Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 15-21 ذي القعدة 1419هـ - 3 - 9 مارس 1999
العدد 1367

ثقافة القتل تتسع والأحزاب تتكاثر كالفطر
إسرائيل: النزاعات الداخلية تضطرم فهل تنفجر في الانتخابات المبكرة؟

أين ذلك السلام الداخلي الذي كانت ترتع فيه إسرائيل عندما كانت في غمرة الحرب؟ فالخطر الخارجي كان يوحد أمة لم تتخط انقساماتها الحقيقية فعلا السقف المناسب للتعبير· لكن إسرائيل صارت تنزلق اليوم، بعدما امتنع أي من أعدائها القدامى عن التهديد، الى دروب الانقسامات· فبعد خمسين سنة من تأسيس الدولة أخذ مواطنوها يتبادلون الشتائم والعداوات· وتبدو بلادهم وكأنها تتجه نحو انفجار، كما لو أن التعددية الاستثنائية التي تمتعت بها طويلا صارت عبئا عليها الآن· فاليهود السفارديم (الشرقيون) يعادون اليهود الغربيين (الاشكيناز) واليمين يخاصم اليسار، والمتدينون ضد العلمانيين، والمولودن في البلد ضد المهاجرين: فلم تعرف المشكلات التي تقسم المجتمع الإسرائيلي هذه الحدة من قبل قط· وعن ذلك قال معلم إسرائيلي إبان نقاش في العنصرية إن الوقت هو "وقت الحميّات التي تفرّق لا القواسم المشتركة التي تجمع"·

هذه الظاهرة لا ترقى الى الأمس، وإذا أردنا أن نحدد نقطة انطلاقتها يمكن أن نعود الى الرابع من نوفمبر عام 1995 باعتباره مرجعا· ففي ذلك اليوم، قتل المتطرف اليهودي إيغال عامير باسم الشريعة اليهودية رئيس الوزراء إسحق رابين الموصوم خائنا للشعب اليهودي، وهذا اتهام يعادل برمزيته الأصولية الحكم بالموت· وفي تلك الفترة كان كل إسرائيلي يخشى حدوث شيء يعتقد أنه مازال مستحيلا: أي مقتل زعيم يهودي بيد قاتل يهودي باسم القيم العليا لليهودية· ومذ ذاك تخطت غريزة الموت والقتل لدى ذلك الشاب المتطرف حدود كتلة أصدقائه· ففي الكنيست وفي الشارع وفي النقاشات التي ينظمها التلفزيون الإسرائيلي صار توجيه الإهانة بوصمة "النازية" أمرا شائعا على ألسنة المتدينين الذين يطلقونها ضد أي شخص ينتقد الانحراف نحو التشدد للمجتمع بدفع من الحاخامين المتطرفين· وقد صدرت هذه الإهانات من مئات أفواه المتعصبين في الأول من فبراير عندما حاول ثلاثة من اليهود الإصلاحيين أن يصلوا عند حائط المبكى، وكانت الإجراءات الأمنية المشددة هي العائق الوحيد الذي منع ترجمة الإهانات ضربا وركلا· ويوم الأحد في الرابع عشر من فبراير أيضا، نزل أكثر من 200 ألف يهودي متشدد الى شوارع القدس يتظاهرون ضد المحكمة العليا وكان ذلك أكبر تظاهرة للمتدينين في تاريخ الدولة العبرية منذ تأسيسها عام 1948·

ما كادت الحملة الانتخابية تبدأ، لكنها اتخذت حدة لا تترك أي تساؤل عن كيفية إجرائها· ففي نهاية السنة الماضية أعرب قائد الشرطة علانية عن خوفه من أن تكون هذه الحملة (في 17 مايو) هي الأشد عنفا في تاريخ إسرائيل· وقد كان الخروج الأول لمرشح حزب "الوسط" أمنون ليبكين - شاحاك (رئيس الأركان سابقا) الى أحد الأسواق التي تعتبر معقلا لتكتل ليكود اليميني مصحوبا بخروج تظاهرات للمتطرفين جاؤوا يرمونه بالطماطم ويهددون بالقتل لأنه تجرأ على دخول هذا المعقل التابع لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو· وكانت القضية على درجة من الخطورة دفعت القضاء الإسرائيلي الى التدخل وإصدار أوامر بالملاحقة في حين اتخذت جميع الأحزاب احتياطات ضد الانحرافات الخطرة· وإذا أخذنا بالاعتبار حوادث أخرى مثل قيام نحو ثلاثين شخصا من أنصار رئيس الوزراء بمنع خصومهم من التحدث في برنامج للتلفزيون الإسرائيلي، يتبين لنا أن أحدا لم يتعلم الدرس·

يتجذر العنف والانقسامات في قلب المعركة الانتخابية، فلم يكن من قبيل المفارقة أن يتبنى نتانياهو، الذي يعرف نقاط ضعف ائتلافه الحاكم، وهو يحاول استغلال الأجواء الراهنة شعار "قائد قوي لشعب قوي" وهذا الشعار المصحوب بصورة لرئيس الوزراء يرتفع الآن فوق الجدران في جميع أنحاء إسرائيل· أما ايهود باراك زعيم حزب العمل فقد طرح شعارا لا يقل غموضا وهو "قائد لشعب موحد"·

وأدى شعار نتانياهو الى حدوث خلافات كبيرة بين اليسار واليمين· فالأول اتهم الثاني باللجوء الى إغواء الناس بشعار أقرب الى شعارات الدكتاتور الإيطالي بنيتو موسوليني منه الى الشعارات الديمقراطية· ورد نتانياهو على ذلك متهما خصمه (باراك) باللجوء الى شعار "عسكري - فاشي" يرقى الى أدولف هتلر· أما المراقبون المذهلون فتشوشت أنظارهم أمام عنف الآراء والاستنادات· وإذا صدقنا نتائج استطلاع رأي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" نجد أن غالبية الإسرائيليين إما تقف غير مبالية أو أنهم تعودوا الشعارات الأكثر تطرفا أو أنهم يؤيدونها·

فلماذا يجب أن تثيرهم انقسامات تخص الطبقة السياسية إن كانوا شهودا غير مبالين لنظام يبدو أنه مركب بطريقة لا ترضي غير زعمائه! فهؤلاء الزعماء، الذين لا يأبهون بالحذر من الوضع الحالي، ولا يدافعون عن معتقداتهم نفسها، بل الذين يمارسون رقابة ذاتية على انتقاداتهم، ينشغلون الآن بالمساومة على احتلال مراكز انتخابية على قوائم أحزابهم· وإذا لم يتيسر لهم الحصول على ما يشاؤون تراهم ينتقلون الى أحزاب أخرى في نظام انتخابي يعطي لرئيس الوزراء (المنتخب مباشرة من الشعب) سلطات توازي صلاحيات الرئيس الفرنسي، في حين أن النواب يختارهم الشعب بالتمثيل النسبي·

في غضون أسابيع ظهرت في إسرائيل أحزاب مثل الفطر الذي ينمو عقب المطر· فهناك أحزاب لجميع الأذواق ولكل منها هموم ضيقة: فهناك عارضة أزياء سابقة تريد الدفاع عن حقوق النساء المظلومات، ويهودي مغربي المولد يدعو الملك الحسن الثاني الى تمويل حملته، ومرشح يحلم بالدفاع عن التأمل الروحي المتسامي، ونقابي هو عضو في حزب العمل لكنه يريد تأسيس حزب للعمال، ومدير سابق لمكتب نتانياهو (هو افيغدور ليبرمان) يريد تحطيم حزب المهاجرين الروس (إسرائيل بعليا) بزعامة وزير الصناعة والتجارة ناتان شارانسكي·

استنادا الى جميع الاحتمالات، سيكون الكنيست الإسرائيلي المقبل أكثر تفككا من الكنيست الحالي، وهذا ما لا يسهل الحكم في أية قضية إنما يصعبه·

(لوموند)

طباعة  

التخاذل أرسل أوجلان إلى غرفة التعذيب
تركيا ترتكب أضعاف ما يحدث في كوسوفو فلماذا يسكت الأوروبيون والغرب؟

 
إخفاق الغرب في مؤتمر رامبوييه نذير لكارثة في كوسوفو·· وصربيا