Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 15-21 ذي القعدة 1419هـ - 3 - 9 مارس 1999
العدد 1367

قراءة في كتاب "قلق التأثر" لهارولد بلوم
حين يرقى النقد الأكاديمي الموهوب إلى مستوى الإبداع

·         الشعراء الأقوياء يصنعون التاريخ عبر تكتمهم على "الآخر"

·         السمو المضاد استراتيجية نفسانية رداً على سموّ السلف

 

كتب خالد زغريت:

تمثل جهود هارولد بلو النقدية في كتابه (قلق التأثر) صورة حيوية لفاعلية النقد الأكاديمي الموهوب، حيث راح المؤلف بما تملّك من أصالة الإبداع وتحفّزه يؤسس لنظرية أدبية ذات منهج علمي متقن وحيوي تأتّى لها سبل التفاعل والإقناع والإثارة، مما دفع المثقفين والنقاد الى الاحتفاء الجميل بهذا الكتاب الذي يعتبر كما يرى توماس ماكفر لاند (أهم كتاب حتى الساعة يكتبه الناقد والأكاديمي الموهوب هارولد بلوم، مقدر لهذا الكتاب على ما أعتقد أن يكون واحدا من الأعمال الكلاسيكية في مجال النظرية الأدبية)· ومن أبرز الشهادات المثيرة حول هذا النتاج النقدي المهم ما قدمه بيرل كبيل عندما قال "أن يقرأ المرء كتاب قلق التأثر يعني أن يتقلب بلا انقطاع على لظى أصالة الناقد وتنبهر بصيرته بين الحين والحين بالفتوحات العالية الصقل لتحليلاته، شروحات بلوم المواربة دعمت عند كل منعطف بهدوء ملكي متعمد لبناء مجرب، ووثقت باستشهادات موحية صريحة وعلنية مأخوذة من أفق متنوع القراءات الفلسفية والأدبية والنفسية"·

 

تنظير لشعرية تنتج نقداً علمياً

 

لقد بنى بلوم عناصر نظريته من خلال الاستقراء التوصيفي لمسألة التأثر الشعري وتبصر العلائق الشعرية المتشاركة في نتاج الشعراء، وبالتالي تدلنا قراءة التاريخ الشعري على خاصية التوليد الشعري اللاحق من السابق، فالشعراء الأقوياء كما يرى بلوم هم "الذين يصنعون هذا التاريخ عبر تكتمهم على بعضهم بعضا سعيا منهم لتهيئة فضاء شعري لأنفسهم"، فما مدى براءة هذا الفضاء من أثر الآخر؟ وما أثر حساسية الشاعر الإبداعية الى هذه المشاركة التأثرية؟، إذ دائما ما يبهر الشاعر المتواضع الموهبة بإبداع الآخر الموهوب، لذلك يرى بلوم أن أحد أهداف نظريته هو تصحيحي "أي إزاحة الغشاوة عن التأويلات المكرسة فيما يتعلق بكيفية مساهمة كاتب بتشكيل كاتب آخر أما الهدف الآخر فهو محاولة التنظير لشعرية قادرة على إنتاج نقد علمي أكثر دقة"·

 

الشعر··· والسموّ المضاد

 

لا بد هنا أن نتساءل عن مدى خلاف بلوم مع دعوى التناص والمثاقفة الشعرية، إن التناص يبدو في سياق نظرية بلوم ضمورا لمهارة التخيل الشعري لدى الشاعر المناص للآخر، لأن الشعرية لديه تحقيق للذات الشعرية الخاصة التي تشق سبلا إبداعية للتخيل، وهي غالبا ما تكون محفوفة بالمخاطر وقلق التأثر، وبالتالي هي كتمان للتناص لأنه أس حيوي للاحق لكن بخصوصية جديدة مضللة، فالتأثر الشعري كمبدأ مركزي لمقولة بلوم هو "عندما يتعلق الأمر بشاعرين قويين وحقيقيين دائما ينبثق من مقروئية ضالة للسلف السابق وهذا فعل صحيح مبتكر، ما هو بالحقيقة وبالضرورة سوى فعل تأويل ضال· تاريخ التأثر الشعري المثمر باعتباره التقليد الرئيس للشعر الغربي منذ عصر النهضة هو تاريخ القلق وكاريكاتورية خلاص الذات تاريخ التشويه والتنقيحية المقصودة والشاذة والتي بدونها يصعب على الشعر الحديث كما هو الآن أن ينوجد"· فعلى الرغم من أن التسامي واحد من أهم الخواص الإنسانية كما رسخه فرويد إلا أن التسامي تصاعد وليس انقطاعا في القصيدة وبالتالي تتحتم علينا فرضية كسر مبدأ الوحدة العضوية للقصيدة، لأن ألم الإبداع مكون شعري في القصيدة وكذلك التأثر المعلق، فالسمو في الشعر كما يرى بلوم سمو مضاد "إذ على الشاعر القوي الجديد أن يصالح في ذاته بين حقيقتين· سيرورة العرق هي الروح الحارسة وكل الأشياء تبتكر من خلاله، وبدونه لا شيء يبتكر مما كان قد ابتكر الشعر على نقيض ما يشاع عنه ليس صراعا ضد الكبت بل هو ذاته نوع من الكبت تأتي القصائد لا كاستجابة لزمن راهن بل لقصائد أخرى"· إن بلوم يجهد بكل اتجاه لتنسيق مجموعة الأمثولات والتعاريف والاستقراءات ليشكل حاملا يجمع مقولة كآبة العقل في إصراره على مسألة السبق في الإبداع·

فالسمو المضاد استراتيجية الشاعر النفسانية في القصيدة لتوليد ما هو "سمو نقيض وشخصاني يمثل ردة فعل على سمو السلف"·

 

الشاعر اللاحق··· والنرجسية

 

يبدو الشاعر اللاحق كما في قراءات بلوم متملكا لفيض هائل من الحيل اللاشعورية للدفاع عن انوجاد إبداعه في صور متحركة "لكنه لا يخضع لحركة إرجاعية من الإفراغ كما هي الحالة في الكينوسيس بل التحجيم والاحتواء، إذ إنه يقوم بالتخلي عن جزء من موهبته الإنسانية والتخيلية وذلك لكي يبتعد بنفسه عن الآخرين بمن فيهم السلف، يفعل هذا في قصيدته عبر موضعتها بمواجهة القصيدة الأم جاعلا تلك القصيدة تعيش حالة تطهر - نرجسية وهنا أيضا تخضع موهبة السلف للاحتواء"· باختصار تلوب مقولات بلوم في إبداع الشاعر اللاحق لحيل لا شعورية دفاعية ذات ممارسات إبداعية لمواراة النتاج السابق وموازاته بصور قد لا تبدو ذات انتماء صريح لجذوتها الأم "فالشاعر اللاحق مثقل بعبء الخلوة التخيلية التي تكاد تصل عنده حد النرجسية··· لكن القصيدة الآن باتت مكشوفة للسلف، حيث كانت مكشوفة سابقا والنتيجة المدهشة هي في إنجاز القصيدة الجديدة أن اللاحق يوهمنا - ليس بأن السلف قد قام بكتابتها بل كأن الشاعر اللاحق نفسه قد قام بكتابة الخواص النموذجية لقصيدة السلف"· ربما كان هارولد بلوم كما يقول بول دي مان "واضحا في فهمه لأنساق القراءة الضالة تماما مثل فهمه للرومانسية متقدما على كل ما عداه ومنذ أول المضمار"·

 

قفزة النقد إلى الإبداع

 

بمحصلة هذه القراءة السريعة لأنساق نظرية بلوم نستشف الوعي المنهجي والاستقرائي لالتباس الإبداع المتجدد، وطرق صراعه مع أبوته الإبداعية بالإفادة الصريحة من التحليل النفسي لحالة القصيدة، وبالتالي تحويل إبداعها الفني الى صور من الحيل النفسية الدفاعية لاستراتيجية إبداعية مهما يكن من محاذير هذا التحويل لحمله على مضاعفة التأويل وريبة الفضاء النفسي التأويلي للإبداع بالإيهام القرائي والمعرفي، فإن لنظرية بلوم مداراتها الخلاقة لفتح النقد الأكاديمي على أفق الإبداع والحيوية بعيدا عن تأزيم الأبستمولوجي وأسره بالمعاييرية المحبكة الصارمة، إنها قفزة النقد الى الإبداع المتجدد، لذلك تبقى جهود بلوم صورة "مثيرة" للامتياز النقدي المبدع الذي يقتفي نهجه في تأصيل النقد كمحك إبداعي·

طباعة  

أخبار اللجنة الدولية للصليب الأحمر
 
أفق
 
أخبار ثقافية
 
فجر التحرير يشرق في سماء الكويت بعد شهور من عذاب المحنة ومأساة الاحتلال
أحاسيس ومشاعر كتبها الشعراء والأدباء بدم الروح تعبيراً عن فرحة الحرية ويوم الخلاص من محنة الغزو

 
إصدارات
 
استسلامي
 
"العلوم الاجتماعية" تدخل الإنترنت وتعرّف بهويتها وأسرة تحريرها
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس