Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 - 19 ذي الحجة 1419هـ - 24 مارس - 6 أبريل 1999
العدد 1370

الشاعر محمد يوسف واللمسات الروحية في ديوان "أناهيد"
تجربة اليتم تفتح أفقا من نور لتعلن الرفض والتمرد على الواقع!!!

·         غربة الروح وتمزقها ولكنها لا تنفصل إطلاقا عن جذورها العميقة الضاربة في الأرض

·         في ظل الارتباك الدموي والفوضى لا مجال هنا لحزن الوردة أو خوف السنبلة···!!!

·         عذابات روح تنشد التسامي والتسامح ولكنها تتمزق فوق أرض أهلكها الجوع والحرب والدمار··!!

 

كتب علي عبدالفتاح:

الشاعر محمد يوسف في ديوانه الجديد "أناهيد" يكشف عن تجربة روحية تحاول أن تستشف آلام الإنسان المعاصر وتنثر من جراحه وردة ياسمين عابقة بالتسامح والحب والحنين إلى التعاطف مع كل هؤلاء المنبوذين والضائعين في الأرض، ويكمن ابتكار الشاعر في هذه الرؤى الفنية التي يطرحها ويصور من خلالها مشاهد ممتزجة بدمه وحبه وإيمانه العميق بنهضة الأمة وانبعاثها ونضالها من أجل الحرية والسلام·

والشاعر محمد يوسف يكتب عن عمق تجربة استمرت أكثر من ربع قرن من الزمان بين المدائن والمنافي وفي عيون سنبلة القمح الطالعة على ضفاف مدينة المنصورة· ولذلك عندما يكتب فتجد هناك دلالات تاريخية تتمثل في ثقته الكبيرة بعودة إشراقة النور إلى عصرنا وكذلك دلالات دينية إسلامية يتخذ من شخصياتها وفرسانها قناعا للتعبير والاسقاط على الواقع، وتلمح أيضا رموزا إنسانية تؤكد التزامه كشاعر بقضايا بلاده·

والشاعر محمد يوسف صدر له من قبل أكثر من عشرين عملا إبداعيا من دواوين شعرية ومسرحيات وكتب نثرية وكتب تربوية وتلك لمحات عن ديوانه الأخير "أناهيد"·

 

تجربة روحية

 

إنها تجربة ثرية تغمر روح الشاعر محمد يوسف·

تجربة التحليق بجناحين من نور ونار·· حين يقبض العاشق على جمرة الحرف·· ويصطلي وجدا بنيران الشوق ويظل متدفقا صوب نبع من اللوعة والعذاب·· ومبحرا في سحائب هذا الملكوت الأعلى·

وهنا تتجلى اللمسات الروحية بعمق أسرارها·· وعنف وصالها من خلال مرايا الروح حيث تبدو ظواهر الكون الخفية شفافة حالمة منطلقة من لذة الكشف عن خفايا الوجود والرغبة في التواصل الإنساني الحميم بين الشاعر والكائنات الرقيقة من حوله· تكشف اللمسات الروحية عن هذا الموقف الإنساني الذي ينتمي إليه ويتأثر به إلى حد الاستغراق والمعايشة مع قضايا الناس وأفكارهم والاتجاه إلى زلزلة الجمود العتيق الذي يحاصرنا بالخوف والرهبة ويشيع في حياتنا مشاعر اللامبالاة·

 

تحريض الفكر

 

الشاعر محمد يوسف من خلال لمسات الروح الإنسانية يحرض الفكر على الرفض والغضب وتجاوز مرحلة الثبات إلى التغير والتطلع إلى آفاق رحبة تتكاثف فيها طاقات الإبداع والابتكار لدى الإنسان· فإذا بنا نشعر في كتاباته برجفة روح وانتفاضة حس وانطلاقة شعور مرهف عميق حافل بالأسي لما يسود عالمنا من سقوط وزيف وانقلاب في المعايير وتفشي الروح الفردية الحسية، وسيطرة القوى الطاغية على حريتنا وطموحاتنا الكبيرة· ورغم هذا الخراب المأساوي يرنو الشاعر محمد يوسف إلى التسامي والتسامح وتلك سمات الروح الخافقة بالمثل العليا الرافضة تهتك القيم وتمزق الحياة الجميل·

وفي التسامي والتسامح سمو المشاعر والأحاسيس حيث تتسامح الروح المحبة المحلقة بالنور في فضاء الانخطاف واللهفة إلى العليا· وهنا يبذل الشاعر جهدا روحيا لتجاوز فساد الواقع ومواجهة وباء المدن الخاضعة تحت رحمة خنجر الغزو الخارجي سواء عن طريق هذه الكتب وثقافة الجنس وسفاسف الكلام، أو عن طريق دهشة الصور البراقة التي تقهر الفقراء والبسطاء في بيوتهم الآمنة من خلال الأقمار الصناعية السابحة فوقنا تهددنا وتترصدنا وتتابعنا وترسمنا بدقة ثم تحاول أن تكسر أرواحنا·

