صوت الطفل الباكي وشهر أحدهم سلاحه في وجه الطفل الصغير ليكف عن البكاء·

ويقول سميح القاسم عن هذا الموقف:

- لقد بلغ بهم الذعر إلى درجة تهديدي بالقتل إن لم أسكت مما دفع والدي إلى إشهار سلاحه في وجوههم لردعهم·

هذا هو الدرس الأوي الذي تعلم منه الطفل سميح القاسم معنى المقاومة والعناد· فقد عرف السر في الصوت المرتفع أنه يقلق راحتهم فيقول:

- حين أخبروني بالحكاية عندما كبرت شعرت أن حفرة عميقة نخرت عظما في مكان ما في صدري وقلت في نفسي حسنا لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة سأريهم كيف سأتكلم متى أشاء وفي أي وقت بأعلى صوت ولن يقوى أحد على إسكاتي·

ومنذ تلك اللحظة تعلم القاسم من طفولته العناد والمكابرة والتحدي للظلم والاستبداد من دون أن يخاف من المدافع أو البنادق المصوبة إلى صدره·

ضحك كالبكاء

وبدأ سميح القاسم يختزن صوته في الأعماق ليطلقه ويبعثه قويا وشجيا بالنغم المناضل يغني للوطن والإنسان والحب والحياة·

وحين وقف سميح القاسم في "جرش" وقف محفوفا  بالمشاعر المتأججة بالحب والحنين إلى هذا الصوت الذي أكد ذاته والتحم بلحم الوطن وقلبه وشرايينه ولذلك قال للجمهور:

- دعوني أصارحكم بأننا شعب قلبه على وجهه·

ووقف سميح شامخا يقرأ بعض قصائده ويرجع بذكرياته إلى زمن الهزيمة عام 67 ليقول متأثرا بالموقف:

- أتذكر هذا الموقف حين كنت في موسكو وعرفت أن الشاعر الكبير صلاح جاهين يعالج في أحد مستشفياتها وقد دخلها على إثر هزيمة 67 والتقيت هناك بأصدقاء لي كثيرين هم: المخرج يوسف شاهين والدكتور مراد غالب سفير مصر في موسكو في ذلك الوقت·

وقلت لهم نريد إخراج صلاح جاهين من حزنه ونجلس معه، وبالفعل عقدنا أمسية صغيرة وضحك صلاح جاهين كثيرا ثم فجأة يجهش بالبكاء، وقرأت له بعض القصائد، فكان الجالسون يضحكون ثم يبكون، وهذا هو موقفنا اليوم بين الضحك والبكاء·· نحن في وضع مضحك مبكٍ ولا ندري إلى أين؟

وبدأ الشاعر بإلقاء قصائده ومن أهمها قصيدة "خذلتني الصحارى" التي أودع فيها لوعته وحزنه الشديد على الأرض وما صارت إليه القضية العربية ولاسيما قضية بلاده·

 

خذلتني الصحارى

 

ويقول سميح القاسم في قصيدته "خذلتني الصحارى":

أستطيع البكاء لك الآن·· بعد بكائي عليك

أستطيع الرحيل بك الآن·· بعد رحيلي إليك

أستطيع فهاتي يديك

آن لي أن أفوز بموت

قرير على ساعديك

آخ من وجع الناي

يسترجع الناي حين يبوح

بأوجاعي ضربة الفأس في القصب الحي

يسترجع القلب أوجاعه

آخ·· من أين عاصفة الثلج

ليل اقتلاع الشرايين من لحم بستانها

آخ من أين رعب اجتثاث

يدي من يديك؟؟

 

طفولة شاعر

 

سميح القاسم تلقى دراسته الابتدائية في مدرسة دير اللاتين في مدينة الرامة وأكمل الدراسة الثانوية في مدرسة البلدية في الناصرة، وبعد ذلك درس الفلسفة والاقتصاد السياسي في موسكو لسنة واحدة·

خلال دراسته اختزنت ذاكرته صورة السلاح الموجه إليه ليكف عن الصراخ فبدأ يسجل تأملاته وأفكاره في قصائد ضد السلطة والظلم وكتب بعض هجائيات ضد نظام التعليم والمعلمين التقليدين·

عاد سميح القاسم من روسيا ليعمل في التعليم وجمع قصائده الثورية وأصدرها في ديوان فقررت الإدارة التعليمية فصله من العمل لهذه القصائد الغاضبة، ولكنه لم يتوقف واستمر صوته يعلو ضد أعداء وطنه·

ويقول سميح عن ذلك:

- وإذا بصرخاتي وضجيجي نابعة من صرخات شعب كامل شعب فلسطين والأمة العربية وشعوب الكرة الأرضية المقهورة·

وقام سميح القاسم مع بعض زملائه وأسسوا منظمة الشباب الأحرار لمجابهة قانون التجنيد الإلزامي المفروض على أبناء الطائفة العربية الدرزية وعلى البدو والشركس لأن هذه القوانين هدفها تمزيق وحدة جماهير الشعب الفلسطيني·

وانطلقت الكلمات الثائرة رصاصات في وجه العدو الاسرائيلي:

منتصب القامة أمشي

مرفوع الهامة أمشي

في كفي قصفة زيتون وحمامة

وعلى كتفي نعشي

وأنا أمشي

قلبي قمر أحمر

قلبي بستان

 

الصوت الثائر

 

وأصبح سميح القاسم نزيل السجون والأسر يحاول العدو أن يخمد هذا الصوت الغاضب·· الصوت البركان ولكن لايستطيع· ولذلك يقول سميح عن رسالته الشعرية: الكلمة الشعرية رسالة من طوفان غاضب· وينثر سميح بعضا من هذا الحزن العتيق والنضال بالروح والكلمة والسلاح والعشق الحميم للأرض ويقول:

إلى أين يمضي المدى المضحك

إلى أين هذا الرحيل

فلا الدار دار

ولا الأهل أهل

ولا الجريح يرثي

ولا القلب يشدو

ولا العيش يعطي

ولا الموت يحلو

إلى أين هذا الذهاب

الإياب الحضور الغياب

السراب الخراب العذاب

وما من جدار يحول جدارا

وما فيه باب

ويبقى الرحيل

لتطبقه زوابع حزني على قلعة الموت

ولتقتصر نزوات البراكين

وتنسى المراسيم والخطب الموسمية·

إن قصيدة "خذلتني الصحارى" تمثل لوحة فنية رامزة للمعاناة التي يحياها الشاعر مع قومه، فهو دائما في افتقاد لشيء ما·· افتقاد لرائحة الأرض·· لعطر شجرة الزيتون·· افتقاد للبطولة العربية الحقيقية·· وأيضا للتواصل الوجداني والفكري الحميم بين الإنسان وأخيه الإنسان فوق هذه الكرة الأرضية·

ولا يمكن أن ينسى سميح القاسم قصة كفاحه ونضاله داخل الأرض المحتلة حين قذفوا به في السجون وأجبرته السلطات العسكرية الإسرائيلية على العمل في غرفة الموتى بمستشفى رميام في حيفا وأجبرته على تكليس الجدران وشق الطرق والعمل تحت الشمس الحارقة·

الشاعر الفدائي

ورغم الصعوبات التي عاشها الشاعر سميح القاسم فقد ظل صامدا يعلو صوته في وجه الغزاة حتى قيل عنه الشاعر الفدائي ·· ويصرخ:

قسما لن تدفنوها

قسما لن يطمس الرمل بلادي العربية من دم القتلى سنسقيها ونحييها

ونعطيها حياة أيدية

باسم ليلى ·· باسم ليلى العامرية·· ويعود سميح القاسم إلى الصحراء التي خذلته ليعبر عن موقف الإصرار والرفض لكل من يحاول أن يزيف القضية ويمحو الهوية لتظل الأرض نابضة بدم العشق والحياة· ويغني الشاعر لبدر الصحارى حين يكتمل ويكشف في الضياء المؤامرات التي تحاك ضد براءة الأطفال في فلسطين وينادي الأرض أن تضم رفاته إذا استشهد في قلبها الحنون ويقول:

بدر الصحارى اكتمل

وأنا والمدى والجمل

والردى صاحب

والأجل

لاعب بجموحي القديم

والصراط دمي المستقيم

هي التي وهبتني الإله من التمر

يا من أتت لفحة ومضت صيحة

في فضاءاتي وهواء توارى

خذلتني الصحارى

ويستنزف سميح القاسم دم الشعر المقاوم في مواجهة الجماهير التي تأجج العشق في قلبها وارتوت من  نهر الحنين لهذا الكوكب الساري بين حقول الزيتون وسنبلة المقاومة في الأرض العربية·

تعاطف عميق وعلاقة وثيقة بين الشاعر وأرضه فلا تكاد تفرق بين الأرض والحبيبة أو بين الأرض والأم الثكلى بالجراح·· وهذه العلاقة هي التي استطاع شعراء المقاومة أن يعبروا عنها وينسجوا من الدمع وشاحا لهذه الأرض العارية· ويقول سميح القاسم في موقف عذابه وعناقه مع الأرض:

هاتي جموحك يا لعنة الله

هاتي جموحك يا لعنة الله

يا لعنة الله نورا ونارا

ومدي وشاحك يا رحمة الله

لست أنا أطلس الأرس

لست أنا أطلس الأرض

من كنت حتى أنوء بكوكب

وحيدا شريدا طريدا

بسيف ولا نصر شعب ولا أسر

على ساحة العرش في هيئة الأمم البربرية

ويؤكد الشاعر مدى اصطباره على الخطوب  والأزمات والتجائه الدائم إلى حكمة الله التي تتسع برحمتها العالمين ليسرب لنا فكرة التذمر والسخط الذي يعقب هذا السكون والصبر، فكرة الخروج على جيوش التتار التي تكتسح البحر وتردمه بمخلفات حضارة الغرب البائدة· ويعبر عن هذا الموقف محاولا أن يجد خلاصا لتلك الأزمة الروحية والوطنية التي تحاصره من الداخل والخارج، فيقول:

أطعت الرسول بالأمر

عشت ومت عشت ومت

على سنة الله والحب

في السر والجهر

وعند اختلاف الجواب

بفوضى السؤال

لجأت إلى حكمة الأولين

وما ضقت ذرعا بدوامة الآه لزمت حدودي بدون حدود

وما من زمان أقيس عليه زماني

وما من مكان أقيس عليه دروب رحيلي وحولي الملايين ·· ما من أحد

وألقى الشاعر الكبير قصائده والجماهير ترحل معه إلى كل نبتة وسنبلة خضراء ما زالت تحلم بالحرية والنهار الجديد.

طباعة  

أفق
 
أقام معرضه الشخصي في طهران
فريد العلي ..يجعل أحرفنا تشعّ جمالاً

 
عبد الرزاق البصير ..في ذمة الله
 
إصدارات
 
أخبار ثقافية
 
جديد مجلة "عالم الفكر"
ابن رشد رائد التنوير

 
قراءة في "الأشياء"
باسمة العنزي والذات التائهة

 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس