Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 15-21 ذي القعدة 1419هـ - 3 - 9 مارس 1999
العدد 1367

التخاذل أرسل أوجلان إلى غرفة التعذيب
تركيا ترتكب أضعاف ما يحدث في كوسوفو فلماذا يسكت الأوروبيون والغرب؟

بقلم جيرار شاليان *

أظهرت أعمال العنف التي ارتكبها الأكراد في عدد من العواصم الأوروبية عند إعلان القبض على زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان في نيروبي أن القضية الكردية ليست بالنسبة الى الأوروبيين مسألة تجريدية· أفليست تركيا مرشحة لدخول الاتحاد الأوروبي؟

منذ وصوله الى إيطاليا في نهاية نوفمبر 1998 تبين أن عددا من الدول الأوروبية يرفض إعطاء حق اللجوء السياسي الى أوجلان برغم أن البلدان الأوروبية تعلن التزامها حقوق الإنسان· وكانت نتيجة جبن الأوروبيين الذين طالبوا تركيا مرتين عامي 1987 و1992 بتغيير سياستها إزاء الأتراك،أن تركت إيطاليا معزولة وأرسلت الزعيم الكردي الى غرفة التعذيب· وكان يجدر بقادة أوروبا أن يقرأوا رواية عمدة ديار بكر مهدي زانا "السجن رقم خمسة" عن أعمال التعذيب التي عاناها في سنوات حبسه·

لقد حان الوقت لأن يثبت الأوروبيون انسجامهم مع المبادئ، فلم يعد يكفي هذه المرة أن يطلب هؤلاء القادة من تركيا، بطريقة المجلس الأوروبي، تغيير سياستها إزاء الأكراد ثم يرضخون للتهديد التركي بالانتقام اقتصاديا، فأوروبا هي عنصر ضروري لتركيا وليس العكس·

فالدولة التركية تمارس في المقاطعات الجنوبية الشرقية منذ 12 سنة سياسة قمعية بعيدا عن عيون وسائل الإعلام الغربية تتخطى بكثير الأحداث الجارية الآن في كوسوفو التي تتركز عليها أنظارنا· فقد دمرت السلطات التركية أكثر من ثلاثة آلاف قرية تركية، واستنادا الى مصادر أمريكية، نزح أربعة ملايين كردي نحو الغرب ووسط البلاد وأعيد تجميع مليونين في الحواضر الكبرى من أجل السيطرة عليهم· وهذا يمثل سياسة تهجيرية لا يمكن أية دولة في البلقان أن تمارسها من دون أن تتعرض للتهديد بالقصف (الغربي) وهذا يوضع أن ثمة مكيالين في التعامل مع حقيقة واحدة يرقبها من يهتمون بالعلاقات الدولية·

فبالنسبة الى حقوق الإنسان، نجد أن احترامها وإدانة انتهاكها يتوقف على جغرافيا سياسية يقررها ما إذا كان الطرف المعني حليفا أم عدوا (للغربيين) وهكذا تبقى تركيا التي هي عضو في حلف شمال الأطلسي، وشريك تجاري مهم للأوروبيين في موقع دبلوماسي أفضل يتيح لها الوقوف في وجه أوروبا ذات الإرادة الضعيفة·

لا شك أن حزب العمال الكردستاني هو أبعد من أن يكون منظمة ديمقراطية· فالأيديولوجيا التي يتبناها هي أيديولوجيا مادية (نسبة الى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ) قاسية بقدر قساوة أيديولوجيا حزب "الطريق المضيء" في بيرو· أما زعيمه أوجلان فليس الزعيم الأكثر إشراقا بين الزعماء الأكراد، غير أن الحركة التي يقودها، وهي ذات كثافة شعبية كبيرة، ليست حركة إرهابية كما تردد السلطات التركية، فهي حركة فدائية نجحت في محافظات عدة أن ترفع رأسها برغم المطاردة الكبيرة للجيش التركي الذي يبلغ قوامه 750 ألف رجل·

كانت الردة الانتقامية التركية، التي لم تتورع عن التدخل في شمال العراق لمطاردة عناصر الحزب، على قدر من القساوة لم يستطع أحد أن يدركه· فإبان تدمير القرى وأعمال التهجير والترحيل القسرية، عملت "كتائب الموت" التركية على قتل وتصفية شخصيات كردية كان يمكن أن تقدم حلولا بديلة من تلك التي يطرحها حزب العمال· وهكذا تبقى السلطات التركية متمسكة بالحل العسكري للقضية الكردية·

فاتهام عبدالله أوجلان بالمسؤولية عن مقتل 29 ألف شخص في هذه الحرب هو اتهام مضحك· فليس هناك أية حركة فدائية معاصرة استطاعت أن تسقط هذا العدد من الضحايا بقدر ما فعلت القوات التركية، وهذه مسألة قدرات· لكن يبقى حزب العمال غير بريء من الطابع الإرهابي·

ولا شك أن عبدالله أوجلان متهم بترويج المخدرات، لكن الناس ينسون أن تركيا تحولت بفعل تواطؤ الأجهزة الكبرى في الدولة الى أكبر مركز لإعادة تصدير المخدرات نحو أوروبا·

وهكذا يمكن أن نتساءل عن محاكمة مضحكة تنتظر الزعيم الكردي الذي قد يطلب على نحو ما فعل أبيفائيل غوزمان زعيم "الطريق المضيء" بعد تعذيبه من قواته إلقاء السلاح في دولة حيث يغيب القانون لمصلحة مراسيم يصدرها مجلس الأمن القومي الذي يهيمن عليه العسكريون ويقررون فيه التوجهات الرئيسة للبلاد·

فالدولة التركية هي دولة تسجن المدافعين عن حقوق الإنسان مثل اكين بيردال، وهي دولة حكم فيها على نواب بالحبس الانفرادي لأنهم تحدثوا باللغة الكردية في مبنى البرلمان (مثل النائبة ليلي زانا)، وهي دولة حكم فيها على عالم الاجتماع اسماعيل بيسيكشي بالسجن مدى الحياة لأنه أعلن أن هناك أكرادا في تركيا، وهي دولة تعاني فيها بعثات "المجلس الأوروبي" ما هو أكثر من مجرد عرقلة· وهذا كله عائد الى أنها الدولة الوحيدة في العالم التي قررت ما بين عامي 1924 و1991 رسميا أن ليس هناك أي وجود للأكراد·

ومذ ذاك عرف العالم أن هناك نحو 12 مليون كردي في تركيا أي نحو 20 في المئة من السكان·

لن تنهي محاكمة أوجلان القضية الكردية· وأوروبا فكرت كثيرا بالحلول بلا جدوى، وكانت تخضع بمهانة للتهديد التركي بالانتقام الاقتصادي· ولكن عليها أن تتحدث بصوت واحد حتى لا ترث المشكلة الكردية، وقد أثبتت أعمال العنف الكردية أن هذا قد يحدث·

مدير المركز الأوروبي لدراسة الأزمات

(لوموند)

طباعة  

ثقافة القتل تتسع والأحزاب تتكاثر كالفطر
إسرائيل: النزاعات الداخلية تضطرم فهل تنفجر في الانتخابات المبكرة؟

 
إخفاق الغرب في مؤتمر رامبوييه نذير لكارثة في كوسوفو·· وصربيا