 

مواجهة العالم

 

وهنا تأتي ضرورة هذه اللمسات الروحية حيث تفتح أفقا من نور لتواجه عالما محسوسا غارقا في دورة الحياة العادية·

 وتحاول القصيدة لدى الشاعر أن توقظ الغافلين الضائعين وراء هذا الاستنزاف اليومي وتنير لهم الدرب وتضيء الشموع·

ومواجهة العالم بالروح قضية عاشها الشعراء منذ قديم الأزل حيث حاول الشاعر القديم أن يقهر الغربة بالروح في صحراء خالية من الإنس تسكنها الوحشة ويتدفق فيها تيار الدمع وخيام غفا عليها أنين العراء· وكذلك الشعراء المحدثون وقفوا ضد ضياع الأرض وسقوط الإنسان بروح شامخة تعلن الحرب على المنفى والاغتراب والموت اليومي الذي يقبع لنا في أغلفة المجلات وصفحات الجرائد وأخبار الحروب وقتل الشعوب وإبادتها من دون وجه حق سوى إعلاء قيمة المارد الجبار الذي يجرب تكنولوجيا الأسلحة في إراقة دماء الشعوب المغلوبة على أمرها·

 

الجهاد الروحي

 

بعض الشعراء ينحازون إلى الطبيعة هربا بنقاء الروح·· والبعض الآخر يسكن إلى همومه الداخلية ويتقوقع داخل الذات باحثا عن خلاص· ولكن أغلب الشعراء والمبدعين انحازوا إلى الغضب والانفجار والرفض· وكان هذا الخيار الأخير ضمن طرائق سلكها الشاعر محمد يوسف للتعبير عن عذابات روحه وتعميق تواصلها سواء من خلال الرمز الديني أو القناع أو الدلالات الجمالية المرتبطة بموقفه أمام العالم كإنسان يحلم بالخير والعدل والحرية·

وكُتب على الشاعر جهاد روحي أصبح يمثل سر التزامه وارتباطه بالقضايا الكبرى· فقد أصبح عليه أن يقاوم ويتألم ويقف على أرض أضناها الخراب والإثم والفجور ولكن عليه أن يشق دربا مضيئا·· وعليه أن يقاوم من أجل قطرة ضوء ويحنو على باقات الياسمين يبثها حنانه وتهدهد الشمس ظلال عيونه ليغفو فوق روابي نهار طالع زاهيا بسنبلة القمح ، وكلما تعذبت روحه احترق في جحيم الكتابة يشعر بالتفرد مع ذاته والتوحد مع أشياء وكائنات غير مرئية· ويرفض كل ما يراه أمامه لا يرقى إلى مستويات الروح العليا·

 

بلاد الأندلس

 

ويجول بنا الشاعر داخل كتاب من نور مدائن اندثرت وفراديس غفت في طيات الضباب ويطرح التساؤل علينا ليشعرنا بالصدمة فيقول:

أين بلاد الأندلس؟ أين الفتوحات الكبرى؟ أين مجد العرب الإسلامي؟ أين هذه الرموز الشاهقة بتراثها وإنجازاتها وفكرها المستنير؟

ويجتاح اليتم هذا الشاعر

وكما يقول في كتابه "رسائل حب إلى أروى":

- الشعر يتم واليتم مكانة ومنزلة والمنزلة تشريف بالتكليف سواء كان الشاعر في خرقته الصوفية أو ماثلا في تجسد الرفرفة والرفيف أو منتصبا كصعلوك جميل نبيل على غابة الرصيف ، وما بين الوردة والرغيف والرصيف صلة رحم وقربة ووصال·

تجربة اليتم إذن هي انسحاق الروح إلى حدة التناقض البين الواضح بين هذا المارد الخفي الذي يملك ما لا نملك ونحن نحتمي بما لا يحتم به· أي أن المارد يملك سلطة المادة وقدرتها على قهر الشعوب ونحن نملك جسارة الروح وقدرتها على كشف دروب النور وبعث صرخات المقاومة والنضال·

نحن نحتمي بالروح والمارد يحتمي بالمادة ، والروح خالدة الأثر والمادة زائلة وفانية·

فلمن تكون الغلبة؟ وردة الروح أم دخان الحرائق وغبار التكنولوجيا المعاصرة؟ فالتناقض صارخ بين غزالة الروح وسهام الوحوش البشرية في الغابات الساكنة·

فإلى أين يذهب اليتيم؟

واليتم بما يحمله من معنى الارتقاء والتوحد والنبل الأخلاقي كيف يمكنه أن يفترس ويتوحش بين حيوانات هذا السيرك الكبير؟؟

أين يهرب في عالم من خراتيت؟

لقد أطلقها الكاتب المسرحي الألماني بريشت حين قال في جرأة:

- نحن نناشدكم في صراحة ألا تروا فيما يحدث كل يوم شيئا طبيعيا لأنه ما من شيء يوصف بأنه طبيعي في مثل هذا الزمن الذي يسوده الارتباك الدموي والفوضى المنظمة والتعسف المدبر والإنسانية المتنكرة لإنسانيتها حتى لا يستعصي شيئ عن التغيير·

 

تجربة اليتم

 

تجربة اليتم هي إحدى سمات اللمسات الروحية في شعر محمد يوسف ولكنها لا تعني رغم انكسار الذات أن تفقد الروح جوهر اليقين وفردية البعث والنهضة في وجه الخوف واليأس· إن النفس قد تنكسر أو يعتريها الإجهاد ولكنها لا تهزم أبدا ورغم قصقصة جناح المشاعر في المنافي وبعثرة الريش الناعم لطائر العشق فلا يسكن الشاعر إلى الانطواء ولا ينعزل حتى التلاشي·

إنه يخرج يغني غنائيات صحوة الحرف وتمرده وغضبه·· غناء يرفض السفوح ويهوي القمم العالية والانتماء إلى صفوة المعذبين بالحزن النبيل ومتعة الروح في الحب والجمال والحرية· وكما يقول تولستوي:

ــــ هناك من يحيا من أجل المتعة واللذة الجسدية والمادية وهناك من يحيا من أجل الروح والجمال والخير والعدل·

وإذا كانت مأساة الشاعر محمد يوسف أن تظل روحه تحلق وترفرف رغم هذا الصراع الغريب حوله، فإنه ارتشف من رحيق التجلي في الملكوت الأعلى قدرة هذه الروح على شق عتمات الظلام وتجلس عند الأفق البعيد ترقب شجيرة النهار الطالعة مع خيوط الفجر الأول، ويمسح الشاعر حزنه بحنين الوردة للحرية ويشرب قهوته المرة في حضن النيل فاقرأ ماذا يقول عن ذلك: "ديوان أناهيد"·

يوسف··

ها··

أنت

أخيرا

والوقت رماد

ترتشف أريج النشوى

وتشم قميص المحروسة

ينفجر الكافور

المخبوء بذاكرة التوت

فتركض

مثل غزال

تتخطفه تطويحات المس

فيقطف من شجر اليأس

غناء

يشرب قهوته المرة

في حضن النيل

يحاور سرب يمام

يسأل عن أصحاب

لم يبتلعوا كابوس الأحزاب

وعن أصحاب تاهوا

عند تخوم الأندلس المفقود

وعن أسماء ليست كالأسماء

وعن نقطة ماء

تصلح أن توقظه

عرش الحرف الواصل بين الكاف والنون

وعن مدن

لا تمسخها المليشيات

ولا جعجعة الجنرالات

وعن شمس لا يحجبها طاووس السيرك

المنصوب من الجد إلى الهزل

من الوصل إلى الفصل

إلى العزل

وبالعكس

و·· عن سنبلة

تتجلى في صوتك

وتشق جنون غنائك

يوسف فامسح حزنك بحنين الوردة للحرية

واشرب قهوتك المرة

في حضن النيل····

ويظل الشاعر محمد يوسف في اغتراب الروح ومنفاها·· يظل في احتراق القصائد والتدثر برمادها وتوهجها ويلجأ إلى براءة الوردة وطهر السنبلة يبحث ويبحث ويدق جدران الصمت وجدران التاريخ وتتكسر مرايا الواقع الرديء لتنساب الروح بجسارتها تجتاح الظلام وتنثر نور الفجر الجديد·

طباعة  

أفق
 
حول دعوة "زليخة أبو ريشة" للغة غير جنسوية
اللغة العربية تكرّس ظلم المرأة وتتحيز للذكورة

 
إصدارات
 
ملحمة علي الكاشاني
 
الجبر والهندسة في القرن الثاني عشر مؤلفات شرف الدين الطوسي
 
لظروف خارجة عن الإرادة
رابطة الأدباء تؤجل محاضرة الدكتور النجار

 
"المجتمع" تدعو "سعاد الصباح" للهداية!
 
أخبار ثقافية
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس